السقوط المدوّي لبعض فلول الشيوعيين في سورية

في الحرب السورية كما في حروب أخرى، الحقيقة أولى الضحايا. ومع هذا ولّدت الحرب مشاهد شتى من القتل والدمار والخراب على الأرض وفي المواقف أبرزها موقف بعض اليسار العربي، لا سيما المدعي الماركسية – اللينينية. هذا البعض كان الأغرب في موقفه المناصر للنظام الدموي ودفاعه عن دموية إيران و»حزب الله» على الأرض السورية، ثم في ترحيبه بالتدخّل الروسي!

لموقفهم هذا ثلاثة ادعاءات. يتصل الأول بضرورة الحفاظ على وحدة سورية الدولة وحدودها وسيادتها. والثاني بموقفهم العدائي التاريخي لكل طرف أيّد ثورة الشعب السوري لا سيما أميركا والسعودية. والثالث برفضهم التام لمشروع سياسي إسلامي في سورية يكون بديلاً للنظام. وفي معمعان التطورات الميدانية والسياسية دخل هؤلاء في نفق مُظلم لا نهاية له يزداد ظُلمة كل يوم بخاصة أنهم لا يزالون على احتفائهم ذاته بقصف الطائرات الروسية للريف والمدينة مخلّفا عشرات القتلى والدمار النهائي في كل مرة!

وحريّ أن نحاسبهم منذ البداية. فغالبيتهم ارتدعت عن اتخاذ موقف مؤيّد للشعب السوري على رغم سلمية الحراك الشعبي وكرم الثائرين باقتراح فترة انتقالية للحكم تضمن للنظام ورأسه وللمحافل المعنية فترة معقولة لتدبّر أمر الانتقال. صمتوا ولم يدعموا حراك ثوري ينادون به في بلادهم أو يحلمون به ويُنظّرون! أما تحوّل النظام إلى القوة المُفرطة في قمع الحراك الشعبي وقنص النشطاء واعتقالهم وتكسير أصابع الرسامين وجزّ عنق المغني فلم يحرّكهم، ولم يسترعِ منهم سوى كلمات مُبهمة عن كونهم ضد هذه الأعمال ولكن ـ ولكن هذه ترسّخ ربوضهم في صفّ النظام. على غرار ما قالوه لنا ونحن صغار عن دموية ستالين وإزهاقه أرواح الملايين ومسلسلات التطهير والمعتقلات الرهيبة واعتبارها مجرّد «أخطاء في المشروع الشيوعي»!

أما عندما انتقل النظام إلى دكّ المدن والريف في سورية بالطائرات والبراميل والكلور وسواه وإزهاق الأرواح جماعياً من خلال مجازر يومية متنقّلة، كان «داعش» قد دخل على الخط فتذرّعوا به للاصطفاف دونما خجل في خانة الطاغية يدافعون عنه كأنه لينين. بل تنكّروا حتى لدماء رفاقهم من شيوعيين ووطنيين سوريين قضوا في أقبية النظام أو فرّوا منه إلى المنافي! تحوّل ثلثا الشعب السوري بين لاجئ خارج الوطن وبين نازح داخله فلم ينده لهم جبين ولم يصدر عنهم تساؤل واحد عن أخلاقية موقفهم وجدواه تحت كنف النظام كأنه نظامهم الشيوعي المأمول أو نظام الطريق الثالثة كالنروج أو السويد!

وبين هذا الموقف المُخزي وذاك رأيناهم يدافعون عن ضلوع إيران في مؤامرة تدمير سورية وانقضاضها على الثورة الشعبية وعلى المدينة والريف، وعن «حزب الله» «المقـاوم» الذي تحـوّل في رمـشة عين إلى قوة مضادة للثورة وللحريات وتطلعات الشعب السوري. وانبروا يشتمون آل سعود وأميركا وقَطر كأن في هذا الشتم ما يبرّر وقوفهم إلى جانب الطاغية! وهم أنفسهم لا يرتدّ لسانهم إلى حلقهم من شدة الموقف من الاحتلال الإسرائيلي وممارساته، وهي كلّها، مهما قست بالنسبة الى ضحاياها، مجرّد نزهة جبلية بالنسبة الى الدمار الذي ألحقه نظام آل الأسد بسورية الدولة والمجتمع والناس.

أما التدخّل الروسي فشرح صدورهم على اعتبار أنه جاء من دولة أسقطوا عليها أمانيهم التي كانت معلّقة على «الاتحاد السوفياتي العظيم». فإذ ببوتين عدوّ الشيوعية والشيوعيين في بلاده وأكبر القومجيين الروس وأكثرهم سحقاً للفئات العاملة والكادحة الروسية يصير مسيحاَ مُنتظراَ ومحبوب الشيوعيين في بعض نواحي هذا الشرق المنكوب. فكم من مقال مديح لروسيا بوتين كتبوا! وكم اتسعت ابتساماتهم مع كل خبر عن غارة جوية روسية أو عن كل منظومة سلاح روسية جديدة تصل إلى طرطوس! وكانوا فعلوا الأمر ذاته مع كل اتساع لتدخّل «حزب الله» أو طهران. أما حقيقة تقتيل نحو نصف مليون سورية وسوري وتدمير الحاضرة في حلب وحماة ودرعا وسلسلة الاغتيالات المستمرة التي يقوم بها النظام ـ فهي تفاصيل غير ذات أهمية لم يسمحوا لها بتعطيل معتقداتهم الدوغمائية أو المسّ بموقفهم «المشرّف» من الرفيق بشّار الأسد وطغمته واستخباراته!

أتابع ما يصدر عنهم بخاصة عن جزء منهم يعيش في ظلّ الديموقراطية الإسرائيلية ويتقاضى أجراً من برلمانها، ويتمتع كل مساء أو نهاية أسبوع بألذّ الأطباق والمأكولات في أرقى مطاعم المدن الساحلية ويتنقّل في بلده والعالم ذات غرب وذات شرق، ميسوراً موفور النعمة، أتابعهم فأكتشف أنهم على حالهم في المنافحة عن طاغية وحربه القذرة وعن حرب لا تقلّ قذارة تشنها روسيا وإيران و»حزب الله» على كل شيء سوري. فشلت الغارات الروسية كالتدخّل الإيراني في صد تقدّم المعارضة بكل فصائلها لكنك لا تجد لذلك ذكراً في إنشاءاتهم! تتظاهر روسيا كغيرها من الدول بمحاربة «داعش» فلا تحارب سوى المعارضة السورية الحقيقية التي قوامها السوريون والسوريات. ينسّق بوتين مع إسرائيل ويُجري تدريبات مع الأسطول السادس الأميركي لكنك لا تعثر على ذكر لذلك في مواقفهم! لا يهمّهم أي حديث عن هجرة جماعية ونزوح وموت يومي ببراميل النظام وقصف الطائرات الروسية. فإلى الجحيم أيها الشعب الفقير المعثّر، يقولون سرّاً وعلناً، ما دام النظام «صامداً»!

وهم ما إن مات طاغية حتى تشبثوا بأذيال خلفه. وما إن تداعى مركز قوة عربي أمني اغتصب الدولة والمجتمع والشعب حتى عوّلوا على آخر. مواقفهم من الأزمة السورية منذ تفجّرت تدلّنا لماذا كانت هذه القوى وتنظيماتها مخصيّة دوماً جزءاً من الوضع والأزمة وليس حلاً لها، ذرائعية تبريرية غير قادرة على المبادرة ولا على التفكير خارج فلك الطوطم وأبعد من إرادة النظام الأب حتى لو كان قومجياً أو ديكتاتوراً. لا يكفي أن تكون علمانياً لتصير وطنياً! ولا يكفي أن تدعي انك ضد أميركا والسعودية ليستقيم موقفك بخاصة إذا أيّدت مشروع هيمنة اصولياً كإيران! ولا يكفي أن تشتم «داعش» وتنظيمات الإسلام السياسي العدمية فيتطهّر موقفك! لو وقف كل هؤلاء مع الشعب السوري منذ البداية ووقف غيرهم من قوى اليسار الوطني مع هذا الشعب المنكوب بطاغية وأنظمة أصولية دينية من لدن ولاية الفقيه، لو حصل، لربما امتنع الطاغية عن التمادي في غيّه! لكنهم اختاروا أن يكونوا هناك في صف الطُغاة! وعليه، عندما يتحدثون عن مقاومة للاحتلال الإسرائيلي فإننا لن نصدّقهم، وكذلك العدوّ الذي يعرف أن مَن يؤيّد طاغية في الشام وديكتاتوراً في اليمن إنما هو غير قادر على قيادة نضال مُثمر وأنه يستطيع أن يؤلّب عليه الناس بيُسر!

مرزوق الحلبي 

الحياة