الخلاف والتوافق في العلاقات الغربية التركية

لا تختلف الدبلوماسية الغربية عامة والأمريكية خاصة مع تغيير الرؤساء ولا الحكومات او الكونغرس بل تستمر كما هي مع تغيير بعض الخطط واستخدام أساليب مختلفة في بعض القضايا للوصول الى الهدف المرسوم مسبقا في الدوائر المغلقة ومن قبل اشخاص لا يعرفهم العامة ولا يظهرون او يتباهون بإنجازاتهم او (عظمة) خططهم، الجماعة تلك تترك الإعلان والشرح والتنفيذ لمن يتم اختيارهم لإدارة المرحلة التي هم بصدد تفعيل مقتضياتها والعمل على تحقيق الأهداف الموضوعة مع ترك هامش كي تظهر الإدارة على انها هي واضعة الأهداف، وخير دليل على ما ذهبنا اليه هو تعامل الإدارات الامريكية المتعاقبة مع الحكومة التركية بقيادة اردوغان منذ 2002 وحتى الآن. في بداية حكم حزب العدالة والتنمية رفضت الحكومة التركية حينها في العام 2003 ان تستخدم الولايات المتحدة الأراضي والقواعد الجوية التركية في الحرب على نظام صدام حسين في العراق، كانت هذه هي المرة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية -منذ قبول النظام التركي الدخول تحت المظلة الامريكية وعضوية حلف الناتو- على معارضة الطلبات الامريكية وعدم السماح لها باستخدام الأراضي التركية، كان الرد التركي مفاجئ حينها بالنسبة للمهتمين لا بل رفضت التعاون او السماح للقوات الامريكية بالتمركز على الحدود والانطلاق منها نحو الداخل العراقي وربطت أي تعاون او تنسيق بالموقف الأمريكي من القضية الكردية، طلبت تركيا توضيحات مفصلة حول دور البشمركة ومشاركتهم في المعركة المقترحة والخطط الامريكية المستقبلية بخصوص (شمال العراق الكردي)، رفضت أمريكا، رفضت الأخيرة الابتزاز التركي ونتيجة لذلك اوعز اردوغان الى البرلمان بالتصويت ضد مشروع قرار يسمح للقوات الامريكية استخدام الأراضي التركية للهجوم على العراق.

توترت العلاقات بين الجانبين، كانت الحكومة التركية تعتقد بان أمريكا لن تستطيع اجتياح العراق دون مساعدتها والانطلاق من أراضيها ولن تستطيع فتح جبهة من إقليم كردستان بالاعتماد على قوات البشمركة، وحصل ما لم تتوقعه حيث بدأت أمريكا بشن هجومها البري انطلاقا من الكويت وكردستان نحو بغداد. فشلت عملية الابتزاز التركية لهذا قررت حكومة اردوغان الموافقة على استخدام المجال الجوي التركي على الرغم من رفض مجلس النواب، وقررت الزج ببعض من قوات الكومندو الى الأراضي العراقية وتحديدا الى إقليم كردستان، لكن الحكومة الامريكية لم تعر للموضوع أهمية لان قياداتها العسكرية كانت قد وضعت خططها العسكرية وبدأت التنفيذ دون وضع الأراضي او المجال الجوي التركي في الاعتبار. حاولت حكومة اردوغان الاستفادة من حالة الحرب لتعزز من تواجدها العسكري في إقليم كردستان الذي كان ينحصر في المنطقة الحدودية، ولكنها أرسلت هذه المرة مجموعة من الكوماندوس الى مدينة السليمانية لكن البشمركة اعتقلتهم وسلمتهم الى القوات الامريكية وتم شحنهم بشكل مهين وابعادهم الى تركيا.

الشيء الملفت بان الرفض التركي والتوتر الذي حصل حينها لم تؤثر على العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين من جهة الولايات المتحدة التي تحملت الصدمة وتابعت مع الحكومة التركية وكأن شيئا لم يكن، بقيت الحكومات الامريكية المتعاقبة تتودد للحكومة التركية وتحاول ارضاءها ان كان في الداخل التركي او خارجه حيث دعمت وبشكل متواصل التدخل التركي في إقليم كردستان وكذلك بعد الثورة السورية خلقت الأرضية المناسبة لتتسلم تركيا قرار المعارضة السورية (الائتلاف الوطني السوري) وربطت جميع المجموعات المسلحة بالقيادة العسكرية التركية ووضعهم تحت اشراف الميت التركي من خلال غرفة موك التي شكلتها في عنتاب وفتحت المجال لتركيا للسماح للإرهابيين من شتى بقاع العالم للدخول من أراضيها الى الداخل السوري والعراقي، لقد كافأت الولايات المتحدة بالتنسيق مع روسيا حكومة اردوغان بالسماح لها باحتلال المنطقة الحدودية الممتدة من جرابلس الى اعزاز والباب، على الرغم من ان تركيا اسقطت الطائرة الروسية قبل ذلك وازعجت أمريكا وقواتها التي بدأت تدعم وحدات حماية الشعب التي دافعت عن كوباني حتى حررتها بالتعاون الوثيق مع التحالف الدولي التي شكلته الولايات المتحدة ليكون غطاء لحملتها في سوريا.

ومع توالي السنوات وتغيير الإدارات في الولايات المتحدة الامريكية لم يتغير أسلوب الرد الأمريكي على التصريحات البلطجية التركية، بقيت وفية لصداقتها ودفعت قرابين من خيرة الوطنيين المدنيين العزل والمقاتلين من وحدات حماية الشعب قرابين لتلك الصداقة أو بعبارة ادق قربانا لحب من طرف واحد، من خلال السماح للطيران التركي بقصف سيارات المدنيين وبيوت المواطنين والمواقع العسكرية لوحدات حماية الشعب داخل سوريا.

لقد كان اردوغان يتحدث قبل اندلاع الانتفاضات العربية او ما تسمى بالربيع العربي علانية عن الدور الذي ستلعبه تركيا في المنطقة وقال خلال احدى مهرجاته الخطابية عام 2010: لتركيا دور مرسوم في مستقبل المنطقة. كتب حينها العديد من المحللين والسياسيين عن تلك المهمة -الدور- متسائلين مصدر التكليف ولصالح من، اتضحت المهمة بعد اندلاع الثورة السورية وتشكيل غرفة الموك وتسليح جماعة الاخوان المسلمين وانطلاق ما تم تسميته بالثورة المسلحة ضد النظام السوري من الأراضي التركية. وتبين بوجود مخطط مسبق من قبل مجموعة من الدول بقيادة الولايات المتحدة التي رأت في تنظيم الاخوان المسلمين الجهة التي ستمثل مستقبل دول المنطقة وتقود حكوماتها، تم توزيع الأدوار، المال من قطر والسعودية والكويت، التدريب والسلاح من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والقيادة والتوجيه من حكومة الاخوان المسلمين التركية بقيادة اردوغان واعلن اردوغان بانه سيصلي في الجامع الاموي بدمشق قريبا وربط المراقبون حينها حديثه ذاك بالدعم الاستثنائي الذي يتلقاه من الدول الغربية ولكن اردوغان ليس بذلك الحليف المطيع الذي ينفذ التوجيهات وظهرت في هذه الفترة تحديدا ميول التفرد والبحث عن إنجازات شخصية لدى اردوغان وتعارضت طموحاته القومودينية مع التوجهات الامريكية بعد فشل تدريب المجموعات (المعتدلة) وظهور جبهة النصرة ومن ثم داعش كمجموعات مسلحة رئيسية والنزوع الطائفي الراديكالي لدى بقية المجاميع المسلحة، تعارضت الرؤى بين الطرفين،في بداية 2014 تنبهت أمريكا الى وجوب مقاتلة الارهابين من بين تلك المجاميع بعد الدعم العلني للحكومة التركية لقوات محمد الجولاني المنشق عن الدولة الإسلامية في العراق وإعلان البغدادي عن دمج سوريا والعراق في تنظيم واحد سماه الدولة الإسلامية في الشام والعراق والتي بدأت بالسيطرة على الأراضي التي (حررتها) جبهة النصرة وبقية المجاميع الراديكالية وظهر حينها الدعم العلني لحكومة اردوغان لذلك التوجه قناعة من اردوغان بان داعش هو التنظيم الذي يمكن ان يحقق له حلمه لانه بعيد عن الهيمنة الغربية او الخليجية وأهدافه يتفق مع طموحات اردوغان في التوسع والاستيلاء على سوريا والعراق ولبنان لتكون نواة إعلانه للسلطنة التي يحمل بإعادة احياءها. وكانت هذه هي نقطة البداية في اختلاف الرؤية الامريكية التركية وهو ما دفعت أمريكا الى البحث عن قوة معتدلة تستطيع وقف التمدد الداعشي ووجدت في وحدات حماية الشعب التي دافعت وقاتلت ببسالة المجاميع الإرهابية من داعش وجبهة النصرة واحرار الشام وغيرها من الذين أرادوا غزو المدن والقرى الكردية وعندما بدأت تركيا دعمها اللامحدود لداعش لتغزو المدن الكردية بدأ من كوباني، قاومت الوحدات ببسالة عناصر داعش المسلحين بالأسلحة الثقيلة التي تركها لهم قوات النظامين السوري والعراقي وبدأت بدعم لوجستي من تركيا (وهذا مثبت بالفيديوهات ووثائق نشرتها العديد من وسائل الاعلام) بالعدوان على منطقة كوباني وبعد مقاومة بطولية تدخلت الولايات المتحدة الامريكية الى جانب المقاومين وبدأت تنسق معهم من الجو لتقصف داعش التي كانت تحاصر مدينة كوباني.

رغم كل تلك الحقائق لم يتغير التعاطي الأمريكي مع تركيا كما تفعل مع من يقف ضد مصالحها ومخططاتها، تراجعت أمريكا في الدعم المقدم للمجاميع المسلحة السورية المرتبطة بتركيا وهو ما أدى الى نشوب خلافات بين الجانبين وتراجع اردوغان من السير مع المخططات الامريكية في المنطقة كما كان متوقعا وبالأخص في سوريا ولو استمر كان في الأعوام الأولى، كانت امريكا ستساعده في احتلال كامل الأراضي السورية وكلنا نتذكر حينها تكرار اردوغان لمقولة بأنه سيصلي في الجامع الأموي قريبا.

نرجسية اردوغان وشراكته مع التنظيمات الإرهابية التي بدأت تقوم بإعمال إرهابية في اروبا دفعت بأمريكا الى التراجع في تقديم المساعدة إليه. وبالتالي محاولة منعه من التمدد المخطط له على كامل الأراضي السورية وظهرت مساندة اردوغان للإرهاب ودعمه له بشكل علني في معركة كوباني، التي تدخلت امريكا لتمنع تركيا من السيطرة على كوباني لان سيطرة داعش حينها تعني سيطرة تركيا، وشكل التدخل الروسي العائق الأكبر أمام وصول تركيا إلى دمشق، لكن روسيا قدمت لأردوغان الذي كان سيبقى خارج المعادلة السورية، ما لم يكن يتوقعه: صفقات اقتصادية كان اردوغان بحاجة لها. وأراضي سورية ليكون له نفوذ فيها وجهادين إرهابيين ارسلتهم روسيا لتقوم تركيا بإعادة هيكلتهم واستخدامهم لتنفيذ أجندتها أن كانت في سوريا او مناطق أخرى من العالم. ولهذا بعد الأحجام الأمريكي عن دعم اردوغان لبسط سيطرته على الأراضي السورية حققت له روسيا ذلك الهدف، أما امريكا فقد بقيت مترنحة بين السكوت على البلطجة التركية وأشعار القلق من تصرفاتها. وهو ما دفع اردوغان بعد احتلال اعزاز وجرابلس والباب بالاتفاق مع روسيا ورضى امريكا أن يطالب بضم منطقة عفرين الكردية الى الأراضي المحتلة، وحقق له بوتين ذلك الحلم، كانت اطماع اردوغان أكثر من ذلك لكن العائق كانت أمريكا وليست روسيا التي تدخلت حسب ما ادعت لحماية وحدة سوريا وهي التي قامت لتحقيق مصالحها بالسماح لتركيا باجتياح المناطق السورية المذكورة أنفا، بعكس أمريكا التي منعته من احتلال منبج. كل ما حصل عليه اردوغان في سوريا كان بالاتفاق مع بوتين الذي فرض واقعا ليقوم الجيش التركي في احتلال عفرين.

بعد احتلال عفرين بسنة واحدة أي ٢٠١٩ جدد اردوغان تهديداته في وجود رئيس أمريكي لا يعرف متى حصلت الحرب العالمية الثانية، بدأ باجتياح جديد واحتلال مدينتي رأس العين وتل ابيض وريفهما وهو ما عزز احتلاله لقسم كبير من الشريط الحدودي السوري.

تهديدات اردوغان ضد الإدارة الذاتية لم ولن تنتهي في محاولة منه القضاء على التواجد الكردي في سوريا، وهو ما يروق للنظام السوري ويكسب تعاطف الروس واللامبالاة الامريكية.

لقد وقف اردوغان ضد العديد من المخططات الامريكية منذ بداية الالفين وحتى الآن وحصل على صواريخ اس 400 التي تتعارض مع المنظومة العسكرية الامريكية، وعمل ويعمل على استفزاز الغرب والتهجم عليهم وضرب مصالحهم والتعدي على حقوقهم البحرية (مياه اليونان وقبرص)، وكل ذلك لم يدفع الغرب الى تغيير موقفه او تعاطيه مع الحكومة التركية بقيادة اردوغان بل تنازلوا له في العديد من القضايا والأمور منها دفع مليارات اليوروهات له في سبيل التوقف عن ارسال اللاجئين وساندوا سياساته التوسعية واحتلاله للعديد من المناطق السورية والعراقية.

المواقف الغربية من الحكومة التركية تستند الى ارث تاريخي من العلاقات المشتركة بينهم وبين الجمهورية التركية تمتد لأكثر من حقبة من الزمن ولهذا تبقى تلك الدول أسيرة لتراكم سنوات من التعاون المشترك وخاصة في فترة الحرب الباردة حيث كانت تركيا الشرطي الغربي في المنطقة ومستودع لتخزين الأسلحة النووية وقواعد عسكرية جوية في مواجهة الاتحاد السوفيتي ومازال الغرب يعتمد على تلك الاستراتيجية في التعامل مع تركيا اية كانت شكل حكوماتها وممارساتها.

حسين عمر

المصدر: إيلاف

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد