الخيط الواصل بين سوريا واليمن

تشير نتائج المعارك الدائرة في جنوب وشمال سوريا بين النظام وفصائل المعارضة إلى بدء تغيّر في حالة التوازن النسبي التي استقرّت عليها الأوضاع العسكرية هناك وذلك رغم التفوق الناريّ للنظام، وسيطرته على سلاح الجوّ والصواريخ، وتغوّله في استخدام البراميل المتفجرة والغازات الكيميائية، والدعم الذي لم ينقطع من إيران وروسيا.
ففي ريف محافظة درعا قامت المعارضة بالاستيلاء على آخر معبر حدودي مع الأردن، وحرّرت بلدة بصرى الحرير، كما استعادت بعض القرى التي احتلتها القوات الموالية للرئيس السوري فجأة في منطقة اللجاة بين محافظتي درعا والسويداء وكبّدته خسائر في العتاد والرجال بينهم أفراد من الحرس الثوري الإيراني ومقاتلون من جنسيات أخرى، كما سجّلت المعارضة بعض التقدم في ضواحي دمشق كحي جوبر وغيرها.
وتوازى ذلك مع تغيّرات عسكرية كبيرة في شمال سوريا بعد السيطرة على مدينة إدلب، ومعارك يشارك فيها الآلاف تستهدف السيطرة على مواقع عسكرية استراتيجية مثل معسكري القرميد والمسطومة، والتي ترافقت مع بدء معركة «سهل الغاب» في محاولة لتشكيل كمّاشة تطبق على مدينة جسر الشغور، التي في حال سقوطها، ينفتح الباب لتقّدم قوات المعارضة نحو مدينة اللاذقية، وهي عاصمة المحافظة التي تعتبر مسقط رأس عائلة الرئيس السوري ومركز ثقل الحاضنة الاجتماعية للنظام.
تزامن هذا مع اقتراب المجتمع الدولي لاتفاق مع إيران، ومع انطلاق عمليات «عاصفة الحزم» العربية في اليمن، والتوافق الدوليّ عليها، بما في ذلك روسيا التي امتنعت عن استخدام حق النقض ضد قرار في مجلس الأمن ضد الحوثيين وعلي صالح، وما ترتّب على ذلك من نتائج عالمية وإقليمية جديدة، ويضاف إلى كل ذلك حصول تحركات دبلوماسية غير مسبوقة للمعارضة السياسية السورية، وإجراء اجتماع نادر لأقطابها العسكريين والسياسيين في تركيا.
التغيّرات بهذا المعنى لا تتعلّق فقط بكون النظام السوري صار فاقداً للصلاحية إضافة إلى كونه فاقداً للشرعيّة، ولا باستهلاكه لمخزونه من القدرة على الانتقام والوحشية ضد شعبه، ولا بتراجع زخم الميليشيات الأجنبية الداعمة له، ولا تتعلّق كذلك بعودة الدعم المالي والعسكري والتنظيمي للمعارضة، أو حتى بوجود توافق بين داعميها الإقليميين، وخصوصاً السعودية من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى.
ما تعنيه هذه المعارك هو أن قرار الشعب السوري بإسقاط نظام بشار الأسد الذي رفعته الثورة السورية، ودفع الشعب السوري ثمناً له لا يمكن تصديقه، كان ممنوعاً لسببين أساسيين:
الأول هو أن الإدارة الأمريكية (… وإسرائيل) كانت ترفض إسقاط النظام السوري وتراهن على حصول تسوية تقنع رأس النظام وبعض كبار معاونيه بالخروج من واجهة السلطة إلى الكواليس (كما حصل مع علي صالح في اليمن) وتبقي على النظام.
والثاني هو اختلاف وتنازع أجندات الرعاة الإقليميين للمعارضة السورية، فطرف منهم كان يعتبر محاربة جماعة «الإخوان المسلمين» أهم من محاربة نظام الأسد، وطرف آخر كان يرى أن الحرب على نظام الأسد هي الأولوية السياسية والعسكرية.
كانت النتائج الكارثية لامتناع قرار إسقاط النظام السوري، دولياً وإقليمياً، هي استفحال خطر تنظيم «الدولة الإسلامية» وتأثيره الكبير على الأولويات السياسية والعسكرية العالمية والإقليمية، واستيلاء إيران على القرار السياسي في دمشق، كما كان قرار محاربة «الإخوان» والمراهنة على علي صالح في اليمن سبباً في استيلاء الحوثيين على الحكم وجعل النفوذ الإيراني على الحدود مباشرة مع السعودية.
قرار التصدّي لعلي صالح والحوثيين كان تصويباً للبوصلة العربية في اليمن وسوريا أيضاً، بحيث فرضت المصالح العربية أولويتها على الأجندة الأمريكية (المشغولة بحرب «الدولة الإسلامية» مع إغفال تامّ لمعالجة أسباب صعوده: نتائج احتلالها للعراق وتسليمه لإيران).
وبذلك تراكبت، للمرة الأولى، إرادة الشعب السوري في الثورة وإسقاط النظام، مع إرادة عربية وإقليمية لإيقاف الانحطاط (الذي تلازم مع فرض أمريكا إرادتها على المنطقة) ومواجهة التراجع الاستراتيجي العربي الذي كان له حتى الآن عنوانان رئيسيان: استباحة إيران للمنطقة العربية، وعربدة إسرائيل ضد الفلسطينيين.

رأي القدس