الحقوقي والمعارض السوري خالد حويج: حقوق الإنسان صودرت في سورية منذ عقود وبلدنا أسوأ مكان للحريات والأمان في العالم

يرى الحقوقي خالد حويج، المعارض السوري، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن حقوق الإنسان في سورية تمت مصادرتها منذ عقود، حيث ظل المواطن بلا قيمة في ظل تواصل استفراد بعض الأطراف بالسلطة، معتبرا أن ملف المعتقلين والمغيبين مثلا ظل شائكا غامضا في ظل غياب آلية دولية تتولى قضيتهم.

1- يفرض المفهوم الإنساني على الفرد أن يحترم الجميع بكل ما يحملونه من أفكار ومعتقدات وأديان.. هل صُودر هذا المفهوم بسورية وبأي مبرر تم تجاوز تلك القيم الإنسانية؟

الجواب : هذا السؤال يحتاج إلى جواب مطول.. وفي الواقع نجد أن القيم الأساسية تمت مصادرتها من أوسع أبوابها ويجب أن نبحث ضمن النطاق الدستوري باعتبار أنه هو المفترض أن يقوم بحماية تلك القيم إلا أن معظم القوانين التي صدرت خالفت حتى الدستور الذي ينظمها.. الدستور السوري الذي تم تعديله في عام 2012 ميلادي استمر برغم التعديلات في مصادرة الحريات، وباستعراضنا بشكل مبسط أبرز المخالفات التي تمت بموجبها مصادرة تلك القيم الإنسانية، ومن ضمنها (العدل والحرية والكرامة والمساواة)

نرى أنه حين بدأت المطالبات السلمية في سورية بالإصلاحات والحقوق وإلغاء بعض التقييدات الأمنية والقانونية استمر النظام يحكم بموجب حالة الطوارئ التي تم إعلانها في المرسوم التشريعي رقم (51) بتاريخ 22/12/ 1962 بالرغم من مخالفتها لمبادئ الدستور السوري حيث أصبحت حالة الطوارئ في سورية وضعاً قانونياً دائماً ولم تعد حالة استثنائية وهي مخالفة بذلك للمادة 4 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية.. لقد تم إصدار قوانين استثنائية في ظل هذه الحالة ومنها قانون محكمة أمن الدولة العليا وقانون إحداث محاكم الميدان العسكرية وغيرها من القوانين الاستثنائية التي تعتبر تغولا ومصادرة للقيم .

أعلنت الأحكام العرفية بالأمر العسكري رقم 2، عقب انقلاب عسكري قاده حزب البعث العربي الاشتراكي في 8 آذار / مارس 1963 وتم إنهاؤها في 21 نيسان / أبريل 2011

كذلك كان من ضمن ما تم تكريسه في انتهاك للقيم الإنسانية، قوانين حماية عناصر الأمن والمخابرات من الملاحقة في أثناء قيامهم بعملهم مما يشكل مخالفة واضحة للدستور، وكذلك إلحاق فئات أخرى للتمتع بالحصانة حتى وصل الأمر إلى الجمارك..

كما أن المرسوم التشريعي رقم 549 غير المنشور في الجريدة الرسمية، يقضي بإنشاء إدارة أمن الدولة ومنح حصانة لأفراد المخابرات العامة من أي ملاحقة وخصوصا التعذيب والفقدان وحالات الاختفاء القسري .
وهناك المرسوم التشريعي رقم 6 بشأن تأسيس المحاكم العسكرية في دمشق الصادر في 7 يناير 1965 وتم التوسع في دائرة اختصاصها بالمرسوم التشريعي رقم 32 تاريخ 1-7-1980 إذ أضيفت عبارة “أو عند حدوث الاضطرابات الداخلية: لتشمل بذلك المدنيين.. وتعد هذه المحكمة مخالفةً للقوانين الوطنية النافذة، وللدستور الوطني، وللمواثيق الدولية والقانون الدولي .

2- يقول معارضون إنّ الثورة فشلت نتيجة كثرة المتدخلين إقليميا ودوليا، ويتهم السوريون المعارضة بأنّها هي التي أفشلت الثورة بسبب ضعف المواقف والامتثال المفرط للضغوطات الخارجية فضلا عن تشتت هذه الأجسام وتلاشيها أحيانا،..ماهي أكبر أخطاء المعارضة؟

في الحقيقة كل ما تمت الاشارة إليه هو صحيح حيث تداخلت وتعددت القوى المتدخلة في الشأن السوري وكان في البداية تدخلا طفيفا إلا أنه تشعب وتصاعد مع مرور الأيام، وفجأة تم الابتعاد عن دعم القضية السورية.. خطأ بعض قوى المعارضة هو تقزيم ما تم منحه من خلال القرار الأممي 2254 حيث تم القفز عبر ما يسمى سلال ديمستورا وإيجاد هيئة تفاوض تشرف عليها بعض الدول، وكذلك الائتلاف الذي تتحكم فيه أطراف أخرى تحتكر الدعم لفئات دون غيرها.
من أكبر الأخطاء هو عدم التوافق أو الانسجام بين التيار العسكري والسياسي، ولو استعرضنا المواقف والقرارات الأممية منذ بدء الحرب في سورية لوجدنا توصيفها للأحداث بأنها نزاع مسلح غير دولي، برغم تدخل العديد من الدول سياسيا وعسكريا عبر الدعم المقدم للقوى الموجودة على الأرض حيث طغى المشهد العسكري على الصوت السياسي وتم تحييد الأصوات المدنية لأسباب تتعلق بسياسات الداعم إلى جانب استشراء الفساد المالي.

من أكبر أخطاء المعارضة إذن، حالة التشرذم والتبعية والولاء لبعض الجهات وكذلك دخول التنظيمات الارهابية واحتضان البعض لها أو التماهي معها مما صرف الاهتمام الدولي عن مناصرة ودعم المطالب الشرعية والتركيز على محاربة الإرهاب.

من أخطاء المعارضة كذلك، عدم إنجاز أجسام سياسية مقتدرة سياسيا وقانونيا وعدم بناء السياسات حسب ما هو معطى بالقرارات الأممية.

من أكبر أخطاء المعارضة في مرحلة من المراحل أن أطرافا اشترطت شروطا لا تمتلك مفاتيحها قبل محاربة تنظيم الدولة مما جعل السياسة الدولية تبتعد عن المعارضة السورية.

من أخطاء المعارضة أيضا وجود المحاصصة السياسية لذات الوجوه التي تتكرر دائما في مؤسساتها وهي وجو لا تشكل وزنا على الأرض على غرار الائتلاف الوطني السوري.

ومن الأخطاء وجود كمّ كبير من الخروقات المتعلقة بالنزاهة وعدم الشفافية في الأعمال والتصرفات المالية والدعم الذي كانت تتلقاه مؤسسات المعارضة حيث كان الدعم من دول كبرى وبمئات الملايين ولم يتم الإفصاح عن مصير تلك المساعدات أو توظيف قسم منها لولاءات المقربين وعدم وجود آليات المحاسبة والمساءلة حيال تلك الأموال.

– إلى جانب ذلك، سيطرة التيار الاسلامي داخل مؤسسة الائتلاف.

3- هل التزام المعارضة بالمسار السياسي الذي رسمته القوى العظمى وعدم اتخاذ طريقا آخر للمقاومة وإنهاء الحرب التي دمّرت البلد وراء فشل تنفيذ القرارات السياسية؟

ج- قلنا سابقا إن الحل في سورية من حيث النتيجة وبإقرار كافة الدول هو حل سياسي، وبعد أن حصل التدخل لمكافحة الإرهاب ومكافحة التنظيمات التي تم استيرادها إلى الأرض السورية.. بعد القرار 2254 بقي الوضع كما هو واستفراد البعض حتى بالقرارات السياسية عبر إيجاد ما يسمى أستانة التي قامت بتقييد حتى الأعمال المشروعة التي كفلها القانون الدولي الإنساني.

لم يعد بمقدور المجتمع الدولي مواصلة الدعم بعد انتشار تلك التنظيمات المتنافرة والمتطرفة وامتدادها على الأرض السورية.

 

4- يقول مراقبون إنّه من الصعب اليوم إسقاط النظام سيما بعد إعادة علاقاته مع عدة دول وحدوث تغيرات جيو-سياسية في المنطقة وتقاربات جديدة كتلك التي حدثت بين مصر وتركيا وقطر، وتركيا والسعودية.. كيف تتابعون هذه التطورات؟

ج- منذ زمن ومنذ صدور القرار 2254 الذي قال بوجود هيئة حكم انتقالي وبعد تجربة كافة الدول للحل العسكري تغيرت نظرة بعض الدول العربية والاقليمية إزاء النظام على خلفية مصلحة اقتصادية نتيجة وجود روسيا وخط الطاقة.

 

5- ظلّ ملف المعتقلين والمغيبين قسريا الأكثر تعقيدا مع تقاعس دولي مخجل.. برأيكم ماهي أسباب تعطيل حلّ هذا الملف، وهل بات أمر تشكيل آلية دولية للمفقودين والمختطفين مطلبا أساسيا اليوم لحلحته؟

ج- كما تفضلتم، هذا الملف هو ملف شائك ومتداخل وفيه لغط كبير ويحتاج إلى شروحات تبين ذلك وهناك تقييدات كبيرة :

اولا : هناك فروق كبيرة بين الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، فالمعتقل تعسفيا وجوده معروف وثابت ضمن قوائم وإجراءات إدارية وقضائية إلا أن الضمانات القانونية في محاكمة عادلة، إلا أن ما حصل في الحالة السورية هو عدم وجود الضمانات اللازمة حيال من يتدخل في هذا الموضوع.

تكمن المشكلة هنا لدى معظم المنظمات السورية باكتفائها بالمناصرة الإعلامية فقط دون معرفة الوضع القانوني وعدم فهم الحالات المتعلقة بما يسمى الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري والتفريق بينهما.

فالاختفاء القسري يختلف تعريفه وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، يحدث الاختفاء القسري عندما يتم اختطاف شخص ما أو سجنه من قبل دولة أو منظمة سياسية أو من قبل طرف ثالث بتفويض أو دعم أو موافقة من دولة أو منظمة سياسية، يتبعه من خلال رفض الاعتراف بمصير الشخص ومكان وجوده، بقصد وضع الضحية خارج نطاق حماية القانون. والمشكلة الحقيقية هنا تكمن في أن سورية لم توقع على الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري ما يجعل الحكومة السورية لا تلتزم بموجب تلك الاتفاقية.

وبالرغم من ذلك تُعد الممارسات الخاصة بالاختفاء القسري من جرائم الحرب ومن الجرائم ضد الانسانية وتحتاج إلى توافر شروط سياقية وأدلة خاصة من أجل ملاحقة المسؤولين عنها.

وما يحدث هنا هو عدم وجود أي اختصاص حاليا للمحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة جرائم الاختفاء القسري.

بالنسبة للمفقودين فان الحكومة السورية تقول إن هناك آليات إدارية وقضائية وطنية تتعلق بالمفقودين وهي وجود القضاء الوطني الذي لم يشر إلى وجود المختفي وإنما ورد في القوانين السورية كلمة المفقود، وحدد الأوضاع القانونية للشخص المفقود ولعائلته، وميز بين المفقود والغائب وكيفية التعامل في الحالتين حيث تمت معالجة تلك الحالة في قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر سنة 1953 الذي عرف المفقود بقوله ” المفقود: هو كل شخص لا تعرف حياته أو مماته، اأو تكون حياته محققة ولكنه لا يعرف له مكان “، وعرف الغائب بقوله ” يعتبر كالمفقود، هو الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى مقامه أو إدارة شؤونه بنفسه أو بوكيل عنه مدة أكثر من سنة وتعطلت بذلك مصالحه او مصالح غيره”.

6- ما هي قراءتكم لمحاولات روسيا المتكررة غلق معبر باب الهوى، الشريان الوحيد الذي يتنفّس عبره ملايين السوريين الذين يتغذون من المساعدات الانسانية، وماذا يمكن أن يسببه إغلاق تلك المنطقة ؟

ج- بالرغم من وجود المباحثات المعروفة ( أستانا ) بشأن هذه المسألة، فإن المناطق من وجهة القانون الدولي، هي مناطق تماس واشتباك بين الأطراف المتحاربة وليست مناطق آمنة حيث إن المناطق الآمنة تتم عن طريق الأمم المتحدة ويتم إخلاؤها من المظاهر المسلحة وتأمين المدنيين، وهناك غياب الوضوح في بعض الاتفاقيات.

بالنسبة لمعبر باب الهوى إذا قامت روسيا بإغلاقه فهو برأيها يستند إلى اتفاق وقرار وبل هددت بأنه في حال إيجاد أي آلية نقل عبر الحدود سوف تقوم باستعمال حق النقض وبالتالي يستلزم الأمر إيجاد أدوات ضاغطة عليها من أجل إيجاد مخرج آخر لتلك المشكلة سواء بإيجاد معابر أخرى عن طريق العراق أو تركيا.. فالأمم المتحدة هنا في هذه الجزئية تعمل وفق بعد إنساني بينما روسيا تعمل وفق بعد سياسي ووسيلة ضغط على باقي الأطراف على الأرض (مجموعة

 

أخيرا، كيف تقيمون وضع حقوق الإنسان، وهل تتفقون مع من يصف الوضع بالأسوأ في العالم؟

ج- إن وضع حقوق الإنسان كما أشرنا في البداية هو سيء قبل 2011 واستمر بعدها وإلى الآن، وأصبحت الأحوال أكثر مأساوية من ذي قبل ووصل الأمر إلى انتهاكات وجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية تطال جميع القوى على الأرض السورية، وبدون وجود أي ضمانات قانونية للمدنيين التي لحمايتهم وغياب سبل الانتصاف القانونية وغياب الحريات ستستمر التجاوزات والانتهاكات.

بالنسبة لما بعد 2011 قدمت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة تقريرًا عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها أطراف الصراع المختلفة في سورية، في حين ظل
لا يزال مقترفو الجرائم يفلتون من الحساب.

أما من حيث حرية الصحافة فقد أوضح تقرير صادر عن منظمة ” مراسلون بلا حدود” أن سورية حلت في المرتبة 174 بين 180 دولة.

وهناك تقارير أممية عديدة تشير إلى حالات كارثية في سورية، وفي الواقع يوصف الوضع بأنه الأسوأ فعلا.