الثورتان الفرنسية والسوريةوعلوش وآل الأسد

لأسابيع قليلة بعد انفجار الغضب الشعبي في درعا وتمدّده في أنحاء سوريا، أهابت ناظرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بالرئيس السوري بشار الأسد أن يقود هذه الثورة. لم يُعطَ هذا «المجد» لأيّ من الرؤساء العرب الذين ووجهوا بانتفاضات شعبية في ذلك العام، بمن فيهم أخلص الحلفاء لواشنطن في المنطقة العربية. لم يتأخر الأمريكيون أيضاً، فسحبوا هذا الموقف من التداول، وجعلوا من تنحية الأسد محكاً لا يمكن تفاديه لأي عملية سياسية تخص سوريا، وان عقدوا الصفقة معه، بترتيب روسي، على سحب الترسانة الكيماوية في اثر قصفه بها للغوطة، وبدوا منذ ذلك الحين ميالين للتنحية التدريجية البطيئة لبشار الأسد. هذا فيما تراوح الموقف الروسي بين رفض التنحي كشرط مسبق للعملية السياسية، وبين الاشتراط المضاد بالابقاء على بشار الأسد على رأسها.
يصعب وصف هيلاري كلينتون بالسذاجة في الموقف الذي عبّرت عنه في الأسابيع الأولى على اندلاع شرارة الانتفاضة الشعبية السورية ضد حكم آل الأسد. بطريقة أو بأخرى كان تتواتر، في موقفها الأولي هذا، حيلة الثورة الفرنسية بازاء لويس السادس عشر. بطريقة أو بأخرى كانت تؤشر الى الاختلاف الدرامي الأساسي بين الثورتين.
فالثورة الفرنسية تعاملت، نظرياً، مع الملك على أنه قائد الثورة التي قامت ضده، ومن ثم قطعت رأسه، بدعوى خيانته الثورة، بل خيانة تاريخ «ثوري ملكي» يمتد الى جده لويس الرابع عشر، تاريخ من «الثورة المزمنة» يقودها العرش، لوضع حد لهيمنة البابوية على الكنيسة الوطنية، ولعنجهية الأروستوقراطية الفخورة بأصولها «الأجنبية» قياساً على أهل البلد.
بهذا المعنى، كانت الثورة الفرنسية هي ثورة الجد على حفيده، وأوّل تطبيق لمقولة «الثورة تأكل أبناءها» كان اعدام الملك نفسه، لا على استبداده، وانما لخيانته الثورة، خيانته لتاريخ من نضال الملوك بوجه الأروستوقراطية. أعدم لتراخيه عن الموقف الإستبدادي – السيادي بازاء الإكليروس والأروستوقراطية، وفقط بخيانته هذه أمكن انتقال السيادة من السلالة الملكية الى الشعب.
الانتفاضة السورية في آذار 2011 توجهت باكراً ضد حكم آل الأسد. لم يكن واقعياً أن تطرح، حتى كحيلة بلاغية، توسط بشار الأسد في الصراع بين المنتفضين وبين آلة القمع الدموية. في الوقت نفسه، اتخذت ملاعنة حافظ الأسد مكانة حيوية بين سائر شعارات وهتافات الثورة، دون أن يعني ذلك بأي شكل كان الاستعداد لحيلة بلاغية من مثل بشار للثورة على ارث والده. فبعد احد عشر عاماً في الحكم كانت مثل هذه الحيلة قد فسدت، زد على ان الابن يرث هنا «رئاسة جمهورية»، وليس العرش.
لم يفكر أحد بالحيلة البلاغية المعكوسة: استعادة الأب بوجه الإبن. حصل ذلك لبنانياً، بشكل جزئي، فور اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حين قابل بعض النواب «السياديين» بين دهاء حافظ وصبيانية بشار (كلمة مروان حمادة في مجلس النواب بعض اغتيال الحريري مثلا). في سوريا، تحول «لعن حافظ» الى منسك ثوري، مع ان استذكار عبارة المديح التي كانت تكال له كـ»باني سوريا الحديثة» توفر بحد ذاتها ادانة واسعة للإبن الذي ضيّع ما «بناه» الوالد.
لكن الإبن فطن بشكل أو بآخر الى ما تواتر على لسان هيلاري كلينتون، مطلع الثورة السورية، من زمن الثورة الفرنسية. قال، ما معناه، ان لعن الاستبداد وحده لا يكفي، وان اللعن ليس منسكاً ثورياً كفاية، وعدّد في أكثر من ظهور خطابي ما ينقص الثورة السورية كي تكون بالفعل ثورة، وفي طليعة ما ينقصها أن تكون لها قيادات ثورية، تستطيع أن تطالب الطاغية بتسليم مقاليد الأمور لها. أكثر من هذا، اذا كانت جريمة لويس السادس عشر بالنسبة لثوار زمانه، انه خان الثورة مع الاكليروس والاروستوقراطية، وليس انه ملك، وكان انتقال السيادة منه الى «الطبقة الثالثة» في المجتمع ممكناً بموجب هذه الخيانة، فإن منطق بشار الأسد أوجد نفسه في معاكسة لهذه الحالة: هو لم يلب دعوة هيلاري بأن يقود بنفسه الثورة، لكنه اعتبر ان هذه الثورة ملكه لمجرد انها لا تستطيع انجاب قيادات ثورية بديلة عنه. منطق بشار الأسد: هذه ثورة ضدي، لكنها «عاقر»، لا تستطيع ان تنجب مشاركاً واحداً من خارج نظامي في حكومة انتقالية الا رئيس وزراء سبق انشقاقه من عندي، وبالتالي فأنا وذريتي ورثة هذه الثورة من دون ان نقودها، بل من ضمن قيادتنا لأعتى حملات التنكيل بها، ثم تلزيم سوريا للايرانيين والروس. بمعنى آخر، الحلقة التي أمنت نقل السيادة فرنسياً من الملك للجمعية التأسيسية مفقودة هنا. الرئيس دمر المجتمع على من فيه، لزم البلد للقوى الأجنبية، لكنه قمع الثورة ولم يخنها، قمعها واعتبر نفسها وصياً عليها ووريثاً لأنها عاقر. من ناحية، هو لا يجد من بمقدوره ان يسلّمه زمام الحكم. من ناحية ثانية، هو لا يجد المسوّغ لانتقال الحكم. هو وحلفاؤه، يبحثون كقنديل ديوجين عن معارضة مسلّحة غير ارهابية. يرمون الصواريخ بحثاً عنها. لعلّ وعسى.
ثلاثة فقط تصدّوا جدياً لهذا المنطق البشاري: زهران علوش، ابو محمد الجولاني، ابو بكر البغدادي. كل بإتجاه. لكن ثلاثتهما فطنوا الى سوء الربيع العربي نفسه حين يواجه الطغاة بالجماهير من ناحية، والشخصيات المدنية من ناحية ثانية. من أسوأ ما ارتكبه الربيع العربي بحق نفسه كان استسهال ثقافة «عدم الحاجة» لقيادات كاريزماتية في مرحلة الانتفاضات. عدم الحاجة هذه لعبت دوراً في التسويق لحجة بشار الأسد، بأن «الثورة عاقر»، قبل ان يلمع اسم علوش والجولاني والبغدادي. المفارقة حينها أن تعديل حجة بشار الأسد حصل كالتالي: «الثورة عاقر سياسياً، الا حين تنجب قيادات ارهابية». صعب مع ذلك تنسيب زهران علوش الى اي ظاهرة تتبع لـ»الارهاب الدولي»، العابر للحدود، في مقابل تحطيم البغدادي للارقام القياسية في «الإرعاب الدولي». كان علوش من القادة الميدانيين القليلين الذين يمكن احراج الموقف الحليف للأسد به في أي عملية سياسية. اغتياله كان بهذا المعنى لحماية منطق بشار الأسد في أنّ الثورة عاقر، وان انجبت لا تنجب سوى البغدادي والجولاني، وان انجبت زهران علوش فليس بمقدوره حماية نفسه من الاغتيال الجوي، وليس بمقدوره توريث قيادته لمن بعده. في المقابل، اغتيال البغدادي لن يبدّل شيئاً في»داعش» اذا حصل، وكذلك الجولاني. زهران لا يملك «مؤسسة» القاعدة وداعش. امارته ليس بديهياً معرفة لمن تورث، وكيف ستورث. يبقى ان هناك نظاما أسديا يقول لها، ولباقي الامارات الجهادية: لست صانعها، كما يقول التبسيطيون، لكني بالضرورة وارثها.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة