الزواج.. بين مطرقة العادات والتقاليد وسندان النزوح والأوضاع المعيشية 

تتزايد حالات الزواج المبكر بين السوريين، بعدما تراجعت نسبته قبيل اندلاع الثورة السورية في البلاد لنحو 13% بحسب دراسة سابقة لصندوق الأمم المتحدة والذي أكد ارتفاع تلك الظاهرة بين أطياف المجتمع السوري خلال الحرب إلى ما يزيد عن 43% مخلفا ورائه ضحايا جدد من الفتيات القاصرات اللواتي يجبرن على الزواج من أحد أقربائهن أو ممن يجد الأهل فيه سبيلهم للخلاص من عبء إضافي على كاهلهم خلال رحلة النزوح واللجوء بعد هروبهم من المناطق الساخنة.
شهدت محافظة حمص وريفها إبان سيطرة فصائل المعارضة السورية المسلحة على أجزاء واسعة منها تزايدا ملحوظا في حالات زواج القاصرات خلال الفترة الممتدة ما بين عام 2011-2018 لا سيما ضمن المدن والبلدات الريفية، والتي توزّعت النسبة الأكبر ضمن مدن الرستن والحولة وتلبيسة في الريف الشمالي.
وقعت العشرات من الفتيات ضمن فخّ الزواج المبكر بعد قبول ذويهم بزواجهن للغرباء من حاملي الجنسيات الغير سورية الذين ارتدوا قناع العفة والتستر بالمعتقدات الدينية، وهو الأمر الذي يغلب في الكثير من الأحيان على طبيعة أبناء الريف ما مكنهم من التقرب من أولياء أمور الفتيات ليرغموا بناتهم على الزواج بذريعة “تحصينهن من الفتنة”، إلا أن مصير الفتيات ما لبث أن ذهب أدراج الرياح.
أسباب عديدة كان من أبرزها، مقتل الزوج خلال المعارك مع قوات النظام، أو هجرتهم إلى مناطق أخرى من سوريا تاركين ورائهم (فتيات نساء) منهن الحوامل ومنهن من بات لديه طفل أو أكثر مجهولي النسب بعدما تملص الأزواج من العودة إلى زوجاتهم أو بأقل تقدير اصطحابهم إلى وجهتهم الجديدة.
وأجرى نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان لقاءات مع نساء تُركوا وحيدات لمصارعة مصير مجهول في بلد أقل ما يمكن أن بوصف به بـ (شريعة الغاب) بعدما هجرهم أزواجهم سواء خلال تهجير المصالحة الذي جرى منتصف العام 2018 الماضي، أو من خلال مقتلهم بالمعارك أو حتى هجرتهم نحو دول اللجوء تاركين ورائهم نساء صغيرات السن وقعن فريسة سهلة أمام نظرة المجتمع الذي يعتبرهن متاحات لنزواتهن الشخصية.
أميرة العمر (اسم مستعار) فتات تبلغ من العمر 25 عاماً قالت خلال حديثها أن والدها أجبرها على الزواج من أحد مقاتلي حركة أحرار الشام في العام 2014 حيث كان عمرها لا يتجاوز السبعة عشر عاماً، ولأن العادات والتقاليد السائدة في المجتمع الريفي لا يمكن تجاوزه، قبلت أميرة بالزواج لإرضاء والدها، ما لبث أن أنجبت طفلها الأول بعد نحو عامين قبل أن يقرر زوجها “عبد السميع” السفر إلى تركيا واعداً إيها بأن يرسل بطلبها بعد أن يقوم بترتيب أمور المسكن والعمل.
وأضافت أميرة أنها تفاجأت بعد نحو تسعة أشهر باتصال هاتفي عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي من قبل زوجها الذي أعلن عن إنهاء حياتهم الزوجية وطلاقها عبر الهاتف.
ولفتت أن هذه الحادثة فتحت المجال أمام الأزواج “الغرباء” لاتباع ذات النهج مع العشرات من الزوجات من الريف الشمالي لمحافظة حمص تاركين ورائهم أطفال مجهولي النسب، لا يوجد أي وثيقة حكومية رسمية تربط فيما بينهم، الأمر الذي شكّل التحدي الأكبر للأمهات بعد دخول مؤسسات النظام إلى مدنهم بعد المصالحة والتسوية السياسية التي أبرمت في العام 2018 الماضي، والتي طالبت بإبراز وثائق تثبت نسب أولئك الأطفال بعد غياب آباءهم.
من جهتها تحدثت أم حسن في العقد الثالث من عمرها وهي معيلة لثلاثة أطفال عن معاناتها هي الأخرى بسبب الزواج المبكر، إذّ اتهمت والدها بزجّها في الجحيم “بحسب وصفها” بعدما أجبرها على الزواج من شخص يكبرها بعشرين عاماً أثناء نزوحهم إلى إحدى القرى الريفية لتخفيف العبء عن عاتقه من جهة، وضمان حصوله مع باقي أفراد أسرتها على مسكن دائم من جهة أخرى.
وأضافت أم حسن أنها كانت الضحية التي دفعت ثمن نزوح أهلها واستقرار أفراد عائلتها ضمن إحدى قرى ريف حماة الشرقي الأمنة نسبياً، معربة في الوقت ذاته عن أسفها لما وصل إليه حال العديد من النساء اللواتي شهدت عقد قرانهن من أشخاص يكبرهن بالعمر أثناء رحلة النزوح.
وعلى عكس المتوقع المأمول، تسببت حالات الطلاق وهجرة الزوجات من قبل أزواجهم بأعباء إضافية على أرباب الأسر الذين حاولوا “مخطئين” بحسب خالد.م والد الفتاة سعاد التي قام بتزويجها بعمر لا يتعدى الخمسة عشر عاماً حيث قال إن زوج ابنته هجرها مع طفليها الذين أجبر على تربيتهما بمفرده، وتسجيل الطفلين على قيد ابنه، نظراً لانقطاع الاتصال مع الزوج أو أي أحد من أقربائه، محذراً في الوقت ذاته أولياء الأمور من الانجرار وراء هذا التفكير الذي وصفه بالعفن في إشارة منه لتزويج البنات للتخلص من أعبائهم.
ولفت خالد خلال حديثه إلى أن النساء اللواتي فقدن أزواجهن بعمر مبكر يعانين من نظرة المجتمع المتخلفة من جهة، ومن عدم قبول الشباب بالزواج منهن من جهة أخرى لا سيما في حال تواجد الأطفال، الأمر الذي يدفع مجدداً بالأهل لتزويجهن بأشخاص يكبرهن بالعمر بسنوات طويلة.
بدورها قالت أم محمد أن الحرب السورية التي تسببت بهجرة الشباب من مناطق سيطرة النظام السوري أوجدت ظاهرة جديدة داخل أحياء مدينة حمص والتي تعتبر أرقى نسبياً من حيث التفكير بالزواج المبكر مقارنة مع عادات وتقاليد أبناء الريف، إذ تمّ تسجيل العديد من حالات الزواج لفتيات لأشخاص يكبرهن بالعمر بنحو 20 -25 عاماً، وغالباً ما تكون الفتاة هي الزوجة الثانية أو الثالثة الأمر الذي كان مستبعداً بين أبناء المدينة قبيل اندلاع الحرب في العام 2011، مشيرة في معرض حديثها إلى أن الهجرة باتت الهاجس الأكبر لفئة الشباب الراغبين بالبحث عن مستقبل أفضل أوجدت خللاً ضمن تركيبة المجتمع السوري، حيث باتت شريحة الفتيات هي الطاغية على شريحة الشباب المتواجدين ضمن مناطق سيطرة النظام، واختتمت حديثها بالقول (الفتاة التي تتزوج من شاب أعزب يكون القدر إلى جانبها)
وما بين الزواج المبكر والتخوف من مضي قطار العمر بالنسبة للفتات اللواتي يخشين العنوسة تحدثت مصادر رسمية تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن نسبة العنوسة تخطت حاجز الـ70% بين السوريات بينما سجلت نسبة الزواج من امرأة ثانية 40% بحسب الدراسة، الأمر الذي يدفع الأهل لقبول أول عريس تقدم لخطبة بناتهم لضمان الحصول على شاب أعزب على أمل أن يوفر لها الحياة الرغيدة.