الحل السياسي صخرة سيزيف السوريين

40

كما لو أنَّ آلهة عصرنا أرادت معاقبة السوريين على إهانة النظام الأسدي حين جعلوا من مطلبهم سقوطه، بحمل صخرة تُذكِّر بتلك التي حكمت بها آلهة العصور الإغريقية على سيزيف بسبب إهانته لها. صخرة يحملها إلى القمة لكنه لا يكاد يقترب منها حتى تتدحرج نحو الوادي ليجد نفسه مُرْغماً على العودة إلى حملها والصعود بها من جديد..بلا توقف! وكانت صخرة السوريين منذ خمس سنوات هي التي منحتها آلهة العصر الراهن، القوى الكبرى في عالمنا، اسمَ: الحل السياسي!
لم يصدر هذا التعبير عن النظام الأسدي الذي استخدم ضروباً أخرى من التعبير تنحدر مباشرة من توصيفه الأول والدائم لما حدث في مدن سوريا وأريافها. فحين اعترف في غفلة من أمره بضرورة الإصلاحات، تحدث عن الحوار، وبات اللقاء مع «وجهاء» هذه المنطقة أو تلك في سوريا من أجل «الحوار» حديث الإعلام الأسدي اليومي خلال الأشهر التي تلت انطلاق الثورة عام 2011، وهو ما سمح بعقد مؤتمر تشاوري بدمشق يوم 27 حزيران 2011 دعا إليه مثقفون سوريون تحت عنوان «سوريا للجميع في ظل دولة ديمقراطية مدنية»، قبل أن يأمر رئيس النظام بتنظيم «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» برئاسة نائبه فاروق الشرع الذي انعقد يومي 10 و11 تموز من العام نفسه وبقيت التوصيات التي خرج بها، ومنها اعتبار «الحوار هو الطريق الوحيد الذي يوصل البلاد إلى إنهاء الأزمة» حبراً على ورق! سيستمر هذا الحوار خلال الأشهر الأولى من الثورة، ثم سيتحوّل إلى حوار بالسلاح وسيستمرّ حتى يومنا هذا. ومثلما لم يؤدِّ الحوار الأول أياً كان منظموه إلى أية نتيجة عملية وخلا بالتالي من أي معنى، فإن حوار السلاح امتدَّ ليشمل أطرافاً إلى جانب النظام الأسدي ما كان لها التواجد فيه ودخول أطراف أخرى ساحة المعركة معظمها بتشجيع من النظام من أجل تفريغ هذا الحوار من معناه الأساسي بين نظام وشعب ثائر وإحالته إلى مؤامرة فإرهاب. ولا يزال، على هذا النحو، يراوح بين كرٍّ وفرٍّ، باستثناء نجاح النظام الأسدي بفضل حلفائه الإقليميين والدوليين، فيما سعى إليه منذ البداية: لا إنكار الثورة وطمسها فحسب بل استثمار كل الظروف والعمل على خلق المناسب له منها من أجل استعادة موقعه طرفاً أساساً وقوة لا غنى عنها من أجل فرض توصيفه لما يجري في سوريا.
لكنَّ القوى الدولية والإقليمية هي من استخدم هذا التعبير الذي توالت أسماؤه في إعلامها أو تنوعت بدءاً من المؤامرة الكونية ومروراً بالثورة ثم بالحرب الأهلية وصولاً إلى الأزمة السورية. وهو تعبير بدأ ترداده منذ انتهاء الحوار بالكلمات إلى طريق مسدود وتحوله إلى حوار بمختلف ضروب الأسلحة، ثم رسوخه، مع تعدد الأطراف التي باتت تواجه الشعب الثائر، بوصفه المخرج الوحيد من المأزق الذي بات الجميع حبيسه.
استخدمت من أجل هذا الحلِّ مختلف العتلات، العربية منها والأممية. واستدعي للإشراف على وضعه موضع التنفيذ عسكريون ودبلوماسيون بعد أن عقدت المؤتمرات العربية والدولية بإشراف الجامعة العربية ومجلس الأمن معاً أو هذا الأخير وحده. كلف كوفي عنان كمبعوث عربي ـ دولي لوضع خطة حلٍّ سياسي، وانعقدت مجموعة العمل حول سوريا بجنيف يوم 30 حزيران 2012 لدعم جهوده وأصدرت ما عرف باسم إعلان جنيف 1. لكنه سرعان ما استقال من مهمته بعد أشهر عدّة بسبب غياب التوافق بين أعضاء مجلس الأمن من أجل تنفيذ خطته للحل السياسي وفرضها على النظام خصوصاً. ثم كلف الأخضر الإبراهيمي خلفاً له وكاد هو الآخر أن يستقيل بعد لأي لولا اتفاق راعيي جنيف 1 على الدعوة إلى انعقاد مؤتمر جنيف 2 رغم الخلاف بينهما على تفسير إعلانه. لكن النظام الأسدي كان هنا أيضاً بالمرصاد للحيلولة دون أن يؤدي هذا المؤتمر إلى الإطاحة به عن طريق حكومة انتقالية بكامل الصلاحيات أو حتى بحكومة يفقد فيها كامل السلطة.
وإثر فشل مؤتمر جنيف 2 واستقالة الأخضر الإبراهيمي، عين ديمستورا للمهمة ذاتها. حاول هذا الأخير تجربة تجزئة الحل السياسي إلى عددٍ من الحلول الجزئية «التجريبية» آملاً أن تقدم ما يسمح بتفعيل الحل المنشود. عبثاً. ومن هنا جاء مؤتمر فيينا الأول ثم الثاني الذي ضم فضلاً عن الراعيين الأمريكي والروسي عدداً من القوى الإقليمية والدولية، وانتهى إلى تكليف المملكة السعودية بالعمل على جمع قوى المعارضة السورية تمهيداً لمفاوضات تشرف عليها الأمم المتحدة بين النظام ووفد موحد للمعارضة يجمع فصائلها السياسية والعسكرية.
ما الذي دفع في الواقع إلى هذا «الحل السياسي» الذي نادت به روسيا منذ البداية لصالح النظام الأسدي وانتهت الولايات المتحدة بعد مراوغة طويلة إلى تبنيه صراحة اعتباراً من جنيف 1 والذي صار منذ البداية أداة اعتمدتها القوى الكبرى لا لحل المشكلة كما كانت تصرح يمنة ويسرة بل للاكتفاء بإدارتها؟ ومن كان مصمِّمه الحقيقي؟
أكان النظام الأسدي يتصرف بطبيعة الحال بناء على هذا الواقع مستعداً لدفع أي ثمن يتعين دفعه مادام لا يؤدي إلى إزاحته كلياً من المشهد نتيجة قراءته للواقع الجيوسياسي أم بناء على خطة محكمة اتبعها منذ البداية بدعم حلفائه وربما بمشاركتهم تصميماً وتنفيذاً؟
وإلا، كيف يمكن انتظار قبوله التفاوض حول حلِّ سياسي مع معارضة سياسية أو عسكرية لم تكن يوماً موضع اعتراف منه؟ ولماذا يقبل اليوم وهو الذي رفض ضروب التسوية جميعها حين كانت المشكلة سورية محضة ولم تكن بوابات العنف قد فتحت على مصاريعها كافة ولا صار عدد الضحايا من سجناء وقتلى وجرحى ومعاقين يعدون بمئات الألوف ومهجرين يعدون بالملايين؟
لم يكن اعتماد النظام السوري الحلَّ الأمني وإنكاره وجود ثورة شعبية ذات مطالب مشروعة في الكرامة وفي الحرية واعتباره كل من ينطق باسمها عميلاً خارجياً مجرد خيار تكتيكي بقدر ما كان رهاناً استراتيجياً وفي العمق. وما كانت دعواته إلى ضروب الحوار إلا تغطية لمسار آخر أراد به خنق كل صوت حر وكل احتجاج. كان هذا الموقف واضحاً أمام الجميع وضوح الشمس. فهو الذي عرقل الحل العربي، وهو الذي راوغ في قبول خطة كوفي عنان ثم أفشل محاولات الأخضر الإبراهيمي وضع مقررات جنيف 1 موضع التنفيذ. رافضاً حين أرغم على حضور مؤتمر جنيف 2 مناقشة أية مشكلة قبل اعتماد أولوية مكافحة الإرهاب.
وطوال هذه السنوات، وبمعزل عن صحة افتراض التنسيق بينه وبين داعش، قدمت له هذه الأخيرة أكبر الخدمات لتحقيق غايته من خلال إسقاط الطائرة الروسية في سيناء والعملية الإرهابية التي نفذتها بباريس يوم 13 تشرين الثاني الماضي. هكذا أتيح لروسيا أن تأتي بقواتها إلى سوريا بحجة محاربة الإرهاب وأن تعتبر فرنسا ووراءها الدول الأوروبية الحرب ضد داعش أولويتها القصوى قبل إسقاط النظام السوري الذي كان من قبل في نظرها كذلك قبل 13 تشرين الثاني!
على العكس من سيزيف ألبير كامو الذي كان سعيداً بعقابه، يبدو السوري وهو يلتهب غضباً إذ يُرغَمُ على حمل صخرة الحل السياسي، لا لأنه يعلم أنه لن يبلغ بها الغاية المنشودة فحسب، بل لأنه يدرك أن الطريق إلى هذه الغاية طريقٌ آخر، له مساره وزمنه.. وكذلك رجاله.

٭ كاتب سوري

بدر الدين عرودكي