الجوع يطرق أبواب الرقة مع تصاعد الأسعار ونزوح يجري في مناطق ويستثني أخرى إلا عبر التهريب وتنظيم “الدولة الإسلامية” يسير دورياته في نهر الفرات

تواصل مطرقة الحرب دق رؤوس أبناء سوريا، وتخص كل منطقة بطرقة مختلفة تجمعها مع البقية، صرخة الوجع المستمرة الغير مسموعة إلا من النائحين على أنفسهم، الثكالى، اليتامى، المجوَّعين، المشرَّدين، المصابين، المتألمين، والعاجزين عن كل شيء حتى حماية أنفسهم من الموت الذي يجول حولهم ويحوم فوق رؤوسهم.

كل هذا جزء من يوميات ساكني الرقة وقاطنيها، هذه المدينة التي اتخذها تنظيم “الدولة الإسلامية” معقلاً له بعد سيطرته عليها قبل سنوات، فيما عمد لصبغها بصبغته قبيل بدء معركة الرقة الكبرى المرتقبة، عبر إرغام المدنيين الذكور على ارتداء “الزي الأفغاني”، محاولاً الاحتماء وعناصره بالمدنيين وإيهام الطيران بهذا.

كل هذه التدابير الاحترازية الأمنية، لم تعطِ الأمان لأبناء مدينة الرقة، ولم تمنع الجوع من أن يتسلل إلى بطون الباقين في المدينة، وبقية الأجزاء المحاصرة معها، من أريافها الشرقية والغربية والشمالية، فيما تابع المرصد السوري لحقوق الإنسان رصده ليوميات مدينة الرقة وريفها، حيث رصد مواصلة أسعار المواد الغذائية صعودها المتسارع، مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين في المدينة، وبات الفرق كبيراً بين قدرة الشراء وسعر المنتجات، وكان انقطاع الطرق الذي فرضه حصار قوات سوريا الديمقراطية المدعمة بقوات النخبة العربية وقوات التحالف الدولي لمدينة الرقة، السبب المباشر لبدء سوء الأوضاع الإنسانية في المدينة، والتي عقبت تدمير جسري الرقة القديم والجديد في الثالث من شهر شباط / فبراير من العام الجاري 2017.

المرصد السوري لحقوق الإنسان رصد تذمَّر المواطنين واستيائهم من هذا الارتفاع، الذي قال عنه سكان للمرصد السوري، بأنه “”قد يودي بالمدينة إلى ما هو أسوء، وما لا يحمد عقباه””، فهذا الارتفاع الجنوني في الأسعار، التي افتقدت الرقابة عليها من قبل أجهزة تنظيم “الدولة الإسلامية” التي وضعت ثقلها في عملية عزل المدينة إعلامياً عن العالم، مع اقتراب المعارك أكثر فأكثر من أسوار المدينة، ترافق مع تصعيد طائرات التحالف الدولي لقصفه الذي استهدف مناطق متفرقة من المحافظة وخلف مئات الشهداء والجرحى خلال شهر آذار / مارس المنصرم من العام الجاري 2017، وهذان الأمران لم يوقفا مواطنين في مدينة الرقة عن الفرار من الموت في المدينة، والنزوح نحو ريفها، وبخاصة الجنوبي، الذي يفصله عن مدينة الرقة، نهر الفرات.

مصادر موثوقة أبلغت المرصد السوري لحقوق الإنسان أن عمليات النزوح والفرار من مدينة الرقة -معقل تنظيم “الدولة الإسلامية” السابق في سوريا-، تتم عبر نقلهم من قبل مهربين إلى الضفة الجنوبية لنهر الفرات، بعد دفع مبالغ مالية تزيد عن 50 ألف ليرة سورية عن الشخص الواحد، ورجحت مصادر متقاطعة للمرصد أن المهربين إما أن يكون التنظيم قد غض النظر عنهم مؤقتاً، أو أن شبكة المهربين التي تنقل المواطنين لخارج مدينة الرقة، مقربون من قياديي تنظيم “الدولة الإسلامية”، وأكدت المصادر أن التنظيم يمنع خروج المواطنين من مدينة الرقة، فيما يسمح للمقاتلين في صفوفه بنقل عوائلهم لخارج المدينة، إلا هؤلاء العناصر لا يمكنهم ترك جبهات القتال مع قوات سوريا الديمقراطية ونقل عائلاتهم، خشية اتهامهم من قبل التنظيم بـ “الفرار من الرباط”، ودفعت عمليات التهريب وتزايد وتيرة نزوح المواطنين من المدينة والفرار منها، دفعت تنظيم “الدولة الإسلامية” لتسيير دوريات تجوب نهر الفرات بجنوب مدينة الرقة، بواسطة زوارق لـ “منع عملية التهريب”.

هذه الأوضاع المتردية والتي يتفاقم سوءها يوماً بعد الآخر، باتت تستشري وتمتد في أرياف الرقة المحاصرة مع مدينتها من قبل قوات سوريا الديمقراطية وقوات خاصة أمريكية مساندة لها وقوات النخبة العربية مدعمة بطائرات التحالف الدولي، حيث شهد الريف الرقاوي موجات نزوح متتالية شملت خروج المئات من مدينة الطبقة نحو شمال نهر الفرات، وصلت لمناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، إضافة لحركة نزوح من مساكن قريبة من الضفة الشمالية لنهر الفرات بعد فيضان نهر الفرات عقب فتح قوات سوريا الديمقراطية لقناة البليخ من أجل تخفيف الضغط عن سد الفرات، ما أدى لغمر مساحات من ضفاف النهر وأراضي زراعية قريبة من النهر، فيما لا يزال سد الفرات الاستراتيجي متوقفاً عن العمل بسبب تعطل غرفة التحكم وتشغيل السد وإدارة العنفات فيها، حيث لا يزال جسم سد الفرات الرئيسي وعنفاته خارج سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فيما خرج تقييم أعطال السد بنتيجة مفادها، أن إعادة التشغيل الأولي يحتاج عملاً لمدة تتراوح بين 24 ساعة و48 ساعة، لتشغيل المولدة والعنفات والمحطة الكهرومائية، من أجل إعادة انسياب المياه من السد نحو مجرى النهر الآخذ باتجاه الشرق، فيما تحتاج أعمال الصيانة في السد إلى ما لا يقل عن أسبوعين، نتيجة الأضرار الموجودة في السد، وتعطل غرفة التحكم وتشغيل السد، ويتطلب هذا الأمر وقفاً للأعمال القتالية في محيط السد مع وقف للضربات الجوية والعمليات العسكرية للتحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية والقوات الخاصة الأمريكية المرافقة لها في المنطقة.