الخوف يحاصر اللاجئين السوريين في لبنان.. والعيد يأتي في ظرف صعب

425

مر عيد الفطر على لللاجئين السوريين في لبنان في ظروف صعبة هذا العام، ألغت الفرحة التي ترافق هذه المناسبة.

فقد كان لمقتل المسؤول في القوات اللبنانية، باسكال سليمان، انعكاسات قاسية على السوريين في لبنان.

حيث اختطف سليمان، الأحد الماضي، على يد أفراد عصابة سرقة أغلبهم من الجنسية السورية، ونقلت جثته إلى سوريا عبر الحدود، بحسب ما كشفت الأجهزة الأمنية اللبنانية.

أدى هذا الحادث إلى بروز سلوكيات عنصرية وملاحقات انتقامية واعتداءات عشوائية طالت السوريين في مناطق لبنانية مختلفة، ما نغص على اللاجئين فرحة العيد، وحرمهم من ممارسة تقاليده والاحتفال به كما اعتادوا.

وشهدت مناطق مثل برج حمود وسد البوشرية والجديدة وبشري وجبيل وجونية وذوق مصبح وذوق مكايل وطبرجا وغيرها، في اليومين الماضيين، سلسلة اعتداءات طالت عمالا ولاجئين وأفرادا من بينهم نساء من الجنسية السورية.

كما جرى تحطيم سيارات تحمل لوحات سورية، والهجوم على مساكن يقطنها سوريون، فيما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي حملات تحريض وبث مكثف لخطاب الكراهية ضد اللاجئين وسط دعوات لترحيلهم. 

وانتشرت مقاطع مصورة توثق الاعتداءات، وأخرى تظهر مجموعات مدنية تتنقل في المناطق وتعطي السوريين مهل زمنية لإخلائها تحت التهديد والوعيد.

كما اتخذت بلديات لبنانية كثيرة إجراءات مشددة قيدت من تحركات السوريين وزادت من التحريض عليهم، وفرضت في بعض الأحيان عليهم حظر تجول شامل غير محدد في توقيته كما فعلت العديد من البلديات، فيما سجل توزيع مناشير مطبوعة تدعو السوريين للمغادرة تتهمهم بتهديد الأمن والسلامة العامة في لبنان.

وفي أحدث المستجدات، أفادت وكالة الإعلام الرسمية في لبنان، الخميس، بأن مجهولين اعترضوا سيارة أجرة تقل سوريين على طريق رياق- القاع الدولية، قرب مفرق بلدة شعث في البقاع الشمالي، وقاموا بخطفهما إلى جهة مجهولة. وتمكن سائق سيارة الأجرة من الفرار من قبضة الخاطفين الذين كانوا يستقلون سيارة رباعية الدفع، فيما فتحت القوى الأمنية تحقيقا لكشف ملابسات الحادث. 

كل ذلك جعل من السوريين في الكثير من المناطق اللبنانية سجناء منازلهم، يعيشون لحظات من القلق والترقب والخوف، ويتوقعون اعتداء أو ملاحقة في كل خطوة يقومون بها، وذلك بالتزامن مع حلول عيد الفطر الأربعاء، الذي ينظر إليه الكثير منهم كمتنفس ومناسبة للاحتفال والتلاقي والهروب من الواقع القاسي والظروف الصعبة التي يعيشونها.

 

لا عيد.. للكبار والصغار

تقول “هدى” (اسم مستعار)، وهي لاجئة سورية تقطن مع عائلتها في منطقة برج حمود، فضلت عدم الكشف عن هويتها خوفا من أي تداعيات، إن هذا العام “لم يكن هناك أي عيد”، وبدلا من الفرح والاحتفال حل الخوف والقلق والترقب. 

وتضيف في حديثها لموقع “الحرة”، أن “يوم العيد كان بالنسبة لنا بمثابة سجن”، حيث لم تتمكن وعائلتها من زيارة الأقارب وإقامة جولات “المعايدة” المعتادة في مثل هذا اليوم، “كل الأحاديث كانت عن حظر التجول ودعوات الترحيل وإنذارات الإخلاء، “هذا الواقع حرمنا البهجة التي ننتظرها من عام إلى آخر في مثل هذا اليوم”. 

وتتابع “هربنا إلى لبنان بحثا عن الأمان والاستقرار الذي كنا نعيشه قبل الحرب في سوريا، فوجدنا في المقابل الخطر والأذى والاعتداءات تلاحقنا”.

لم تفسر هدى لأولادها سبب منعهم من الخروج والتنزه يوم العيد، كما اعتادوا، وذلك لحمايتهم من التفكير والقلق حول المخاطر التي قد يتعرضون لها، “كانوا ينتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر طيلة شهر رمضان، لكنهم وبسبب هذه الظروف “حرموا من هذه البهجة النادرة، حيث كان العيد الفرصة المتاحة للترفيه”. 

تلتزم هدى وعائلتها المنزل من دون أن يعلموا إلى متى، “ننتظر الفرج ولا نعرف كيف سيكون شكله أو موعد قدومه”، بحسب ما تقول، بينما يسيطر الخوف على كل مشاعرهم، بعد كل ما شهدوه من اعتداءات وضرب وشتائم في الشارع طالت أشخاص لمجرد أن جنسيتهم سورية، وتضيف “حتى في المنزل التوتر سائد والخوف في أي لحظة أن يقتحم أحد منزلنا أو يتهجم علينا أو يطردنا ونصبح في الشارع دون مأوى، أو حتى أن يرحلوننا”.

أما المشكلة الأكبر بالنسبة إلى هدى أنه “لا ذنب لنا بكل ما يحصل، ما من أحد سعى أو تمنى أن يحصل ما حصل، ومع ذلك نحن من يدفع الثمن، ونسجن في منازلنا ونحرم فرحة العيد”.

أما أدهم (اسم مستعار)، فلم يستطع حتى البقاء في منزله الكائن في منطقة جبيل، حيث التوتر على أشده، بكون القيادي في القوات اللبنانية كان مسؤولا في منطقة جبيل نفسها، وسجل فيها الاحتقان الشعبي الأكبر، حيث اضطر للمغادرة على وقع التهديدات والاعتداءات إلى مدينة طرابلس، ومثله فعل الكثير من اللاجئين ممن لم تتح لهم حتى فرصة توضيب أمتعتهم قبل الهروب من المنطقة، وفقما يقول. 

يتشارك مع هدى قصة حرمانه وعائلته من أجواء العيد، ويضيف في حديثه لموقع “الحرة” أنه ومن معه ملتزمون تماما بقرارات البلديات والسلطات لناحية منع التجول، لكنه يسأل “ما ذنب كل السوريين بما ارتكبه أفراد من جنسيتهم؟ السوريون في لبنان يصل عددهم إلى مليون ونصف، لماذا نحاسب عن عصابة لم يتجاوز عدد افرادها السوريين الـ10؟ هذا أمر لا يجوز ولا يقبله أحد، هذا ظلم كبير”.

ويتابع “لماذا لم ينتقم أحد من مشغليهم وحماتهم اللبنانيين في العصابة؟ مع ذلك نحن نخضع للسلطات لأننا لا نريد خلق المشاكل لأنفسنا، كل ما نريده هو العيش بسلام وامان مع عائلاتنا، ولو أتيح لنا الهجرة إلى مكان آخر لما بقينا في لبنان للحظة واحدة”.

يستنكر أدهم أعمال السرقة والخطف والقتل ويحمل الأجهزة الأمنية مسؤولية ضبطها، كما ضبط ردود الأفعال الانتقامية بسببها، داعيا إلى محاسبة المعنيين مباشرة والاقتصاص منهم وليس من جميع السوريين في البلد، محذرا من احتمالية أن يكون هناك من يسعى لفتنة بين اللبنانيين والسوريين. 

 

مزيد من التحريض.. ودعوات لخفضه

يذكر أن الأجهزة الأمنية اللبنانية كانت قد أعلنت عن توقيف نحو 9 أفراد من الجنسية السورية على علاقة بعملية القتل التي حصلت، فيما لم يعلن في المقابل عن أي إجراءات أو ملاحقات من ناحيتها للمعتدين على السوريين في الشوارع، على الرغم من أن العديد من المقاطع المصورة أظهرت بوضوح هويتهم، وحدها دوريات للجيش اللبناني سجلت حضورها في الشوارع والمناطق الأكثر احتقانا وتوترا وعملت على فتح بعض الطرق المقطوعة وفضت التجمعات. 

في حين دعا وزير الداخلية اللبناني بسام المولوي عقب اجتماع مجلس الأمن المركزي على إثر الأحداث إلى “فرض مزيد من القيود والتقييد على اللاجئين السوريين”، مشددا على أن الوجود السوري في لبنان “يجب أن يكون محدودا”، مذكراً في حديثه بجرائم وتجاوزات أخرى كان المتهم فيها أفراد سوريين، الأمر الذي اعتبره نشطاء حقوقيون يحمل مزيدا من الوصم والتحريض على اللاجئين السوريين من قبل الجهات الرسمية في لبنان، في وقت كانت قد انخرطت العديد من الأحزاب اللبنانية السياسية في بث التحريض وخطاب الكراهية والدعوى لترحيل السوريين عن لبنان. 

في هذا السياق، أدانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان بشدة مقتل المواطن اللبناني باسكال سليمان وأعربت في تصريح لموقع “الحرة” عن حزنها العميق إزاء هذه الجريمة، مؤكدة على أهمية أن يأخذ التحقيق الرسمي مجراه. 

ودعت الحكومة والسلطات اللبنانية للحفاظ على الهدوء وضبط النفس في ظل الوضع الأمني المتوتر أصلا في لبنان. 

وفي تعليقها على استهداف السوريين في مناطق مختلفة ودعوات الإخلاء الجماعي قالت المفوضية أن تلك الممارسات خلقت حالة من الذعر بين العائلات السورية في لبنان، معلنة عن مراقبتها لهذه التطورات عن كثب ومتابعتها لحالات الذين أبلغوا عن تعرضهم للاعتداء أو العنف أو الإخلاء.

وإذ أبدت تفهمها لحالة الحزن والغضب الشعبي في لبنان، شددت على ضرورة السماح للإجراءات القضائية بأخذ مجراها الطبيعي، داعيةً المجتمعات اللبنانية إلى “الامتناع عن إلقاء اللوم بشكل جماعي وظالم على الأفراد السوريين وحمايتهم من الاستهداف بسبب جريمة شنعاء لم يرتكبوها”.

بدوره يرى رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان، وديع الأسمر أن اللجوء السوري في لبنان، يمثل إشكالية كبيرة في المجتمع اللبناني، خاصة وان عدد اللاجئين يتراوح ما بين مليون ونصف ومليونين، بحسب الإحصاءات، ما يفوق طاقة الدولة اللبنانية وقدرة اقتصادها على التحمل. ويضيف “لكن ذلك لا يعني أن كل مشاكل لبنان بسبب اللاجئين السوريين”.

حملات التحريض الممنهجة التي يقوم بها بعض السياسيين والأحزاب حولت بحسب الأسمر السوريين في لبنان إلى “كبش محرقة” لجميع المشاكل، وهو ما يخلق الاحتقان السائد في الشارع، “ويجري تنفيسه بالشكل الذي نراه اليوم مع كل مناسبة في وجه السوريين بالمطلق”.

وتابع أن ما حصل عقب مقتل سليمان، “هو نتيجة هذا المسار من التحريض الذي استخدم طويلا لحرف الأنظار عن حقيقة الأزمات المتتالية التي يعيشها لبنان”، مؤكداً أنه ليس ذنب أي مجموعة أو مجتمع أو جنسية في ما يرتكبه أفراد منهم، يضرب مثلا بالجالية اللبنانية الكبيرة الموجودة في دول عدة حول العالم متسائلا “هل يجوز تحميلهم مسؤولية تصرفات فردية لبعض اللبنانيين؟” معتبرا أن هذه “المقاربة الشعبوية” التي يسوق لها مسؤولون لبنانيون عن غير دراية بتداعياتها في سبيل “خطيرة جدا”.

ولفت الأسمر إلى الغياب التام للأجهزة الأمنية اللبنانية عن معاقبة “من نراهم ينفذون التحريض والاعتداءات بالعين المجردة وتوثق هويتهم الفيديوهات المنتشرة” واصفا الأزمة الحالية بكونها “أخطر من تركها للمقاربات الشعبوية”، ومطالبا باستراتيجية جدية من قبل الدولة اللبنانية لإيجاد حلول تحمي اللاجئين المعرضين لخطر سياسي في حال ترحيلهم إلى سوريا، وتوفير آلية مسهلة لمن يريد العودة طوعا.

واجب الدولة إن ارادت الاستقرار في لبنان، بحسب رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان، أن تبدأ بإيجاد آليات لتخفيف الاحتقان والخطاب العنصري والتحريضي ضد السوريين، “في حين أن جميع المسؤولين يعلمون أن مفتاح الحل هو الاستقرار في سوريا الذي من شأنه حل مشكلة اللجوء في لبنان، وبالتالي المطلوب دفع الدولة السورية لخطوات جريئة وجدية لضمان أمن وسلامة العائدين إلى سوريا، وهذه مسؤولية الدولة السورية والمجتمع الدولي، والحل ليس بالتحريض على الأبرياء وجعل الضحية ضحية مرتين”.

وأصدرت القوات اللبنانية الخميس بيانا عقب الأحداث المسجلة، استنكرت فيه “التعديات الهمجية التي يتعرض لها بعض السوريين”، داعية في الوقت نفسه السلطات اللبنانية إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، معتبرة أن “الأمن في سوريا استتب، وبإمكان جماعة النظام ومعارضيهم العودة إلى المناطق العائدة للنظام والمعارضة، وبالتالي لا حجة إطلاقا لاستمرارهم في لبنان”.

وأكد البيان أن المطالبة بعودة اللاجئين السوريين “أصبحت أكثر إلحاحا، بعدما أصبح واضحا حجم عدد الأعمال الإجرامية والمخلة بالأمن التي يقوم بها البعض منهم، ولكن “القوات” تشدد في الوقت نفسه بإن المطالبة بعودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم شيء، والتصرف بحقد وهمجية شيء آخر مختلف تماما. فالتصرفات التي نراها على بعض مواقع التواصل وبعض الممارسات التي نشهدها على الأرض مرفوضة من جهة، ومريبة في الشكل والمضمون والتوقيت من جهة أخرى”.

من ناحيته استنكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، الاعتداءات التي تجري بحق اللاجئين السوريين في الأراضي اللبنانية “من قبل بعض الحاقدين والمأجورين” على خلفية حادثة مقتل قيادي بحزب القوات اللبنانية على أيدي سوريين ، معتبرا أن ذلك “لا يبرر أبدا الاعتداءات التي تجري بحق السوريين الذين هم ضحية الظلم الذي دفعهم باللجوء إلى لبنان ودول الجوار”، محملاً مسؤولية أمن وسلام السوريين للسلطات اللبنانية.

كما دان المرصد السوري تحريض بعض السياسيين في لبنان على اللاجئين السوريين وتحميلهم مسؤولية الأزمة اللبنانية المتفاقمة، مؤكدا أن اللاجئين السوريين في لبنان لا يستطيعون العودة إلى مناطقهم بسبب المخاوف الأمنية واعتقالهم من قبل سلطات النظام ، معتبرا أن “الحل الوحيد لعودتهم هو أن يكون هناك وطن ديمقراطي في سورية يكفل حقوق جميع أبناء الشعب السوري”.

كما دعى المرصد إلى محاكمة المرتكبين من الجنسية السورية “محاكمة عادلة أمام قضاء لبناني عادل ونزيه”.

وكشف رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي في تصريحات إعلامية الخميس عن “حل مهم جدا جدا يعمل عليه في ملف النزوح السوري”، على أن يكشف عنه في آخر شهر أبريل الجاري، دون تقديم تفاصيل إضافية”.

وأضاف ميقاتي “سبق وطرحت حلول وخطط في ملف النازحين وكلها لم توضع موضع التنفيذ اما اليوم فإن الحلول هي للتطبيق”.

من جهته، كشف وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين الخميس عن وجود “خطة لإعادة النازحين السوريين بانتظار وضع الآلية لها”، مشيرا في حديث إذاعي إلى أن “القافلة ستنطلق باتجاه سوريا بعد عيد الفطر”، بغض النظر عن المواقف الدولية في هذا الشأن.

وأشار إلى ان المؤتمر الخاص باللاجئين السوريين الشهر المقبل “سيتضمن مطالب لبنان التي لن تقتصر على المساعدات المالية بل بالمطالبة بعودة النازحين، لما يمثلونه من خطر على الكيان اللبناني”.

المصدر: الحرة نت