الحرب على تنظيم «الدولة»: خلفية الصورة

20

حين بدأت العمليات العسكرية لمواجهة التقدم السريع الذي أحرزه تنظيم الدولة/ داعش في الأراضي العراقية، تحديدا بعد سيطرته على الموصل في 9 حزيران/يونيو 2014، ثم اعلان الولايات المتحدة حربا جوية ضده في 8 آب من العام نفسه، وصولا إلى تشكيل التحالف الدولي لمواجهة التنظيم، أصبح واضحا أن المقاربة العسكرية وحدها بدأت بالهيمنة على المشهد، من دون أي تفكير بمقاربة سياسية جدية، على الرغم من اعتراف الجميع في البداية، أن المشكلة الجوهرية في العراق هي مشكلة سياسية، وان العنف وتبعاته، بما فيه ظاهرة داعش، هي نتاج لهذه الأزمة.
هذه المقاربة العسكرية استطاعت عمليا ان تغطي على النتائج الكارثية التي كانت تنتجها هذه الحرب تباعا، واحدثت نوعا من التواطؤ الصريح على إخفاء خلفية الصورة التي تقبع خلف مشاهد القصف الجوي الدولي، والمعارك على الأرض. فخلفية الصورة تكشف عن عدم وجود أية رؤية أمريكية لترتيبات ما بعد تنظيم الدولة، وان اطرافا شيعية مهيمنة تعمل على فرض أمر واقع يقوم على استخدام ميليشيا الحشد الشعبي، الكيان غير الدستوري وغير القانوني، أداة لتنفيذ اجندات هذه الاطراف التي قد تعجز عن تنفيذها عبر الادوات الرسمية!
في نهاية ايلول/سبتمبر 2014، استطاعت القوات العراقية التي تدعمها الميليشيات، وبغطاء جوي أمريكي، من استعادة السيطرة على آمرلي، وسليمان بيك، شرق محافظة صلاح الدين.
وبعد هذه السيطرة، وبحسب تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش صدر في آذار/ مارس 2015، اتضح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية، ان 30 قرية تم تدميرها من أصل 35 قرية في منطقة بمساحة 500 كيلو متر مربع حول آمرلي! وبحسب شهود العيان كان تدمير المباني على الاقل في 47 قرية ذات أغلبية سنية، منهجيا ومدفوعاً بالانتقام ويهدف إلى تغيير التكوين الديمغرافي لمحافظتي صلاح الدين وكركوك في العراق المعروفتين بتنوعهما
وفي نهاية تشرين الأول/نوفمبر 2014 استطاعت القوات العراقية استعادة منطقة جرف الصخر، جنوب بغداد، من تنظيم الدولة/ داعش، وهي منطقة ذات غالبية سنية تقع إداريا ضمن محافظة بابل. ليصدر بعدها قرار رسمي عن مجلس محافظة بابل بمنع عودة النازحين الذين يصل عددهم إلى 80 ألف نسمة إلى المنطقة لمدة ثمانية أشهر، ليستمر هذا الحظر الرسمي بعدها بحجج مختلفة، واليوم بعد مرور أكثر من واحد وعشرين شهرا على استعادة المنطقة لم يسمح لحد اللحظة بعودة أي نازح، في عملية تغيير ديمغرافي صريحة مسكوت عنها، ومتواطأ عليها!
وفي آذار/مارس 2015 أعلن عن انطلاق عمليات استعادة استعادة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة في محافظة صلاح الدين، وقد كانت الميليشيات فاعلا رئيسيا في هذه العمليات، في ظل تحفظات أمريكية معلنة، تحديدا فيما يتعلق بمدينة تكريت. وقد شهدت العمليات العسكرية انتهاكات منهجية، تم توثيق معظمها، من الإعدام خارج إطار القانون، إلى حرق المدن وتدميرها، إلى النهب والسلب المنظم للممتلكات العامة والخاصة فيها، وأخيرا إلى تحكم الميليشيات المطلق بعملية عودة النازحين، بل تحول المحافظة بالكامل إلى إقطاعية لهذه الميليشيات. وقد كانت مدينة يثرب نموذجا لذلك، عندما تم منع النازحين السنة من العودة إليها إلا بعد توقيع وثيقة مذلة تفرض على أهلها شروطا تشبه تماما الشروط التي يفرضها المنصر على المهزوم، في ظل تواطؤ حكومي مطلق مع هذه الممارسات!
وفي معارك الرمادي في كانون الأول/ ديسمبر2015، أعلن عن فقدان أكثر من 1300 نازح من المدنيين الذين خرجوا من المدينة، حيث تم اعتقال الرجال على يد نقاط التفتيش الحكومية التي تهيمن عليها الميليشيات، وما زال مصير معظم هؤلاء مجهولا حتى اللحظة.
وفي معارك الفلوجة التي انطلقت في أيار/ مايو من العام الحالي تم التأكد من اعدام 49 شخصا على يد الشرطة الاتحادية والميليشيات خارج إطار القانون، فضلا عن توثيق فقدان 729 شخصا من النازحين الرجال الذين تم فصلهم عن عوائلهم واعتقالهم بعد خروجهم من منطقتي الكرمة والصقلاوية، ولم يتم الوصول إلى أثر لهم حتى اللحظة! وأغلب الظن انه تم اعدامهم خارج إطار القانون أيضا.
وهناك لجنتان رسميتان ما زالتا تحققان في هذه الجرائم من دون إعلان أية نتيجة حتى اللحظة! كما تم اعتقال جميع الرجال بين أعمار 18 و 45 سنة من النازحين عن مدينة الفلوجة وما حولها في ظروف غير انسانية، بلغ عددهم 19 معتقلا من بين ما يقرب من 86 ألف شخص نزح عن المدينة بسبب العمليات العسكرية، في عملية عقاب جماعي غير مسبوقة! فيما ترك النازحون الآخرون ليواجهوا مصيرهم في ظل تخلي الدولة بالكامل عن مسؤولياتها تجاههم!
واليوم تتكرر المشاهد نفسها في الطريق إلى الموصل، في الشرقاط والقيارة، ولو تكرر سيناريو الفلوجة في الموصل، فهذا سيعني ان أكثر من 350 ألف رجل من اهالي المدينة معرضون لاعتقال تعسفي بحجة التدقيق الامني! كما ان مسألة نزوح أكثر من مليون ونصف المليون مواطن ما زالوا يعيشون في الموصل تحت سيطرة تنظيم الدولة يبدو أنها غير مطروحة أصلا، خاصة في ظل عجز حكومي كامل عن التعاطي مع مسألة النزوح.
لقد كان ثمة تواطؤ جماعي على إخفاء خلفية الصورة هذه، فالحكومة العراقية تسارع إلى إنكار أي حديث عن وجود انتهاكات منهجية تمارسها القوات العسكرية والأمنية العراقية من جهة، او الميليشيات من جهة اخرى. بل أنها توفر غطاء سياسيا صريحا لهذه الانتهاكات. والجانب الأمريكي ظل صامتا تجاه هذه الانتهاكات الموثقة، وعلى الرغم من محاولاته ابعاد الميليشيات، المتهم الرئيسي بارتكاب هذه الانتهاكات عن المعارك الاخيرة، إلا أنه عاد وسمح لهذه الميليشيات بأن تكون جزءا من معركة الفلوجة، في طل محاولة السفير الأمريكي في العراق هو الآخر إنكار حصول انتهاكات واسعة على الرغم من المعلومات المؤكدة حول حصولها! أما الأمم المتحدة، وعلى الرغم من توصيف مفوضية حقوق الانسان فيها للانتهاكات التي قامت بها الميليشيات في معارك صلاح الدين بانها جرائم ضد الانسانية ترقى لأن تكون جرائم حرب.
إلا أن ثمة تواطؤا صريحا من مكتب الممثل العام للأمين العام في بغداد (يونامي) مع هذه الانتهاكات. ويصدق هذا التواطؤ على أعضاء التحالف الدولي جميعا من دون أي استثناء!
في نهاية حرب الخليج الثانية كتب جان بودريار مقالته الشهير عن الحرب التي لم تقع، وأن ما شاهده الناس مجرد نسخة تلفزيونية، أي مصورة عن الحرب.
في الحرب ضد تنظيم الدولة الجميع يحرص على أن تكون الحرب مجرد نسخة تلفزيونية أيضا! مقدمة الصورة، أي المعركة ضد تنظيم الدولة/ داعش هي النسخة الوحيدة المتداولة سياسيا وإعلاميا، والجميع يسعى لهدف وحيد: هزيمة تنظيم الدولة. أما خلفية الصورة، المتعلقة بالجرائم والانتهاكات الموثقة والتغيير الديمغرافي الصريح، أو تكريس أمر واقع وفرض رؤية احادية على الدولة، فمجرد ناتج عرضي، يجب السكوت عنه، وحذفه من الصورة عند الضرورة.

 

يحى الكبيسي

القدس العربي