السوريون في تجربة تفاوضية جديدة

مرّة جديدة، بعد مفاوضات «جنيف 2» (قبل عام)، تواجه قوى الثورة السورية اختبار المفاوضة مع النظام. الفارق أن المفاوضات السابقة كانت تركّز على إيجاد تفاهمات من فوق، أي بين النظام والمعارضة المتمثلة بـ «الائتلاف الوطني»، في حين يفترض أن تجري المفاوضات الحالية في الميدان، أي في نقاط التماس، وعلى أساس تجميد، أو فك الاشتباك، بين القوى المتحاربة، بحسب اقتراح ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية.

المشكلة أن قوى الثورة والمعارضة تواجه هذا الاستحقاق في أوضاع غير مريحة، حتى بالقياس للجولة التفاوضية السابقة، إذ إنها أقل وحدة، وأكثر ضعفاً، من السابق، سواء في هيئاتها السياسية أو تشكيلاتها العسكرية. فوق ذلك فهذه القوى باتت في مواجهة تحديات وتعقيدات جديدة، أهمها صعود «داعش» و «النصرة» في المشهد السوري، مع ما يخلفه ذلك من تداعيات تتعلق بتركيز الجهد الدولي في الحرب على الإرهاب.

وعلى رغم أن هذا التحول يثير المخاوف من احتمال انزلاق الوضع نحو تقديم طوق نجاة للنظام، إلا أن ردود الفعل على مقترح المبعوث الدولي تفيد بأن رفض قوى الثورة لفكرة المفاوضة باتت أقل حدّة من السابق، وأنها بدلاً من ذلك باتت تسعى إلى تطوير فكرة «التجميد» بحيث تشتمل على مناطق أخرى، إضافة إلى منطقة حلب، بحيث لا يتمكن النظام من استغلال هذه الخطوة لصالحه، وهو ما أكده أيضاً المبعوث الدولي في أحد تصريحاته. والفكرة الثانية التي تطرحها المعارضة تتمثل بضرورة أن تفضي هذه الخطة إلى حل سياسي، يتضمن تشكيل هيئة حكم انتقالية، بحسب مضمون اتفاق «جنيف 1» (حزيران/يونيو 2012) التي كانت رفضته وقتها جملة وتفصيلاً.

هكذا، احتاجت المعارضة السورية فترة زمنية قدرها عامان ونصف العام كي تصل إلى هذه المرحلة، مع كل الأثمان التي دفعها السوريون، والأهوال التي اختبروها، ومع كل التغيرات الحاصلة في المشهد السوري.

وفي الواقع شهت هذه الفترة أقصى قدر من العنف من قبل النظام، الذي تسبب ما نجم عنه بمصرع حوالى ربع مليون سوري، وتدمير عمران مدن سورية، وتشريد الملايين من بيوتهم. كما شهدت هذه الفترة تحول الثورة إلى العمل المسلح، وتصدر التيارات الإسلامية المتطرفة، وتطبيع الصراع بالصبغة الطائفية، وصولاً إلى الحضور الطاغي لتنظيم «داعش» في المشهدين العراقي والسوري. ونجمت عن كل هذه التطورات ظاهرتان، أولاهما، تتمثل بتآكل دور السوريين في الثورة، وفي تقرير أحوالهم ومستقبلهم، ناهيك عن تمزق مجتمعهم، وتشرد الملايين منه. وثانيتهما، تزايد حجم التدخلات الخارجية السلبية والمضرّة في الشأن السوري، من قبل «أصدقاء» النظام و «أصدقاء» الشعب، إلى درجة بات فيها العامل الخارجي هو المقرّر، لا سيما مع ارتهان النظام والثورة للأطراف الخارجية.

طبعاً ليست ثمة مشكلة من حيث المبدأ في التفاوض، ذلك أن أي صراع مهما كان نوعه لا بد أن يصل إلى مرحلة تتّجه فيها أطرافه إلى الحوار لإيجاد مخرج سياسي من الوضع الحاصل، لا سيما مع تعذر الحسم على أي منها بوسائل القوة.

وعلى الأخص، فهذا الأمر ينطبق على قوى الثورة والمعارضة. فهي المعنية أساساً بتأكيد شرعيتها وحضورها، والحفاظ على زخم التعاطف الدولي معها، وتحميل النظام مسؤولية رفض التفاوض. وقد كانت التجربة التفاوضية السابقة، في جنيف (مطلع هذا العام)، إيجابية، إذ لم تخسر المعارضة شيئاً بخوضها هذا الاختبار، بل حظيت بقبول وتعاطف كبيرين في الرأي العام، لا سيما مع الأداء المدروس والمتوازن الذي قدمته في المفاوضات وأمام وسائل الإعلام، بالقياس لأداء وفد النظام.

فوق ذلك فإن قوى الثورة والمعارضة، وبعد كل ما حصل، هي المعنية بمراعاة مصلحة السوريين، والتي تتضمن حض وقف إطلاق النار، وضمنه وقف القصف المدفعي والجوي، المنفلت من كل المعايير، الذي يدمر البيئات الشعبية الحاضنة للثورة، ويلحق أفدح الأضرار بالسوريين وبعمرانهم. بل إن قوى الثورة والمعارضة معنية بالعمل على تضمين اقتراح وقف إطلاق النار مطالب أخرى، من مثل الإفراج عن المعتقلين، وإدخال مواد تموينية وطبية إلى المناطق المحاصرة، وتمكين النازحين من العودة إلى بيوتهم. أي أن المطلوب التوسع في طرح المطالب ذات الطابع الميداني، والتي تخدم وقف تدهور مجتمع السوريين، وتمكنه من التقاط أنفاسه، على أن يتم ربط كل ذلك بأفق سياسي يتمثل بإقامة حكم انتقالي، بحسب مضمون بيان «جنيف 1».

القصد أن أي عملية تفاوضية على هذه الأسس لن تخل بمبادئ الثورة السورية، ولا بأهدافها، لا سيما أن مقولة «سورية الأسد إلى الأبد»، انكسرت وانتهت إلى الأبد، من الناحية العملية، والمسألة على هذا الصعيد باتت تتعلق بالوقت وبالظروف، وبتوفر العوامل المناسبة للتأسيس للمرحلة الانتقالية.

في الغضون فإن قوى الثورة والمعارضة معنية بإعادة ترتيب أوضاعها، وتنظيم صفوفها، وتقوية مجتمعها، والعمل على كل ما من شأنه تخفيض اثمان الصراع الدائر في سورية، لا سيما مع إدراك حجم التعقيدات والمداخلات والتحديات الكامنة فيه، إلى حين توافر المعطيات الدولية والإقليمية والعربية التي تسمح بالتغيير السياسي في سورية.

 

الكاتب : ماجد كيالي

المصدر : جريدة الحياة اللندنية