المرصد السوري لحقوق الانسان

“الحفّار” السوري والحلقة المفقودة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي المرصد السوري لحقوق الإنسان

تتوالى الشهادات على ضحايا نظام الأسد، على الرغم من مرور عشر سنوات على المأساة السورية، ومع التراجع الكبير عن الاهتمام بالشؤون السورية في المنصات الإعلامية. في الثاني عشر من الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، أدلى شاهدٌ سوريّ عمل حفّارًا للقبور الجماعية التي ألقى فيها نظام الأسد بآثار جرائمه بشهادته أمام محكمة ألمانية، تبحث في دعاوى جرائم ضد ضابطين سوريين، وصلا إلى أراضيها، وطلبا اللجوء. ولافتٌ هنا أنّ الجناة والضحايا والشهود اجتمعوا على أراضٍ ألمانية. كلهم طلبوا اللجوء، وفرّوا من نظام الأسد الذي دمّر وخرّب، فهرب منه حتّى بعض جلاديه، فقد طُلبت شهادة حفّار القبور لتدعم دعاوى سوريين وسوريات في مقاضاة أنور رسلان وإياد غريب في جرائم قتل وتعذيب واغتصاب في فرع الخطيب الأمني الدمشقي، وهما ضابطان عملا في هذا الفرع الأمني قبل انشقاقهما عام 2012. 
كشفت شهادة “الحفّار” الذي لم يُكشف عن هويته لضمان سلامته عن “الحلقة المفقودة” في رواية جريمة القتل المنظم التي ارتكبها النظام الأسدي ضد ضحاياه المدنيين، فقد توالت التقارير الموثقة عن “المختفين قسريًا” خلال السنوات التسع الماضية. كان أشدّها صور “قيصر” التي تعرّف من خلالها أهالي المفقودين على أبنائهم الذين اختفوا، ولم يعرفوا مصيرهم، فتلقوا فيهم العزاء بعد سنين من قتلهم. لم تكن صور قيصر المصدر الوحيد للتعرّف على مصير المختفين قسريًا، بل ظلّ التقرير السنوي المستمر الذي تصدره الشبكة العربية لحقوق الإنسان يذكر جرائم الاختفاء القسري في سورية الأسد ويوثقها كل عام. بالإضافة إلى تقرير “المسلخ البشري” الصادم عن سجن صيدنايا والصادر عن منظمة العفو الدولية عام 2017.

هل يمكن لعمل يوميٍ في سبع سنوات في حفر القبور ودفن الجثامين أن يكشف عن عددٍ أقل من مليون ضحية؟

في كل هذه التقارير، كانت الحلقة المفقودة: إذا كان كل هؤلاء الضحايا يختفون وتُعرَف أخبار اعتقالهم وتصفيتهم وقتلهم من التقارير والصور، فأين تذهب جثامينهم؟ وكيف تخفي آلة القتل الأسدية آثار جرائمها التي ترتكبها بثقة الآمن من الانكشفاف والعقاب؟ ومن هم الضالعون في تنفيذ جريمة “محو الجريمة”؟ هالةٌ كبيرة من الأسرار تحيط بالـ”المسلخ البشري” الأسدي الذي لا ينجو منه من سقط فيه. 
كان هذا ما كشف عنه الشاهد الذي عمل في حفر قبور ضحايا الأسد من 2011 وحتى 2017. وقد عمل باستمرار بدون أخذ إجازاتٍ بحسب شهادته. وهذا ما يدعو إلى احتمال الظن الكبير بأنّ أيًا من الأعداد الموثقة لضحايا نظام الأسد سوف تكون أقلّ من حقيقة العدد الكلي للضحايا، فهل يمكن لعمل يوميٍ في سبع سنوات في حفر القبور ودفن الجثامين أن يكشف عن عددٍ أقل من مليون ضحية، بل أكثر من ذلك؟ يكشف الشاهد عن العملية الكاملة والتفاصيل المروعة لإخفاء الجثامين، وحتى وصولها إلى المقبرة الجماعية، أي المحطة النهائية في جريمة القتل الجماعي، فحين تنتهي جريمة التعذيب والسلخ والقتل في الأفرع الأمنية، تُحمَل الجثامين، لتصل إلى مشفيين عسكريين وآخرين مدنيّين، حيث تُجمع في برّادات حتى تتكدّس، وتنقل إلى مناطق ريفية تبعد عن دمشق عدّة كيلومترات، فتُحفَر حُفرٌ عميقة وعريضة وتلقى فيها الجثث. ويضيف الشاهد أنّ جثث النساء والأطفال دفنت مع جثث الرجال بلا تمييز.

كانت الجثث تنقل إلى مناطق ريفية تبعد عن دمشق عدّة كيلومترات، فتُحفَر حُفرٌ عميقة وعريضة وتلقى فيها الجثث

والتفاصيل الأشد دقّة وإيلامًا في شهادة “حفّار القبور” متوفرة على الإنترنت للاطلاع. ومن سوء طالع نظامٍ إباديٍّ، مثل النظام الأسدي، أنّ رفات الضحايا لا يختفي، وأنّ المقابر الجماعية التي يحاول أيّ نظام دموي إخفاء آثار جريمته فيها هي الدليل الأوّل على جريمته التي لا سبيل لإسقاطها بمرور الزمن. ومن المحتمل أن يعمد النظام إلى إعادة حفر المقابر الجماعية، واستخراج الجثث، ثمّ إعادة دفنها في أماكن تبعد عن دمشق، إمعانًا في إخفاء جريمته، فيما تعرف بالمقابر “الثانوية”، بل قد تُحفَر هذه المقابر الثانوية مرة أخرى، ويعاد دفنها في مقابر “ثالثية” في مكان ثالث إمعانًا في التدليس والإخفاء. ومن المحتمل أن يعيد هذا الدفن الثانوي والثالثي في مناطق بعيدة عن دمشق، خصوصا التي شهدت سيطرة “داعش” والحرب على الإرهاب، لإلصاق التهمة بتنظيم دمويّ أثار الرعب في العالم بالقتل والترويع الشديدين. كل هذه احتمالات ممكنة قد تلحق بجثامين الضحايا، وليست بعيدة تمامًا، لعدة أسباب: أولها أنّ أماكن هذه المقابر الجماعية قد عرفت بالفعل، ووثقت، سواء في تقارير منظمات حقوقية أو في محاكم ألمانية. وبالتالي، قد يلجأ النظام إلى تغييرها ليكذّب هذه الشهادات. ثانيها، إذا نقلت الجثث إلى مناطق سيطرة “داعش” السابقة، من السهل جدًا إلحاق التهمة بالتنظيم الدموي الفاني. ثالثها، استخدمت هذه الحيلة من قبل في جرائم إبادية، مثل جريمة الجيش الصربي في التطهير العرقي لمسلمي سربرينتسا في أعقاب حرب البوسنة عام 1995، حيث عمد الجيش الصربي إلى تغيير المقابر الجماعية التي دفن فيها 8372 جثمانا، فأعاد دفن رفات الضحايا في مقابر ثانوية وثالثية.

من المحتمل أن يعمد النظام إلى إعادة حفر المقابر الجماعية، واستخراج الجثث، ثمّ إعادة دفنها في أماكن تبعد عن دمشق، إمعانًا في إخفاء جريمته

أعيد الكشف عن جثامين ضحايا مسلمي سريبرينتسا، وكُشف عن مقابرهم الثانوية والثالثية، وتُعُرّف على هويات الجثامين، وأعيد دفن كل جثمان وتكريمه في مقبرة منفردة، وسُمِح لأهله بالنواح عليه. هذا ما حدث في جريمة سربرينتسا بعد اعتراف المجتمع الدولي بها، وتخصيص هيئة لهذا العمل، هي اللجنة الدولية لشؤون المفقودين.
تصوّر أنّ مثل هذا قد يحدث لضحايا الأسد ضربٌ من الرجم بالغيب، فهذا احتمال مشروطٌ بانتهاء حقبة الأسد، وتنفيذ العدالة ومحاكمة المجرمين الضالعين، في حين تقول المعطيات الراهنة إنّ الحرب السورية قد انتهت لصالح الأسد وحليفه الإيراني، وإنّ تغييرات جوهرية جدًا في تحالفات الشرق الأوسط يجب أن تحدُث، ليكون هذا الاحتمال ممكنًا. وبغير هذا، فالعدالة المنتظرة هي عدالة السماء.

 

 

 

الكاتبة:خديجة جعفر – المصدر: العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول