الحلول قريبة والألغام كثيرة

كل الدلائل تشير إلى صفقات متكاملة تُطبخ على نار حامية لفرض حلول تساهم في إطفاء نيران الحروب المدمرة، لأن لهيبها لم يعد مقتصراً على المنطقة بل امتد إلى العالم كله مهدداً الأمن والاستقرار.

فقد آن الأوان لوقف الحروب التي أكملت مهمتها ولم يعد لها جدوى بعد أن نال كل طرف حصته من المغانم والقواعد والعقود والمصالح، وسط سباق محموم بين دعاة التفجير ورعاة التفريج مع تعدد المراجع وتمكن الولايات المتحدة وروسيا من إحكام طوق «لعبة الأمم» ودخول القوى الإقليمية (إيران وتركيا وإسرائيل) على الخط لتكون لها كلمة في الحرب والسلام، ولتحصد مغانم وتضمن مصالح وتمنع مغارم.

وعلى رغم رجحان كفة التفاؤل وتبيان ملامح الحلول المبيتة، فإن أي متابع للحوادث يدرك جيداً أن الطريق إلى السلام صعبة ومعقدة ومزروعة بالألغام ومزنرة بعقد تحتاج إلى وقت لتفكيكها، إضافة إلى انفضاح أمر الغايات والمطامع خلال لعبة الشطرنج في العلن بين الروس والأميركيين.

وتشير المعلومات إلى أن الصيغة شبه النهائية للصفقة قد أعدت ولم يعد يتبقى منها سوى بعض اللمسات خلال المفاوضات الماراثونية تحت إشراف ثنائي سايكس بيكو القرن الحادي والعشرين (سيرغي لافروف وجون كيري)، فيما تسرح قواتهما وتمرح وتفرض الهدن وتحدد سير المعارك وكأنها صاحبة الدار، وسط تنافس روسي إيراني ظهر للعلن مع مفاجآت قاعدة همدان والغضب الإيراني والخيبة الروسية.

وبكل أسف، فإن التفاصيل المتبقية التي تحاصرها الشياطين لا علاقة للعرب فيها ولا مشاورة لأصحاب العلاقة الرئيسيين، على رغم أنها تتعلق باقتسام ما تبقى من حصص والحصول على أكبر مقدار من المكاسب بعد توزيع الحصص الدسمة من تركة «الرجل المريض»، وبقي أن يتم إعطاء الأطراف الأخرى فتات الصفقة التي تحولت شراً لا بد منه، لأن البديل هو استمرار الحروب وتدمير ما تبقى من الحجر وقتل وتشريد من بقي من البشر.

وصيغة الحلول المعدة تتناول مختلف التطورات ومواطن الحروب باعتبارها مترابطة في سلسلة واحدة، إلا أن تعقيدات الحرب السورية أكبر وأشد صعوبة وتأثيراً من مثيلاتها في اليمن وليبيا والعراق. فهناك اتفاق وإصرار على وجوب حسمها خلال الأشهر المقبلة.

وفي هذا الشأن، هناك تيار يعتقد بأن هذا الإنجاز لن يتحقق إلا بتكثيف العمليات الحربية وتصعيد القتال ليصل إلى مرحلة توجب التدخل الدولي وفرض الحلول بالقوة، فيما يعتقد تيار آخر بأن الأطراف المعنية باتت مقتنعة بأن الوقت حان للبحث عن السلام والتوصل إلى تسويات مرضية، في اليمن خصوصاً، إذ تعرضت جهود الأمم المتحدة لنكسة أدت إلى توقف مفاوضات الكويت من دون الإعلان عن الفشل الكامل جراء التدخل الأميركي.

وهنا يطرح سؤال منطقي هو: كيف لنا أن نتفاءل بحلول قريبة والجميع يدرك أن الشلل تام في الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما، ما أدى إلى ضرب هيبة الولايات المتحدة وتعاظم نفوذ روسيا؟ وهل من المجدي انتظار العلاج ممن فقد القدرة على المبادرة وهو في عز أيام ولايتيه الأولى والثانية عندما كانت يده مطلقة في الحل والربط؟ فكيف لنا أن ننتظر الخير ونحن أمام شهري تصريف أعمال يرحل بعدها أوباما وتصل إلى البيت الأبيض إدارة جديدة في كانون الثاني (يناير) تحتاج إلى أشهر للإمساك بزمام الأمور؟

الرد على هذه الأسئلة يأتي من مطلعين على سير المفاوضات السرية في عواصم عدة ومن المراقبين للتحركات الأخيرة المتسارعة لتصب في تيارين: الأول يجزم بأن أوباما لن ينهي عهده من دون مبادرة تحمل اسمه، أو بإنجاز ما يُسجل له حتى لا يرحل صفر اليدين، كما أن روسيا، وفقاً لمكر القيصر بوتين وحساباته، لها مصلحة في جني أكبر مقدار من المكاسب، من رئيس ضعيف وراحل، لتثبيت أقدامها في المنطقة وزيادة حجم حصتها في سورية والعراق، من التسلّح إلى إعادة البناء وعقود النفط والغاز وتأمين الاعتراف بشرعية احتلالها جزيرة القرم والتوصل إلى حل لمعضلة أوكرانيا والتهديدات المقبلة من أوروبا الشرقية.

أما التيار الآخر، فيبدي تشاؤماً من إنجاز أي تقدم خلال هذه الفترة القصيرة المتبقية من عمر رئاسة أوباما، كما أن الإدارة الجديدة ستحتاج بدورها إلى إنجاز تبدأ به عهدها ومحاولة إعادة ما انكسر من صورة هيبة الولايات المتحدة. والأهم من هذا هو أن قوى إقليمية فاعلة، وإيران خصوصاً، تحاول تأخير الحل أو عرقلته أملاً في تحقيق نصر على الأرض تقبض به اعترافاً بدورها المستقبلي وتأميناً لمصالحها ومطامعها، فما تسرّب يشير إلى أن الصفقة لم تعطها سوى الفتات، بل إن أميركا وروسيا قلمت أظافرها وحدّت من دورها العسكري والسياسي، خصوصاً بعدما ألقى بوتين بثقل بلاده في سورية ليحول الآخرين إلى لاعبين ثانويين بعدما كانت إيران تعلق الآمال على حروبها في العراق وسورية واليمن، إضافة إلى تعميق أزمة لبنان التي تبدأ بتعطيل انتخاب رئيس وتنتهي بالشارع مروراً بالحكومة ومجلس النواب لتحصد يوم الحساب مكاسب أوراق أمسكت بها. وبانتظار بلورة الأمور خلال الأسابيع القليلة المقبلة، يدور المشهد العام وكأن ملامح خطوطه الرئيسية قد رُسمت وأصبحت جاهزة للتظهير بعد إجراء بعض التعديلات ونزع الألغام وإرضاء المنزعجين، مع تسجيل الملاحظات التالية:

على رغم تراجع احتمالات التقسيم في سورية والعراق، وإعلان القوى المعنية والفاعلة تمسكها بوحدة البلاد، فإن مجريات الأمور على الساحة تبيّن عكس ذلك، فخطوط خرائط الحرب وسير المعارك توحي وكان هذا التقسيم قد أصبح واقعياً على الأرض، لاسيما بالنسبة إلى دعم الأكراد في الانفصال عن سورية، من جانب الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي أرسلت قوات للمرة الأولى إلى المناطق وساعدت قوات «سورية الديموقراطية» التي تضم أكثرية من الأكراد وبعض الجنود العرب في معركة تحرير منبج وطرد قوات «داعش».

وفجأة انقلبت المواقف وتسارعت الحوادث والمفاجآت لتبدو الولايات المتحدة، وهي تتخلى عن مشروع الأكراد، كما أن تركيا التي كانت تنوي التدخل البري لقطع الطريق على تمدده على طول حدودها، ثم تراجعت نتيجة للتدخل الروسي، عادت وأقدمت على اجتياح الحدود بدعم «الجيش السوري الحر» وتحرير جرابلس من «داعش» والتمدد تدريجاً لمنع إقامة دولة كردية على حدودها بدعم من إيران وقلق روسي خجول وتدخل لوقف القتال بين الجيش السوري ومسلحي حزب العمال الكردستاني الذي أنهى سنوات من التعايش والتنسيق، فيما اكتفت واشنطن بتحذير الطيران السوري من قصف الحسكة.

في المقابل، انتشرت أنباء عن بدء إقامة قاعدة عسكرية أميركية في القامشلي، وسط صمت روسي، مترافقاً مع بدء أعمال توسيع قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية، بينما تأكد اتفاق تركيا وإيران وبعض الأطياف الكردية على منع الانفصال.

أما الخطوط الرئيسة للصفقة الشاملة، فتتحدث عن موافقة الأطراف عليها، باستثناء بعض الفصائل العسكرية المتشددة، وتتضمن مراحل الحل والجدول الزمني وقبول معظم الأطراف، وآخرها تركيا ودول خليجية، ببقاء الرئيس بشار الأسد على رأس السلطة خلال الفترة الانتقالية التي تمتد ١٨ شهراً من دون اتفاق على الخطوة التالية وحق الترشح بعد هذه الفترة، مع توزيع الصلاحيات وتشكيل حكومة وطنية مختلطة وإعداد دستور جديد من جانب مجلس تأسيسي، علماً أن المعارضة السورية تنقسم إلى ٣ مجموعات تنتمي إلى مراجع مختلفة. كما أن الفصائل العسكرية تعد بالعشرات ولها انتماءات متعددة وأهداف متباينة تحتاج إلى القبول بالتنازلات حتى لا تدفع ثمناً باهظاً في حال تعنتها وتقطع عنها «حنفية» الأموال. وقد سبقتها «جبهة النصرة» في معايشة الواقع عندما أعلنت فك ارتباطها بـ «القاعدة» وتغيير اسمها إلى «جبهة فتح الشام»، على رغم عدم اعتراف بعض الأطراف، وبينهم النظام وروسيا وإيران بهذا التحول.

وعلى رغم كل هذه المعلومات المبشرة، فإن الصعوبات أكثر من أن تُعد وتحصى، منها ما يتعلق بالإرهاب ومصير «داعش» في العراق وسورية والأوضاع الإنسانية والاجتماعية وأزمة إعادة ملايين النازحين واللاجئين إلى ديارهم المدمرة ومرجعية إعادة الإعمار ومصادر تمويلها. ويحدد الاتفاق الذي لم يكتمل فصولاً خطوات مرحلية تبدأ بتأمين وصول المساعدات الإنسانية فوراً، ومن ثم وقف إطلاق النار وتشكيل هيئة دولية للمراقبة.

إلا أن الأمر المؤكد الوحيد هو أن الدول الكبرى والإقليمية لا يهمها إلا تأمين مصالحها، إضافة الى تمسكها ببقاء إسرائيل ومنع تعرضها للخطر، فضلاً عن التصميم على إنهاء ظاهرة «داعش» وتفكيك دولتها وفروعها من الموصل والرقة إلى العالم.

والأمل كل الأمل أن يبدأ التنفيذ في عام 2017، وما علينا إلا أن ندعو الله عز وجل بأن يحجب دم العباد وينقذ ما تبقى من البلاد ليحل السلام بعد خمس سنوات من الألم والدموع والدمار. فلنتفاءل بالخير لعلنا نجده قريباً، إن لم يكن قد نزح وهاجر مع ملايين اللاجئين.

عرفان نظام الدين

المصدر: الحياة