الجربا في واشنطن: الفراغ أوسع والهوّة أعمق

33135706497

على ذمة الـ’واشنطن بوست’، التي تنقل، بدورها، على ذمّة سفير ‘الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية’ لدى أمريكا، نجيب الغضبان (أو ‘الغضبيان’، كما أسمته الصحيفة!)؛ قد يقوم الرئيس الأمريكي باراك أوباما بـ’التعريج’ على اجتماع سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض، مع وفد الائتلاف، برئاسة أحمد الجربا، وعضوية الغضبان، واللواء عبد الإله البشير، ومايكل كيلو (حسب التسمية التي اختارها له ‘معهد الولايات المتحدة للسلام’). في عبارة أخرى، وحتى يثبت العكس، ليس ثمة برمجة لأيّ لقاء رسمي يجمع أوباما وأقطاب الائتلاف هؤلاء؛ وقد يُكتفى من ‘الغزوة’، بأسرها، بلقاء آخر مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، والله يحبّ المحسنين…

أمّا ذروة الغنائم، فهي منح الائتلاف صفة ‘البعثة الأجنبية’، وهذا تطوّر شكلي محض (على نقيض ما تظنّ، وتصرّح، صديقتنا ريم العلاف، التي تشغل الآن موقع ‘مستشارة’ الجربا)، يتفق فيه جميع خبراء التمثيل الدبلوماسي. الرابح الأكبر من الخطوة قد يكون الغضبان نفسه، الذي سيتمتع بحراسة أمنية أفضل (من طراز سبقه إلى التمتع به أمثال برهان غليون وبسمة قضماني، في باريس)؛ وتسهيلات مصرفية، تخصّ التحويلات المالية إلى الولايات المتحدة ومنها؛ وتحسينات لوجستية على مقرّ الائتلاف في واشنطن ـ جادة بنسلفينيا، وافتتاح مكتب في نيويورك. وأمّا على صعيد الأموال، فإنّ الخارجية الأمريكية تكرّمت ولوّحت بمبلغ مقداره 27 مليون دولار، ما تزال تأخذ شكل ‘المساعدات غير الفتاكة’، دون سواها.

وفي مقابل كشف النقاب عن اقتراب موعد تنفيذ القسط الأوّل من صفقة سلاح بين روسيا ونظام بشار الأسد (تسع مقاتلات Yak-130، من أصل 36 طائرة، سدّد النظام قيمتها بمبلغ 100 مليون دولار، كجزء من قيمة العقد الإجمالية التي تبلغ 550 مليون دولار)؛ ما يزال البيت الأبيض على تحفظه في توريد أية اسلحة متطورة للجيش السوري الحرّ، وليس مضادات الطيران وحدها، بل مضادات الدروع، أو أيّ وكلّ طراز آخر من الأسلحة يمكن أن تعترض إسرائيل على إدخاله إلى سوريا. وفي المقابل، كذلك، وصل الجربا إلى واشنطن بعد دخول قوّات النظام السوري إلى حمص القديمة، وبعد صولات للنظام سقط خلالها مئات الشهداء، ودُمّرت مئات المساكن وعشرات الأحياء، واستُخدمت فيها الأسلحة كافة: من قصف القاذفات الثقيل، إلى البراميل، فالأسلحة الكيماوية.

مفيد، في مناسبة وصول الجربا إلى واشنطن، وتباشير هذه الحصيلة الفقيرة، والمنطقية المنتظَرة، في آن؛ استذكار تلك الحقيقة التي تقول إنّ الجربا صعد إلى رئاسة الائتلاف ليس بسبب أيّ توازنات أو تطوّرات أو معادلات (سلبية كانت أم إيجابية، وتافهة عابرة أم ذات قيمة وديمومة) ذات صلة بمشهد المعارضة السورية الرسمية. لقد تمّ ترئيس الجربا كجزء من ‘تأثيث’ بيت هذه المعارضة بعد أن تمّ تلزيمه إلى المملكة العربية السعودية، في عهدة الأمير بندر بن سلطان؛ وكان الرجل تكملة، على غرار ذرّ الرماد في العيون، لمعارك الضجيج والعجيج (من غير طحن، بالطبع) التي خاضها أمثال ميشيل كيلو، من أجل تعزيز وجود السعودية عبر أكذوبة توسيع الائتلاف.

ولعلّ أكبر إنجاز حققه الجربا، وتلك كانت برهة وحيدة، واحدة ومنفردة، كان الخطاب الذي ألقاه في افتتاح مؤتمر جنيف ـ 2 (وأقصد، هنا، نصّ الخطاب ومنطوقه العامّ؛ وليس الإلقاء، الذي كان كارثياً كالعادة). أمّا ‘المآثر’، فللمرء أن يحدّث دون حرج: من صفع الآخرين، وتلقّي الصفعات منهم؛ إلى التمديد، الذاتي، للفترة الرئاسية؛ ليس دون نسيان مسارح التصويت الانتقائي على هذا الإجراء أو ذاك، وترقية تلك الكتلة هنا، مقابل خسف تلك الكتلة هناك. وليس أدلّ على ألعاب الكراسي الموسيقية هذه، من سلسلة المناورات والمناورات المضادة التي بدأت بمجيء الجربا في عداد ‘الكتلة الديمقراطية’، وانتهت بخروجه منها، وعليها؛ وكذلك خروج الكتلة منه، وعليه!

والأرجح أنّ الجربا يقفز، اليوم، في فراغ أوسع هوّة من ذاك الذي كان أمامه، حين ارتقى سدّة رئاسة الائتلاف؛ وذلك بعد سحب الملفّ السوري من يد الأمير بندر، وتلزيمه إلى جهاز أمني ـ بيروقراطي سعودي، أكثر طواعية للتخطيط الأمريكي، وأكثر استعداداً للتنفيذ الحرفي، وأقلّ نزوعاً نحو استعراض القوّة (كما في مثال ذهاب الأمير إلى روسيا، والايحاء بالضغط على واشنطن من باب اجتذاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين). وهو فراغ لا يقتصر على مقدّرات المحيط الإقليمي الذي تتشابك فيه خيوط الانتفاضة السورية ومصير نظام الأسد وحلفائه، فحسب؛ بل صارت تدخل عليه، عمقياً، معادلات السخط الشعبي الواسعة، داخل سوريا، ضدّ بؤس أداء الائتلاف، على مستوى الإغاثة وخدمات الحدّ الأدنى في المناطق المنكوبة، من جهة أولى؛ ثمّ متغيرات الأرض العسكرية الأخيرة، في القلمون وحمص وبعض ريف دمشق، التي افتُضحت خلالها أركان الائتلاف العسكرية، من جهة ثانية.

ولهذا فإنّ حال الجربا، اليوم، هي من حال سادته وداعميه، في أوّل المطاف ونهايته؛ ما دامت سياسة أوباما، تجاه الملفّ السوري، باقية على حالها، في المدى المنظور على الأقلّ. وتلك، للتذكير المفيد ربما، سياسة نهضت على تأجيل أيّ جهد أمريكي يساعد على إسقاط النظام، أو إبطاء الحسم فيه ما أمكن: ريثما تتضح الصورة أكثر (خلال الأشهر الأولى لانطلاقة الانتفاضة)، وتنجلي موازين القوى بين النظام والشعب؛ وتفعل عوامل تفكك النظام فعلها تلقائياً، حسب مبدأ ‘الهبوط السلس′ (الذي اعتمدته الإدارة خلال الأشهر الوسيطة)؛ مما يتكفل بتسعير ثلاث حروب استنزاف، متزامنة ومترابطة، على الأرض السورية أو تحت مفاعيل الملفّ السوري (خلال الأشهر الأخيرة، وحتى الساعة، أو إلى المدى الذي يصبح فيه اللعب بالنار أشدّ قابلية للارتداد على اللاعب).

حرب استنزاف أولى ضدّ إيران، إذْ لم يعد خافياً أنّ تورّط إيران في الشأن السوري لا يضعفها عسكرياً واقتصادياً فقط، بل يرهقها سياسياً على مستويات إقليمية أيضاً، ويربك استقرارها تنموياً، ويعرقل برامجها التسليحية ولا سيما النووي منها، وبالتالي يضعفها أكثر ممّا تفعل العقوبات الاقتصادية الراهنة. وما تخسره إيران على الأرض السورية، تكسبه أمريكا في الحساب البسيط، دون عناء يُذكر. وحرب استنزاف ثانية، على الأرض السورية دائماً، ضدّ ‘حزب الله’ اللبناني، الذي تراكمت خسائره الفادحة، البشرية والسياسية والمعنوية، منذ أن أُجبر على القتال مع النظام، فصار مرغماً على الانخراط في استقطابات إقليمية ومذهبية أبعد خطراً وعاقبة. وحرب استنزاف ثالثة ضدّ روسيا، في لعبة شطرنج خبيثة يبدو الظفر فيها منعقداً للروس؛ للوهلة الأولى فقط، في الواقع، لأنّ تورّط موسكو يضرّ بالكثير من مصالحها، الاقتصادية والجيو ـ سياسية، على الأمدية البعيدة.

فإذا أضاف المرء ما يتوجب إضافته، دون إبطاء، أي المصلحة الإسرائيلية المباشرة في استمرار حروب الاستنزاف الثلاثة هذه؛ فإنّ ثبات إدارة أوباما على خياراتها الراهنة بصدد الملفّ السوري، يظلّ مرتهناً باضطرارها، ومعها حليفتها إسرائيل، إلى اتخاذ نهج آخر. وتلك نقلة لن تكون، إذا اقتضتها مراحل الصراع الآتية، إلا استجابة لأسباب تنبثق من واقع الأرض، في داخل سوريا، بموجب اعتبارات صارت للأسف عسكرية محضة في المقام الأوّل، ثمّ سياسية واجتماعية، وربما مجتمعية صرفة أيضاً؛ وليس بتأثير أية زيارات مسرحية جوفاء، أو حروب طواحين تُخاض في اسطنبول، أو من… واشنطن ـ جادّة بنسلفينيا!

 


صبحي حديدي