الحرب الباردة في حلب تصل إلى نقطة الغليان

26

«على الغرب أن يقرر، هل يحارب ضد الإرهاب أم ضد روسيا»، هذا ما قاله وزير الدفاع الروسي، سرجيه شيرغيو، في يوم الثلاثاء الماضي، اثناء نقاش مع ضباط روس رفيعي المستوى. هذا هو الشكل الجديد للحرب الباردة التي تعتبر سوريا النقطة المركزية الجديدة فيها. وبشكل أدق، مدينة حلب.
وحسب شيرغيو يوجد للولايات المتحدة خياران، إما أن تكون مع روسيا وإما أن تؤيد الإرهاب. حيث يقوم هو بتعريف كلمة «إرهابي». روسيا ليست خائبة الأمل بسبب فشل واشنطن في «كبح» من تعتبرهم منظمات إرهابية. وطالما أن الولايات المتحدة لا تستطيع تقديم البضاعة التي تم الاتفاق عليها مع موسكو، والفصل في الميدان بين «جبهة فتح الشام» (جبهة النصرة سابقا) وبين من يتم اعتبارهم متمردين شرعيين، تستطيع الاخيرة الادعاء بأن من حقها الاستمرار في قصف حلب، حتى لو كان هذا القصف سيتسبب بمئات الضحايا المدنيين المحاصرين في تلك المدينة.
روسيا تلعب الآن دور الصدّيق والصادق لكونها تنازلت عن القصف الجوي طوال 16 يوما متتالية. وتقول إن النظام السوري يهتم بتشغيل ثمانية معابر انسانية، التي تمر عن طريقها قوافل المساعدة إلى المدينة. لكن شيرغيو يحذر في نفس الوقت من أنه إذا لم تكبح الولايات المتحدة حلفاءها، فسيتم تأجيل استئناف المفاوضات السياسية من اجل حل الازمة السورية إلى اشعار آخر. هذا ادعاء غريب، حيث أن المفاوضات بين الطرفين لا تتعلق بفصل القوات والتمييز بين القوات المتمردة «المعتدلة» وبين «فتح الشام»، مثلما أن المؤتمرات التي جرت في السابق في سويسرا أو فيينا لم تشترط اجراء المفاوضات بالقضاء على المنظمة. ويمكن اعتبار الشرط الروسي ذريعة مريحة للامساك به من اجل كبح كل خطوة سياسية إلى أن يتم حسم مصير حلب عسكريا. والمفارقة هي أن واشنطن تمنح ادعاء موسكو الشرعية. فقد أوضح وزير الخارجية جون كيري في الاسبوع الماضي أنه بحاجة إلى المزيد من الوقت من اجل اقناع الدول التي تؤيد المتمردين بالشراكة مع «فتح الشام» بسبب قدرتها العسكرية. وفي الوقت الذي يتبادل فيه قادة الدولتين العظميين الاتهامات الدبلوماسية، من الواضح من الذي في يده السيطرة على ما يحدث في الواقع. وقد حذرت روسيا من أن وقف الهجمات الجوية ليس أبديا، وأنها ستعيد النظر في ذلك قريبا. هذا حسب وزارة الخارجية الروسية خصوصا على ضوء هجمات المتمردين على «المناطق السكنية، المدارس والعيادات في مدينة حلب». و»اذا انتهى وقف اطلاق النار لن يكون بالامكان اعادته من جديد»، قالت الوزارة.
الحرب في مدينة حلب لا تتوقف، قياسا مع مدينة الموصل في العراق التي يوجد لها هدف واضح هو تطهيرها من قوات داعش واعادتها لسيطرة حكومة العراق، فان الحرب في حلب هي من اجل السيادة والتأثير ومستقبل سوريا. حلب هي معقل استراتيجي هام يربط بين دمشق مدن اخرى في الدولة وبين تركيا. واحتلال حلب يشبه إلى درجة كبيرة احتلال عاصمة. إن ذلك قد يمنح الاسد الانتصار المعنوي، العسكري والسياسي، ويُحدث التحول السياسي الذي يسعى اليه. ومن شأن ذلك ايضا وضع المتمردين في مكانة متدنية ومنعهم من فرض حل سياسي جديد في الدولة. ومنعهم من انشاء تواصل جغرافي يشكل اساسا لتقسيم الدولة إلى كانتونات. وهذا لا يعني أن حرب المتمردين ضد الاسد ستنتهي مع احتلال حلب، لكن ذلك سيعزز مكانة الاسد في الدولة، ويمنح جيشه وحلفاءه، روسيا وإيران، الصفة القانونية في الاستمرار بقيادة الدولة «حتى العام 2021، وهو موعد انتهاء ولاية الاسد القانونية»، كما أوضح في هذا الاسبوع الصحافيون الاجانب في دمشق. هذه الاقوال تستند إلى نتائج الانتخابات التي أجريت في العام 2014 حيث حصل على 88.7 في المئة من اصوات الناخبين.

العامل الإيراني

من اجل تحقيق هدفه، لا يستطيع الاسد أن يعتمد على المساعدة الروسية الجوية فقط، حيث أن المعركة في حلب ستُحسم فقط من خلال القوات البرية في حرب دموية، من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى زقاف. «من شأن روسيا تحويل حلب إلى أشلاء؟، حذر جون كيري. منذ الآن، الصور التي تصل من حلب تُظهر الدمار الفظيع الذي تسببت به العمليات العسكرية. والقوات البرية المطلوبة للاسد يمكن أن تصل من العراق وهي المليشيات الشيعية التي تقاتل في معركة الموصل. وحسب تصريحات قادة هذه المليشيات التي يتم تدريبها وتوجيهها وتمويلها من إيران، فان الهدف هو الوصول إلى سوريا بعد تطهير الموصل. وقد قال قائد حرس الثورة في هذا الاسبوع: «إيران هي التي ستقرر مصير الوضع في سوريا». وقد بدأت المليشيات الشيعية بخطوة منسقة من اجل السيطرة على مشارف الموصل الغربية، ومن ضمنها مدينة «تل عفر» التي يسيطر عليها داعش، والتي يعيش فيها السنة والتركمان. تقع تل عفر على الخط الواصل بين الموصل والرقة ودير الزور في سوريا وتؤدي بعد ذلك إلى حلب. وحسب تقارير مواقع معارضة سورية فإن المليشيات الشيعية تعمل في سوريا وتقوم بملء صفوف الجيش السوري في منطقة حلب، حيث تتواجد هذه القوات في الاماكن التي حاربت فيها قوات حزب الله الذي قلص من تواجده في المنطقة بسبب عدد المصابين الكبير في صفوفه.
الاستراتيجية الروسية والسورية يجب أن تأخذ في الحسبان ايضا تواجد القوات التركية، التي تستمر في العمل مع الجيش السوري الحر من اجل منع اقامة تواصل جغرافي كردي. صحيح أن تركيا تقوم بقصف أهداف لداعش، لكنها أوقفت مؤخرا القصف الجوي ضد المتمردين الاكراد. وهذا بعد أن حذر الاسد من أن طائراته ستقوم باسقاط الطائرات التركية.
روسيا ايضا غير راضية عن تدخل تركيا لأن القوات الكردية تتعاون معها، ولأن روسيا لا تحتاج إلى شريكة اخرى ترغب في ادارة اجزاء من سوريا.
إن تقدم تركيا الذي بدأ بقفزة كبيرة في شهر آب/أغسطس عندما احتلت القوات التركية وقوات جيش سوريا الحر مدينة جرابلس على الحدود مع سوريا، تم كبحها في الوقت الحالي.
أيضا نية تركيا احتلال مدينة الباب والسيطرة على مدينة منبج، لم تتحقق بعد. وفي نفس الوقت اشارت الصحيفة التركية «يني شفاك»، المقربة من النظام، إلى الاتفاق الذي تحقق بين روسيا وتركيا من اجل التعاون في الساحة الشمالية السورية.
وحسب التقارير، فان روسيا تعهدت بالتعاون مع تركيا لمنع ما يسمى «المؤامرة الأمريكية» في خلق منطقة كردية مستقلة على طول الحدود مع تركيا.
النية هي اقامة منطقة امنية على طول الحدود ونقل السيطرة على المدن التي احتلت من قبل تركيا إلى مجلس محلي يكون خاضع لامرة تركيا. وبخصوص حلب تم الاتفاق على أن قوات جيش سوريا الحر هي التي ستدخل إلى حلب وتقوم باحتلال مكان وحدات الجيش السوري التي تستطيع أن تتفرغ لمناطق اخرى.
هذا التقرير لم يجد بعد المصادقة الرسمية. ولكن إذا كان صحيحا، فهذا يعني أن جيش سوريا الحر، بالتعاون مع تركيا وروسيا، الذي تجذر في الحرب في مناطق الاكراد، قد يتحول إلى «جيش مرتزقة» في خدمة روسيا ويساعد النظام السوري. وهكذا تستطيع روسيا والاسد دق اسفين بين جيش سوريا الحر وبين باقي المليشيات وسحب أساس سيطرة وتأثير هام من الولايات المتحدة.
هذه سيناريوهات فقط في الوقت الحالي، لكن لأن لا أحدا يمكنه حسم الحرب الآن، فلن يكون مناص من انشاء تحالف يُمكن من ادارة الدولة شريطة أن تكون له قوة كافية لمنع الحرب الاهلية الشاملة.