الدكتور يحيى العريضي: المؤسسات القائمة  من ائتلاف وما تفرّع عنه وقبله المجلس الوطني لم تكن ملبّية لطموحات السوريين

الدكتور يحيى العريضي: القضية السورية ورقة مساومة بين الأمريكان والروس.. وأمريكا لم تعترض على تدخّل إيران وحزب الله

يرى الدكتور يحيى العريضي، المتحدّث السابق باسم هيئة التفاوض، والناطق الرسمي السابق باسم اللجنة الدستورية، والسياسي المعارض البارز، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ غياب الإرادة السياسية الأمريكية والروسية حال دون تحقيق الحلّ في سورية، متطرقا  إلى عدم قدرة  مختلف الأجسام السياسية المعارضة منذ 2011 على تلبية طموحات الشعب السوري وتطلعاته.

 

س- لقاء تشاوري عُقد في واشنطن رافقه جدل كبير بين الأطراف المنظمة ما أدّى إلى انسحاب بعض الشخصيات بسبب خلافات مشخصنة نوعا ما.. برأيكم هل تؤثّر مثل هذه الخلافات على مسار القضية السورية العالقة؟

ج- لن يكون هناك تأثير سلبي أكثر مما يحدث في لقاءات أخرى أو أكثر مما يحدث للسوريين وبلدهم.. هو أمر طبيعي ذلك الخلاف، السوريون في حالة صعبة جدا بحكم منظومة ديكتاتورية استبدادية إبادية قتلت وشردت واعتقلت واستخدمت الأسلحة المحرّمة دوليا وأيضا استعانت بالميليشيات لقتل شعبها ثمّ استعانت بإيران وأخيرا ببوتين وطائراته وصواريخه حتى تبقى في السلطة.. السوريون وجدوا أنفسهم بشكل أو بآخر دون معيل  وهتفوا منذ البداية  “يا الله  مالنا غيرك يا الله “،  وبدأوا يتحسسون أن كلماتهم أو وجودهم أو جهدهم لا بد أن يكون له أثر في قضيتهم.. أما المؤسسات القائمة  من ائتلاف وما تفرّع عنه، وقبله المجلس الوطني، فلم تكن ملبّية بالشكل الكافي لطموحاتهم وتحصيل حقوقهم.

 

 

س- كيف لم تكن ملبيّة؟

– خلفيات الموضوع أن الحياة السياسية كانت ميتة بسورية وإذا كنت تريد أن تنشأ سياسيا عليك أن تنشأ في حزب النظام وعبر تقديس النظام، أما حياة سياسية حرّة ديمقراطية  فلم تكن متوفرة على الإطلاق أومتاحة، ومن هنا جاءت تلك الأجساد  السياسية التي أخذت دور الحديث  باسم القضية وتصدرت المشهد سياسيا لتكون موجودة سواء أكان المجلس الوطني أو بعهد الائتلاف الوطني وما تفرع عنه وعن غيره من مؤسسات المعارضة الرسمية في منظومات كهيئة التفاوض أو اللجنة الدستورية والتي لم تكن أيضا ملبيّة للرغبات.
– وفق عمليات إحصائية كان هناك فساد موروث منذ خمسين عاما من القهر والتمويت للحياة السياسية، والآن يلتقي  السوريون في مجموعات وخلايا لمناقشة الوضع القائم ويفكرون بطريقة جماعية في كيفية إيجاد حل للأزمة وكيفية توحيد سورية إقليميا،على غرار اللقاء الأخير الذي احتضنته واشنطن مؤخرا.
-الأشخاص الذين اجتمعوا في واشنطن هم شخصيات من منابع مختلفة يجمعهم بشكل أو بآخر إقامتهم هناك، وشخصيات أخرى شاركت عبر مواقع التواصل.. اليوم لا يمكن إيجاد  اثنين من السوريين في حالة انسجام تام ويتطابقان مائة بالمائة حول القضية المشتركة أو ينظران إليها بشكل مشابه، إلا أن ما قد يجمعهما هو إعادة الحياة إلى بلدهما  وحلحلة الوضع المتأزم، ومن هنا جاء انتقاد الاجتماع الذي حدث في أمريكا بل انتقاد لوجود “بي بي كا”  بشكل مباشر أو غير مباشر.. هناك حضور لأشخاص  يميلون باتجاه النظام وهناك  أغلبية  أنقياء  هدفهم الأساسي إنقاذ بلدهم  والخلاص من الاستبداد، النقد وعدم الرضا  من قبل بعض الأشخاص للاجتماع المذكور أمر طبيعي لكن برأيي  أي فعل  يجمّع السوريين إلى خلايا تنظر في المصلحة العليا لسورية  وعودة الشعب إلى الأرض -لا على الطريقة اللبنانية طبعا التي تحمل خطوطا سياسية وتنسق مع النظام – سندعها طبعا عن طريق حسن إدارة الأزمة ومحاولة حلّها.
– توجد جيوش في سورية وتحولت بلادنا إلى ملعب لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، ما جعل القضية بشكل أو بآخر معلّقة، وهذه الاجتهادات التي تحدث من قبل السوريين  عبر الاجتماعات للنظر في ذلك الوضع أمر مهم ومسألة ضرورية علّها تتبوأ  مستقبليا بأن تكون ذلك الجسد الذي يقول للعالم وللإقليم “هاهم السوريون هنا وهم قادرون على تقرير مصيرهم ومستقبلهم”.

 

 

س- ما تقييمكم لجهود الإدارة الأمريكية لحلحة الملف السوري؟..  ألا تلاحظون وجود ركود، وجميعنا يعلم أنه لو توفّرت الإرادة السياسية للبيت الأبيض لحُلّت الأزمة من سنوات؟

ج-صحيح، منذ الإدارة الديمقراطية السابقة كان  للرئيس الأسبق باراك أوباما سياسة خاصة تجاه المنطقة ككل لأنه اعتبر أن الصراع إدارة وليس  البحث عن حلّ، من هنا اتّبعت واشنطن سياسة ما يسمى “السياقة من الخلف”،  ولها تأثيرها، ولم تكن معارضة لتدخّل حزب الله وإيران وبالتالي هناك توافقات من نوع معين، ولم تكن أيضا معارضة للتدخل الروسي، لكن عندما وجدت التدخل الإيراني كبيرا والتوجه واضح المعالم شكّلت ذلك التحالف الذي دخل تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية لا لحلّ الأزمة حقيقة بالتركيز على جوهر القضية والنزاع والمنظومة الاستبدادية بل انساقت مع سردية النظام الذي يقول إنّه يحارب التنظيمات التكفيرية والعصابات المسلحة والإرهاب واستطاع عبر أبواق إعلامية قوية إقناع العالم بذلك، وطبعا “الكليش” كان جاهزا ويتمثّل في الإرهاب الإسلامي.. ومن هنا تحدثت واشنطن  عبر الكثير من التصريحات عن تغيير  في سلوك النظام لا تغيير النظام، ونحن نعلم أن القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن قرارات لا نيابة لها ، وتحدث بيان جنيف عن انتقال  سياسي حقيقي وعدم مشاركة من تلوثت أياديهم بدماء السوريين  وقتلوا وارتكبوا جرائم تم تمييعها في القرار 2254 والذي صيغ بأمر الأمريكان والروس لخدمة مصالحهم ولإبقاء القضية حيّة موجودة، لكن  ليس بحلّ نهائي بل بتصفية حسابات بينهم والأخذ بعين الاعتبار أنّ الانسان السوري يحتاج لإنقاذ لكن لم  يولوا الاهتمام لذلك أو للمشردين والمعتقلين والذين اختفوا قسرا ، كل هذه الأمور لم تكن تشكل تأثيرا لدى تلك القوى المتدخلة  والمؤججة للصراع.

 

 

س- أشرت إلى ما يُتداول حول تغيير سلوك النظام لا تغييره، هل يمكن أن يقبل الشعب السوري  بتلك الفرضية؟

ج- لن يقبل الشعب السوري بعد كل هذا الخراب بهذه الفرضية التي تدعو إلى تغيير سلوك النظام، ولن يتسامح الشعب مع من أوصله إلى هذه الحالة، يجب أن تكون هناك محاسبة وذلك في صالح السوري والعالم ..
– أستغرب من مواقف دول تسعى إلى إعادة إنتاج نظام مستبد وتطبيع العلاقات معه وهو الذي ارتكب جرائم  لم تشهدها أي دولة إفريقية أو آسيوية أو غيرها ، ودول أخرى تسعى إلى إعادة العلاقات معه، وأعتقد أن المسبب الأساسي في هذا الموضوع هو أمريكا و”إسرائيل” اللتان تدعمان استمرار هذه المنظومة الاستبدادية التي لا تمتلك أي آليات للقيادة والإصلاح، ومن هنا تُبقيان على هذه المنظومة حتى تدير الأمور  وتكتمل برامج التخريب بسورية  لاعتبارها حالة مؤثّرة جدا في المنطقة ومن يسيطر عليها عمليا له الكلام الفصل في  الشرق الأوسط ككل والتي  تعتبر منطقة استراتيجية مهمّة بالنسبة للعالم  تمثّل مصدرا للثروات واليد العاملة وسوقا واسعة إلخ… وبالتالي فإن السيطرة على هذه المنطقة تجعل أيّ قوى لها  القرار والكلمة الفصل، ذا استحال لذلك “يجب” أن تكون تلك المنطقة الاستراتيجية مقسّمة  بين القوى لتحقيق مصالحها وهذا ما يحدث الآن،  ومن هنا يأتي غياب السوريين عن هذا المشهد ككل ليس اختيارا وإنما واقعا وغصبا واغتصابا،  بحيث  لا تكون لهم الكلمة في تقرير مصيرهم.

 

 

 س- هناك أقطاب كبرى تتحكم بالملف السوري، على غرار الروس والأمريكان، ولكن ما يلاحظ اليوم غياب التواصل بين البلدين ، حيث تتجه كل الأنظار إلى الأزمة الأوكرنية  وهناك تهميش للملف، ما تعليقك؟

ج- لسوء حظ هذه القضية أن تكون هناك صراعات، وتلك الجهات التي كان بينها تواصل بخصوص الملف تريد إمّا أن تجعل من القضية السورية ورقة مساومة بينها أو أن تتركها جانبا وتجعلها ثانوية خاصة مع الأزمة الأوكرانية،  والصراعات لها شكل التطور، والآن يتم الالتفات إلى أمكنة أخرى وترك القضية السورية تموت أو ساكنة أو بحالة ركود بحيث مصالح هؤلاء المتدخلين لا تتأثّر، في حين أن سورية في حالة دمار على جميع الأصعدة، وضع مأساوي يترجمه الانهيار الاقتصادي وانتشار المخدرات  وتفقير الناس، كلها أمور لا أحد يكترث لها، وعدم التفاهم بين روسيا وأمريكا وحالات المناكفة الحالية وتسجيل النقاط على الخصم جعل من القضية  السورية ضحية لهذا التناقض الموجود .

 

 

س- ماذا عن الدور التركي؟

ج- تركيا بحكم الجغرافيا قرابة الألف كيلومتر  من شمال سورية وجنوب تركيا لا تجعل للأخيرة فرصة لإدارة ظهرها لهذا الصراع، خاصة أن حدودها الجنوبية يوجد بعض المنظمات التي تشكو منها تاريخيا، وكانت هناك اتفاقية أضنة سابقا بين تركيا ومنظومة الأسد من أجل التدخّل في الأرض السورية لملاحقة الإرهاب ووقّعت عليها  المنظومة الحالية بسورية عنوة، أضف إلى ذلك أن تركيا كانت الوجهة الأساسية للاجئين السوريين حيث تستضيف  أكثر من  ملايين ونصف المليون لاجئ فوق أراضيها ممن دمرت بيوتهم،  وعلى حدودها أيضا هناك ملايين السوريين من الذين فروا  تحت ضغوطات معينة سواء  إجرامية وإرهابية أو فروا من النظام،  أيضا لا ننسى علاقتها مع الفصائل وكان لها الدور الفاعل بالنسبة للمعارضة  التي استقبلتها تركيا على أراضيها وكان لها في مسار أستانة وجود وابتزتها روسيا وإيران وهي بدورها ابتزتهما لأن تركيا يعنيها  بالدرجة الأولى مصالحها وأمنها القومي وبالتأكيد يعنيها أنها استوعبت أكثر عدد من اللاجئين وكانت تشريعاتها وسياستها ليّنة تجاه الوضع السوري والسوريين كشعب والجهة الرسمية التي تمثّل المعارضة بشكل أو بآخر موجودة على أرضها، كلها  أمور جعلت من تركيا حالة فاعلة في القضية السورية وكل ما  يناقش القضية السورية تهتم به وتشارك  فيه بشكل أو بآخر، لكننا نعلم أن السياسة ليست أمرا ساكنا وسياسات الأمس قد لا تكون مناسبة لليوم، واليوم لا أحد يعرف أين ستتجه الأمور.. تعرفون أيضا أن  التحالف الذي تم أخيرا مع هيئة “تحرير الشام” أي “جبهة النصرة” سابقا  باتجاه  مناطق أخرى يسيطر عليها ما يسمى الجيش الوطني، له دوافع وأسباب لا تصب في صالح للسوريين إنما لصالح الجهات المتدخلة في القضية السورية، من هنا  أعتقد أنّ هذا الاقتتال واستخدام المدعو الجولاني  كبندقية  مأجورة لتحقيق أهداف معينة هو حالة قاتلة للسوريين وقد  تتكرر مطالب الجولاني، ومن هنا أعتقد أن هذا مؤشر مهم ودافع للسوريين لكي يلتقوا ويتفقوا على مسألة محددة بأن يكون لهم دورهم الفاعل ، لكن  عليهم  امتلاك القوة وعلى رأس هذه القوة الحقوق الموجودة وأن يتم العمل بشكل مكثف لأن الخطر أكبر ممما نتصوّر.

 

 

س- أشرت إلى الجولاني، ما موقف  الإدارة الأمريكية من تحركاته الأخيرة؟
ج-مواقف غامضة وغير واضحة خاصة أن الجولاني  مصنف على قائمة الإرهاب، وتصنيف هيئة تحرير الشام أيضا سابقا.. قد يكون هناك تواصل بينهما نحن لا نعلم الخفايا، موقف فيه عدم مسؤولية لدولة  تتشدّق بحقوق الإنسان وبالديمقراطية ومقاومة الإرهاب، ومن الواضح أن عدم الاستقرار وكل هذا الخراب في سورية والمنطقة  يناسب الأمريكان، في الوقت نفسه  ندرك أن هذه هي سياستهم منذ عقود وكانوا مرتاحين مع أنظمة شمولية تلبّي طلباتهم وحكومات عميلة تخدمهم بارتياح، ودعم الفزاعة المتمثلة في “إسرائيل” لتمرير واشنطن أجندتها في المنطقة واستمرار مصالحها عبر إمدادات النفط والتحكم في الممرات المائية والأسواق وسوق الأسلحة وهي العناصر الأساسية المحددة للسياسة الأمريكية في المنطقة، والآن لا بد من مراعاة الغضب الشعبي والوعي الشعبي مع تطور وسائل التواصل والإعلام، ولا بد أن يتحرك الناس وأن يكون لديهم الوعي الضروري والإرادة الفاعلة،  وبالنسبة للأمريكان  يجدون  راحتهم مع حكومات عميلة لنهب المنطقة واستعباد شعوبها.
– ثم إن أمريكا لا يمكن أن تشعر بالراحة إلا إذا كان لديها عدو.. انهارت الشيوعية فجاء دور الإسلام وما يتبعه،  تتغذى من التناقض والصراع والتوتر في أي مكان ، والهدف  هو الاستبداد ، ونحن في حالة توحش وعالم يتحكم  فيه المجرمون، وتلك البقعة الجغرافية  التي تتمثل في سورية خلاصها يكمن في استمرار شعلة الثورة السلمية وهي متواصلة، ولدينا وسائل تثبت إجرام النظام، قرابة المليونين وثيقة  دليلنا، حقوقنا ومطالبنا واضحة، مجازر عاشها السوريون ونحن عشنا “هولوكوست” سوري أقسى ألف مرة من”هولوكوست” اليهود وما يتشدقون به منذ عقود .. وقائع التاريخ تبرهن على أن كل مستبد  مصيره معروف.. كلها عوامل تحفّزنا للتجمع وتأجيل صراعاتنا وخلافاتنا ومحاصصاتنا لننتصر لبلدنا وشعبنا وبوطن وجب استعادته.

 

س-باتت اللجنة الدستورية عنوانا لأزمة أخرى، ماهي مشاكلها؟

ج- تعطّل القرار الدولي 2254 ببنوده الأساسية بحيث  وُجد بتوافق  بين متناقضي المصالح الأمريكان والروس، ووافقا في الواقع على  مسألة تعكس المصالح، ما يعني أن القرار غير قابل للتطبيق.. لقد عقدت جولات في جنيف  ولكن لم تؤدّ إلى أي نتيجة، روسيا احتالت على الأمر واخترعت مسار أستانة وسمته مسار خفض التصعيد ،من جانب آخر تلاعبت بعملية الانتقال السياسي، إذ كيف يمكن  إحداث انتقال سياسي والنظام قائم وتجرى انتخابات ونصف البلد مشرّد؟.. جاءت اللجنة الدستورية نتيجة مفاوضات بين هيئة التفاوض والنظام ومختلف الأطراف  لكن عمليا النظام نفسه اعتبر أن هذا الأمر عبارة عن لعبة  لتضييع الوقت وفعلا كان الأمر كذلك.. توقفت العملية  العبثية وتحولت اجتماعات اللجنة إلى خطوة يستفيد منها النظام وأعطت الفرصة للنظام لتقديم نفسه للعالم على أنه مشارك في العملية السياسية وجاد في المسألة، طبقا  لقانون قيصر الذي يلزم النظام بالمشاركة في تلك  العملية ، أيضا سعى  المبعوث غير بيدرسون إلى انشاء قصة “خطوة بخطوة”  وهذا يعني أن يقدم النظام خطوة والآخرين خطوة..
-بيدرسون حريص على تلبية طموحات مشغليه الروس تحديدا، وهو جاء  لإبقاء القضية بحالة إدارة لا بحالة حلّ.