المرصد السوري لحقوق الانسان

الحرب المزمعة ضد سورية غامضة الهوية والاهداف

فيما ينتظر العالم بدء العدوان الامريكي على سورية، تتفاوت النظرات والتحليلات حول ماهية الصراع في منطقة الشام، واسباب المتحمسين للعمل العسكري، ودوافع معارضي العدوان الغربي المتوقع.

الامر الذي اصبح شبه مؤكد ان العمل العسكري ستتصدره الولايات المتحدة الامريكية بدون تفويض دولي وبرغم اعتراض اغلبية دول الاتحاد الاوروبي وبلدان منظمة BRICS. وبرغم القرار البريطاني بعدم المشاركة في الحرب العسكرية ضد سورية، فقد فاجأ باراك اوباما العالم بتصديه منفردا للعدوان، وسعيه لاقناع الآخرين به. ولا يبدو ان موقف الدول التي شاركت في قمة دول الـ 20 الصناعية التي عقدت الاسبوع الماضي بالعاصمة الروسية، قد أقنع الرئيس الامريكي بالعدول عن قرار الحرب وتحشيده لاقناع الكونغرس بالتصويت لها، بل اصبح أكثر اصرارا على خوضها.

اوباما الذي دشن عهده الرئاسي قبل خمسة اعوام بترويج أولويات امريكية مختلفة عما فعله سلفه، جورج دبليو بوش، سيعكر فترة رئاسته الثانية بسياسات تمثل في سياقاتها امتدادا للسياسات الامبريالية الامريكية التي هيمنت على العالم منذ الحرب العالمية الثانية. واذا كان البعض يعتقد ان القاء اول قنبلة ذرية على هيروشيما قبل 68 حادثة فريدة لن تتكرر كثيرا، فان ما شهدته العقود اللاحقة ابتداء بالدور الامريكي في الحرب الكورية وحرب فيتنام ثم الحروب التي شهدها العالم الاسلامي في العقدين الاخيرين، تؤكد ان العقلية الامريكية لم تتغير وانها ما تزال تعتبر التفوق العسكري واثباته عمليا ضرورة لاستمرار الهيمنة السياسة على العالم. وتأكد ذلك بعد سقوط الاتحاد السوفياتي اذ اصبحت امريكا القطب الاوحد المهيمن على السياسة الدولية. وبرغم بعض المقولات احيانا بان الولايات المتحدة تعتزم الانسحاب التدريجي من المسرح الدولي لتركز على قضاياها الداخلية خصوصا الاقتصاد، فان المعطيات المتوفرة لا تشير الى ذلك ابدا. ولقد كان امرا غريبا ان تصر واشنطن على الاستمرار في خيار الحرب بعد القرار البريطاني ضد المشاركة، وهذا يؤكد عزمها على التصدي للشأن الدولي بما لديها من امكانات عسكرية وسياسية. هذا برغم وجود عوامل سياسية واقتصادية تدفعها لتحجيم تدخلاتها في الشأن الدولي. ويمكن تشبيه الوضع الحالي بما واجهته بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية من توجه للانسحاب من الموقع الدولي المتقدم تحت الضغوط الاقتصادية وتنامي حركات التحرر الوطنية في العالم، وادراك بريطانيا ان عصر الاستعمار قد انتهى.

ربما كان هناك شيء من التشكيك في مدى رغبة واشنطن في التورط العسكري في المنطقة بعد تجاربها المريرة التي لم تحسم ايا من القضايا التي انطلقت من اجلها. فالتراجعات التي منيت بها في افغانستان والعراق وليبيا عوامل لا تشجع على تكرار التدخل العسكري المباشر في الدول الاخرى. ولكن الواضح ان مقولة ان ‘الطبع يغلب التطبع′ تجد في السلوك الامريكي مصداقا لمعناها. وقد يمكن تفسير ذلك بالنظر للواقع الامريكي من زاوية اخرى. فالازمة الاقتصادية التي مرت بها في السنوات الخمس الاخيرة كشفت هشاشة المشروع الرأسمالي وكيف ان ضعف اداء المصارف، وهي العصب المحوري للنظام الرأسمالي، ادى الى انتكاسة اقتصادية خطيرة اعادت الى الاذهان ازمة ‘الكساد العظيم’ في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، قبيل الحرب العالمية الثانية.

وتسعى الحكومات الغربية للخروج من تلك الازمة وتداعياتها بالبحث عن مصادر تمويل لسد عجوزاتها التي تجاوزت في بريطانيا الف مليار جنيه استرليني، وفي الولايات المتحدة 16 الف مليار دولار. وتسعى هذه الدول لسد عجوزاتها بطرق شتى من بينها استرضاء حكومات الخليج التي تضاعفت مدخولاتها في السنوات الاخيرة، وخوض الحروب بالوكالة لتحصيل المزيد من الاموال. ولذلك اصبحت السعودية في الاعوام الخمسة الاخيرة، بتأثير عائداتها النفطية الهائلة، تبحث عن موقع سياسي اقليمي ودولي يتجاوز ما كانت تتطلع له سابقا. كما مكنتها تلك الامكانات من التأثير المباشر على السياسات الغربية خصوصا الامريكية لمواجهة استحقاقات الربيع العربي. وجاء الانقلاب العسكري في مصر بدعم مباشر من السعودية التي رفضت حكم الاخوان، جملة وتفصيلا، ليؤكد طبيعة الدبلوماسية السعودية الحالية التي تسعى لبسط النفوذ على المنطقة باية وسيلة، ولتواجه الاطراف التي لا تنسجم مع سياساتها او التي يتسبب وجودها على رأس السلطة في تحريك الاوضاع الاقليمية والمحلية للمطالبة بالتغيير. لقد ساهمت الازمة الاقتصادية الغربية والتراجعات الميدانية في بلدان مثل افغانستان والعراق في اصابة الموقف السياسي الغربي بالشلل من جهة ودفعه للتواطؤ مع حكومات الدول النفطية لمواجهة القوى التحررية الاخرى في المنطقة، وما يحدث اليوم انما هو مصاديق لذلك.

جاءت موافقة مجلس الشيوخ الاسبوع الماضي على نص قرار قدم للكونغرس لاقراره هذا الاسبوع ليكون اعلانا رسميا بالحرب من طرف واحد، وان كان بدون موافقة دولية. ومع ان اوباما بطبيعته لا يميل للحرب، ولكن الضغوط الخليجية حشرته في زاوية لم يستطع الخروج منها الا من خلال كوة صغيرة تفضي الى قرار الحرب.

وتمارس السعودية في الوقت الحاضر نشاطا محموما للضغط على اعضاء الكونغرس الامريكي لاقرار خيار الحرب ضد سورية بعد ان سعى اوباما لالقاء مسؤوليتها على ممثلي الشعب المنتخبين، لكي لا توجه التهمة اليه وحده بقرار الحرب. ليس سرا ما يمارسه بندر بن سلطان، مسؤول جهاز الاستخبارات السعودي، من ضغوط متواصلة على الدول المعنية لحملها على اقرار خيار الحرب. ففي الشهر الماضي زار موسكو ووعد مسؤوليها بـ 15 مليار دولار كصفقات سلاح، في مقابل تخفيف روسيا معارضتها للعمل العسكري الذي تريده السعودية. الرياض تقمصت قضية سورية بعد ان احدثت انقلابا مكشوفا على قطر، وابعدتها عن الشأن السوري، وشؤون تونس ومصر. انها تنطلق من القضية السورية لتعيد رسم التوازنات لغير صالح تيارات التغيير والتحرر. فهي تستهدف ايران سياسيا وعسكريا. وفي شهر يوليو اكدت صحيفة ‘التلغراف’ البريطانية ان السعودية نصبت منصات لاطلاق الصواريخ باتجاه طهران استعدادا لتداعيات الازمة السورية. وتؤكد التقارير الجديدة (صحيفة التايمز البريطانية يوم الجمعة الماضي) ان الرياض بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (سي آي أيه) بدأت بتسليح المتمردين السوريين ليكونوا مستعدين للتصعيد خلال الضربات الجوية الامريكية، والسيطرة على مناطق واسعة من البلاد كمقدمة لاسقاط نظام الاسد. فالسعودية تسعى لاعادة التوازن السياسي والعسكري في المنطقة، وتحجيم النفوذ الايراني خصوصا علاقات طهران مع حركات المقاومة ضد الكيان الاسرائيلي. ولم يعد خافيا ان استهداف سورية انما هو من اجل تقطيع اوصال المقاومة المسلحة ضد الكيان الاسرائيلي، وتقوية النفوذ السعودي على لبنان والجهات المتعاطفة مع المقاومة الموجهة للكيان الاسرائيلي.

وقد كثف بندر زياراته للولايات المتحدة لممارسة الضغط على ادارة اوباما للتعجيل بالعمل العسكري وكسر حالة الرتابة في الموقف الامريكي الذي لم يحسم خياره بشكل حاسم حتى كتابة هذه السطور. زياراته المكوكية لامريكا اعتبرت تكثيفا للنشاط السعودي الدبلوماسي من اجل الاعداد لارضية الحرب التي تستهدف النظام السوري بشكل مباشر.

هذا لا يعني ان الخيار السعودي مرشح للنجاح. فالحرب قد تضعف قبضة بشار الاسد على الامور، وقد تؤدي لسقوط نظامه، ولكن السجال في الدوائر السياسية الخاصة في العواصم الغربية والعربية يدور حول طبيعة الجهات التي ستتولى السلطة في دمشق بعد ذلك. ويمكن القول ان الوضع العربي لم يشهد حالة من التشرذم والضياع كما يعيشها الآن. فقبل عشرة اعوام كان الرأي العام العربي واضحا في ما يريد: منع الحرب الانكلو أمريكية على العراق. اما اليوم فهناك انقسام حاد في العالم العربي، وان كانت الاغلبية تعارض الحرب. ولكن الاعلام السعودي ومعه اموال النفط الهائلة اصبحا وسيلتي ضغط فاعلتين في معركة تقرير مصير انظمة الاستبداد العربية. فاسقاط نظام الاسد سيقوي المجموعات المتطرفة التي سيكون لها حصة الاسد في النظام السياسي السوري المستقبلي، فيما لو سقط بشار. الغربيون لا يريدون ذلك، ولكن السعوديين لا يعارضون استلام الجماعات المسلحة بقيادة القاعدة زمام الامور. فسيكون ذلك مصيدة اخرى لتلك المجموعات وشاغلا لها لعدم التوجه نحو السعودية. بينما يرى الغربيون ان جبهة النصرة قد تتوجه ضد الغرب، وسيكون نصيب المجموعات الليبرالية المحسوبة على الغرب ضئيلا لاسباب عديدة من بينها حالة النزاع في ما بينها، وضآلة شعبيتها وصلتها بامريكا.

فالسعودية تؤكد للغربيين انها لن تسمح بصعود جماعات ‘الاسلام السياسي’ خصوصا الاخوان المسلمين الذين اسقطت حكمهم في مصر. واخوان مصر اعلنوا موقفهم المضاد للعمل العسكري المزمع ضد سورية، وكذلك حركة النهضة في تونس والعديد من الجهات السياسية والدينية. الفهم الواعي لما يجري يؤكد ان التغيير سيكون ضمن هندسة سياسية دقيقة تهدف لازالة اي خطر للكيان الاسرائيلي، واضعاف القوى المقاومة للاحتلال. وعلى عكس التصور الشائع فان التدخل السعودي، برغم وجود دوافع مذهبية وراءه، لا يسعى لاقامة ‘حكم سني’ وانما اقامة نظام سياسي مرتبط بالامريكيين بشكل وثيق، وبعيد كل البعد عن ‘جبهة النصرة’ التي ستكون مستهدفة بشكل مباشر من قبل السعوديين الذين لا يريدون بقاء تنظيم سياسي عسكري اكتسب افراده خبرات ميدانية واسعة، لان ذلك سينقل المعركة الى داخل السعودية، وستتحول الانظار للتعرف على هوية الحكم الجديد وعلاقاته مع الرياض من جهة ومواقفه ازاء قوات الاحتلال من جهة اخرى.


‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

القدس

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول