السوريات لسن بحاجة إلى سلال المعونة الغذائية والمالية الوقتية.. هن بحاجة إلى بلد آمن ومساواة تامة وسلام

محاربة السياسات الذكورية تبدأ من نشر مفهوم الجندر وتعميمه

لا تزال النساء السوريات يعانين أشدّ أشكال العنف في ظل الفوضى المستمرة وانتشار التشكيلات المسلحة على كامل الجغرافيا السورية، في وقت  أكّدت تقارير أممية أن السوريات هن الأكثر تعنيفا من بين نساء العالم يكابدن العنف والقسوة أمام صمت المجتمع الدولي.
وترى عضو المكتب السياسي بحزب اليسار الديمقراطي، نسرين مجدل، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ محاربة العقلية الذكورية السائدة التي تستهدف النساء، مهمة  تشترك فيها التشكيلات السياسية والنسوية السورية في الداخل والخارج، مشيرة إلى أنّ العنف الذي عاشته السوريات طيلة عقد من الزمن لم يكن له مثيل في القرن الحالي، حيث تضاعفت الانتهاكات بشكل فظيع وكأن تلك التشكيلات المسلحة في حرب مباشرة مع النساء.

 

س-في زمن الصراع والفوضى، كيف يمكن حماية السوريات قانونيا واجتماعيا واقتصاديا من العنف المسلط ضدهن؟ 

ج-أولا علينا أن نعرف أسباب العنف وجذوره لنستطيع معالجته، فالعنف في زمن الصراع ليس منفصلا عن العنف في زمن السلم حيث تتعرض المرأة في أوقات السلم لأنواع عديدة من العنف الممارس ضدها من مستويات متعددة: عنف داخل العائلة كالضرب والاغتصاب، وفي المجتمع (كالدعارة والعمالة القسرية) ومن قبل الدولة التي إما تقوم بممارسته (تشريعات تمييزية) أو (تتغاضى عمّن يمارسه) على غرار ما يسمى بجرائم “الشرف”.. هذا العنف يمتد ويتفاقم خلال وبعد النزاعات المسلّحة بين الدول أو داخل الدولة لكون تلك النزاعات تُنتج أجواءً وأنماطاً سلوكية عدائية ناجمة عن انتشار ثقافة عسكرية تضفي “الشرعية” على استباحة الكثير من القيود الناظمة للحياة المجتمعية والدولية وقت السلم، (تحت مسمّى الظروف الاستثنائية)، وبالتالي تصبح الفئات المدنية أكثر انكشافاً وعرضةً لانتهاكات الجنود والمسلحين، والنساء مُعرّضات لهذه الانتهاكات ليس لكونهن مدنيات وإنما بسبب التمييز المسبق الواقع عليهن أصلاً في زمن السلم مع ضرورة الانتباه إلى أن العنف لا يكون واحدا على كل النساء بل يختلف من واحدة إلى أخرى بحسب الظروف الفردية لكل منهن إضافة إلى المعاناة الجماعية للنساء كجماعة عامة تُنتهك حقوقها ، وبالرغم من أن الغالبية العظمى من النساء اللواتي يتعرضن  لنزاع مسلح هنّ من المدنيات، إلا أن نسبة صغيرة منهن تنخرط فيه كمقاتلات،  وقد تكون هذه المشاركة إرادية أو إجبارية، خاصة عندما يقع النزاع المسلح بين أطراف متحاربة داخل الدولة الواحدة  فيقع عليهن عنف من نوع أخر غير العنف الواقع على المدنيات وقد يكون من الأعداء أو من الزملاء.

 

 

س-ما أثار العنف الذي تتعرّض له النساء على وحدة سورية واستقرارها؟

ج- إن العنف ضد النساء يحمل في طياته أثارا سلبية كثيرة  على النساء أولا وعلى المجتمع ثانيا وعلى بنى الدولة ومؤسساتها في وقت  السلم،  لكن العنف ضد النساء في النزاعات المسلحة أثاره السلبية شديدة الوطأة والقسوة، فهي تأتي بشكل مُركّب يطال النساء من أكثر من زاوية، لذلك كان هناك سعي حثيث من الهيئات الدولية للاهتمام بتحسين وضع المرأة ووقف العنف والانتهاكات الممارسة ضدها، خاصة في أثناء النزاعات المسلحة.. أملنا في القانون الدولي الإنساني الذي  يُعتبر من أهم الانجازات القانونية التي تعبّر عن إجماع دولي حول ضرورة تقييد أفعال الدول في أثناء النزاعات المسلّحة لتخفيف المعاناة الإنسانية الناجمة عنها على النساء، ونُعوّل على القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يعالج مسألة العنف ضد المرأة ويعمل على منع التمييز بسبب الجنس، والقانون الدولي للاجئين حيث تدخل القواعد الدولية الخاصّة باللاّجئين ضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان، وترتبط بصورة وثيقة مع القانون الدولي الإنساني كون اللجوء مرتبطا بشكل أساسي بالنزاعات المسلحة، لكن نستطيع القول إنّ  كل ما تمّ إنجازه من قوانين ومعاهدات واتفاقات وبروتوكولات دولية هام جدا ويعتبر إنجازا كبيرا ولكنه مع ذلك لا يكفي وهذا ما أثبتته الحرب  في سورية إذ لم يتم إنهاء معاناة النساء السوريات في زمن الحرب أو في دول اللجوء أو في داخل سورية، لذلك هناك الكثير مما يجب عمله، ليس على صعيد واحد فقط، بل على عدة صعد متشابكة، أولاً، يجب استمرار العمل على الصعيد الدولي من أجل نصرة النساء المعنفات عامة والنساء السوريات  خاصة لأنهن يمثلن  اليوم حالة مستعجلة يجب اتخاذ التدابير اللازمة وبالسرعة القصوى لمعالجتها لإيقاف العنف الممارس ضدهن، والعمل على هذا الصعيد يجب أن يتكثف داخل جميع المحافل الدولية والمنابر الإقليمية، بهدف تمتين وتطوير القوانين الدولية ذات العلاقة بالموضوع، وذلك عبر كافة المنظمات المدنية والأحزاب السياسية  والتجمعات الوطنية القادرة على إيصال الصوت إلى المحافل والهيئات  الدولية  والمطالبة بوضع آليات لتنفيذ هذه القوانين ووضعها موضع التطبيق لكي لا تبقى قوانين مجردة ، فضلا عن تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية لوضع حدٍ للعنف الممارس على المرأة على صعيد العالم، وثانياً، يجب أن يتوقف التفريق بين ما يُمارس على المرأة من عنف وانتهاكات خلال النزاعات المسلحة، وما يتم قبل ذلك وبعده ، فلا بد إذن من معالجة الأسباب وليس فقط النتائج  لكي تكون القوانين متكاملة غير مجزأه  ومخصّصة لحالات بعينها ، وثالثاً، مع استمرار العمل على المستوى الدولي، يجدر تركيز العمل أيضاً على مستوى الدول من أجل رفع مستوى الإدراك والالتزام باتخاذ كل ما يلزم من تدابير داخلية، تشريعية وتنفيذية وقضائية،   لمواءمتها مع أحكام القانون الدولي  ووضعها موضع التنفيذ الفعلي  فيصبح تخليص النساء من هذا العنف مسؤولية الدولة مدعمّة بالقانون الدولي الذي يسند قوانينها ويوّفر لها آليات تطبيق خارجية إضافية لوقف العنف الممارس ضد المرأة ومعاقبة مرتكبيه، ليس وقت النزاعات المسلحة فقط، وإنما في وقت السلم أساساً، أي قبل اندلاع وبعد انتهاء هذه النزاعات، ورابعاً ، يجب إحداث تحوّل جذري في الثقافة المجتمعية السائدة في الدولة من خلال التثقيف المستمر بقيم المساواة بين الجنسين واحترام حقوق الإنسان  ليتم  تغيير النظرة النمطية السلبية تجاه المرأة، هذه النظرة التي تحابي الرجل على المرأة وتمنحه أفضلية عليها.

 

 

س-كيف يمكن سياسيا مواجهة احتكار السلطة الذي يعتبر تمييزا واضحا تجاه النساء؟

ج- من الضروري إحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للنظام  القائم على احتكار السلطة والاستئثار بالحكم لأن سمة القمع وإن كانت في بعض الأحيان مستترة، متأصلة في مثل هذه الدول، إلا أنها تنتقل من الدولة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الأفراد، ومن الرجل إلى المرأة التي تقبع في قاع السلم ويُطلب منها أن تتلقى وتقبل ما ينهال عليها من تحيّزات وانتهاكات، ولا بد من توفير إمكانيات اقتصادية للنساء السوريات وهذه الامكانيات لا تقوم على سلال المعونة  الغذائية والمالية الوقتية التي يتم استخدامها في كثير من الأحيان كأداة استغلال للنساء بل لا بد من تأمين عمل ترتكز عليه النساء في مواجهة ظروفهن المعيشية القاسية.

 

 

س-كيف يمكن تحقيق الأمن للنساء؟

ج- نعم، يجب تحقيق الأمن للمرأة ليس لأنها نصف المجتمع وركيزته وأساسه بل لكونها كائنا بشريا لها الحق الإنساني المكفول بالعيش الكريم وبكرامة، ولا يمكن تحقيق هذا الأمن إلا في مجتمع آمن، ولا يمكن تحقيق المجتمع الآمن في غياب النظام السياسي الديمقراطي، ولا يمكن تحقيق هذا النوع من النظام السياسي دون ضمان حقوق المواطنة المتساوية المتكافئة للنساء والرجال على السواء.

 

 

س-برغم الأصوات النسوية السورية الحرة، لماذا ظل العنف ضد النساء محميا بالعادات والتقاليد البالية؟

ج-ذلك بسبب  النظام السلطوي القائم على القمع، ففعليا هذا النظام قضى على الحياة السياسية والحياة المدنية لمواطنيه حيث كان يعتبرهم رعاياه وعليهم طاعته وتحقيق أمنه وليس العكس  فتعمد عدم اتخاذ إجراءات فعالة لحماية المرأة ولتغييب منظمات المجتمع المدني التي تعد أبرز الأسلحة لمواجهة الانتهاكات من خلال حملات التوعية والإرشاد لكبح كافة أشكال العنف التي تتعرض لها المرأة، وسط غياب سلطة القضاء العادل والمنصف، وهشاشة القوانين السائدة  ولم تجد هذه الأصوات النسوية الحرة قانونا يساندها لتتشكل ضمن أطر منظمة وتستطيع من خلالها العمل على تغيير العادات والأعراف التي كرسها غياب الأمن الحقيقي  والقانون.. وفي ظل غياب الدولة والأمن الحقيقي الذي يجب أن يتمتع به الإنسان كمواطن في الدولة سيتمسك هذا الإنسان بعاداته وتقاليده  التي تربى عليها لكي لا يخرج من دائرة الحماية سواء أكانت هذه الحماية دينية أو عائلية أو قبلية أو عشائرية .

 

 

س-هل يمكن أن تقود السوريات حملات مناصرة دولية لتحسيس  المجتمع الدولي بخطورة ما تتعرض له نساء سورية؟ 

ج-الحقيقة أنّ النساء السوريات في ظل الصراع  القائم بدأن بتشكيل أجسامهن النسوية الخاصة في دول اللجوء للدفاع عن قضايا المرأة السورية برغم كل الصعوبات التي تواجههن وفرض مشاركتهن في رسم وتحقيق مستقبل سورية الحرة الديمقراطية، ومن هذه الأجسام، الحركة السياسية النسوية السورية وشبكة المرأة السورية ومنظمة مساواة  واللوبي النسوي السوري، وغيرها  أيضا من خلال مشاركة النساء في أحزاب وتشكيلات سياسية  كحزب اليسار الديمقراطي حيث يسعين لإحداث فرق سواء بنظرة المجتمع السوري إلى المرأة أو بنظرة المجتمع الدولي إلى المرأة السورية ومعاناتها سواء في أيام الحرب أو قبلها أو بعدها، وهناك جهود نسوية تبذل من أجل ذلك وهذه الجهود تستند إلى الخبرات التي اكتسبنها من تجاربهن السابقة ومما تعرضن له.

 

 

س-ماهو دور المرأة السياسية في مواجهة العنف ضد النساء؟

ج-أعتقد أن دور المرأة السياسية في مواجهة العنف ضد النساء يبرز من خلال السعي إلى بناء دولة ديمقراطية تقوم على أساس الحرية  واحترام حقوق الإنسان ومناهضة كل أشكال التمييز والعنف ضد الإنسان، وذلك لا يتحقق إلا بعد وقف الحرب الدائرة وإسقاط كافة المنظومات السلطوية الاستبدادية.. وللمرأة السياسية دور في نشر الوعي الفكري لكسر المنظومة الذكورية السائدة القائلة بأن السياسة هي ساحة الرجال وملعبهم، وتغيير هذه الساحة لمواءمتها مع النساء وليس تغيير النساء لمواءمتهن مع السياسات الذكورية القائمة، ومن هنا يجب الإشارة إلى ضرورة نشر مفهوم الجندر وتعميمه بدءً من الدستور والقوانين وانتهاء بكافة  مؤسسات الدولة   الأمنية والقضائية  والتعليمية والصحية.