السوريون من براثن الأسد و”داعش” …إلى أزمة اليونان

“أنا آسف يا أمّي لأنّ السفينة غرقت بنا … لا تحزني إن لم يجدوا جثّتي فبماذا ستفيدك الآن سوى تكاليف شحن ودفن؟ … كلّ احلامي كانت بحجم علبة دواء للقولون لك وثمن تصحيح أسنانك … آسف أيّها الباحثون عن المفقودين فأنا لا أعرف اسم البحر الذي غرقت فيه … شكرا للأسماك التي ستتقاسم لحمي ولن تسألني عن ديني أو انتمائي السياسي … آسف لأنّني غرقت”.

ليس سهلاً أن ينسى المرء تلك الرسالة (حقيقية كانت أم من نسج الواقع) التي تداولها ناشطون قالوا انّها وجدت في جيب لاجئ سوريّ انتشلت جثته بعد قضائه غرقاً مع حوالي 600 شخص كانوا معه على نفس المركب في البحر الابيض المتوسط في التاسع عشر من شهر نيسان الماضي. وبما أنّ أوروبّا تشكّل تطلّعاً أساسيّاً لدى السوريّين للهروب من نيران النظام السوري وبراميله وسكاكين “داعش” وشرائعه ، فإنّ اليونان تعتبر بوّابة رئيسة للوصول الى دول أكثر ازدهاراً تؤمّن لهم ما يحلمون به من عيش كريم وآمن. لكنّ الوصول الى الدولة اليونانيّة وإن كان يتم بشكل كبير عبر الممرّ التركي، فهو أيضاً يحصل بحراً عبر شبكات تهريب محلّيّة تأخذ آلاف الدولارات مقابل إيصالهم الى اليونان وإيطاليا … هذا إن وصلوا.

إذاً، لم تعد اليونان مجرّد جسر للعبور الى دول الشمال أو الغرب الأوروبي بل اصبحت عقدة للاجئين والمهاجرين السوريين على حدّ سواء.
وزير الدفاع اليوناني بانوس كامينوس قال لصحيفة “التايمس” البريطانية في نيسان الماضي أنّ “على أوروبا أن تدرك أهمية الحفاظ على استقرار اليونان لأنّها بذلك تحفظ الجبهة الغربيّة آمنة في وجه تنظيم “الدولة الاسلاميّة”. لكن إذا تمّ دفعها الى خارج منطقة الأورو فإنّ أمواجاً من المهاجرين غير الشرعيّين، بمن فيهم أشخاص راديكاليّون ستتسلّل من تركيا وتصل الى قلب أوروبّا”.

الواضح أن هذا التصريح هو نوع من الابتزاز والتهويل السياسي المبطّن من الحكومة اليونانيّة لكبار دول منطقة الأورو ، وفي مقدمها ألمانيا. فهو حصر مشكلة الهجرة غير الشرعيّة بتنظيم “داعش” علماً أنّها أبعد وأعمق بكثير من هذا الادّعاء وذات بعد انساني.

موقع “بريتبارت” الالكتروني يشير إلى أنّ اليونان بكل بساطة لا تملك تسعة ملايين أورو للانفاق على مشروع شبيه بمشروع mare nostrum الايطالي الذي يهدف الى انقاذ المهاجرين غير الشرعيين، أو حتى ثلث هذا المبلغ لانفاقه على آخر شبيه بالمشروع الايطالي البديل triton. ويضيف الموقع أنّ اليونان بالكاد قادرة على دفع أجور حرس او خفر السواحل.

المجلس العالمي للآراميّين أبدى قلقه من أنّ اليونان التي تغرق في الفقر في واحدة من أسوأ أزماتها الماليّة تواجه مشكلة تؤثّر على اللاجئين السوريّين على الحدود اليونانية وداخلها.

لاجئون كثر شكوا من أنّ اليونان لا تستطيع الاهتمام بهم، ولذلك، سيحاولون الرحيل أسرع وقت ممكن. لكنّ المشكلة أنّ شبكات التهريب تتقاضى 2000 اورو عن كل طفل و 4000 عن كل بالغ من اجل اتمام عمليّة التهريب، وهذه المبالغ لا يستطيع تحديداً معظم السوريين الآراميّين تأمينها بحسب المجلس. لذلك يطلب هذا الاخير تحرّكاً دوليّاً سريعاً لأنّ اليونان لا تستطيع تحمّل أزمة اللاجئين السوريين.

قوارب
كثيرة هي الروايات عن لاجئين يحاولون الوصول الى الجزر اليونانية بقوارب صغيرة، فيتحطم بعضها.

في جزيرة ليسفوس ، يقول الشرطي المتقاعد ثناسيس أندريوتيس لصحيفة “الغارديان” أنّ اللاجئين يصلون الى هذه الجزيرة من الحدود التركية قاطعين مسافة 10 كيلومترات تقريباً عبر زوارق صغيرة عدّة يتحطّم معظمها فيقوم بتنظيف الشاطئ منها. ويضيف أنّ عدد المراكب هذه السنة يتخطّى بكثير عددها السنة الماضية، حيث كان يقوم بتنظيف الشاطئ من حطامها مرّة واحدة اسبوعيّاً بينما وصل الرقم هذا العام الى مرّة واحدة يوميّاً. ويتابع أنّ مياه هذه الجزيرة تشهد حالياً أكبر موجة هجرة منذ الحرب العالمية الثانية.

وفي ظلّ الأزمة الماليّة الحاليّة، لا يلوم أندريوتيس اللاجئين بإمكان زيادتهم الاوضاع المحلية سوءاً، بل يقول أنّ هؤلاء مطاردون من حكومتهم ويهربون الى كل الاتجاهات الممكنة من الامور الفظيعة التي تلاحقهم.

إريك كمبسون بريطاني يعيش مع زوجته في نفس الجزيرة منذ 16 سنة تخصّص في الآونة الأخيرة بتعقّب اللاجئين الهاربين الى اليونان عبر الحدود التركيّة من خلال مراقبة الزوارق الصغيرة. أمّا الهدف فهو إطعام من هم بأمسّ الحاجة للأكل، إرواؤهم وتجفيف ملابسهم، والاولويّة للنساء والاطفال السوريين.

ويقول:”عندما ترى طفلاً عمره أسبوعان بهذه الحالة، أشخاصاً مقطوعي الاقدام وآخرين لم يأكلوا منذ فترة، لا تستطيع أن تقف مكتوف الأيدي. لم أبكِ طوال عشرين عاماً، أنا رجل قاسي القلب، لكنّني بكيت كثيراً في الاعوام الاربعة الاخيرة”.

في جنوب الجزيرة، أشخاص آخرون أخذوا على عاتقهم أن يساعدوا اللاجئين عبر عمل تطوّعي في مركز أطلقوا عليه اسم “قريتنا سويّة”. أحد مؤسّسي هذا المركز إيفي لاتسوديس يقول إنّه لا يستطيع التفرّج على أشخاص وهم يموتون مع اطفالهم . ويتابع:”هذا مستحيل … أنّ تترك شخصاً يموت في الشارع فهذا أيضاً جريمة.”

بالانتقال الى شمال الجزيرة نفسها، الاوسترالية ميليندا ماك روستي التي تعيش فيها منذ أربعين سنة حوّلت قطعة أرض صغيرة تقع خلف مطعمها الى مخيّم للاّجئين. وهي بما أنّها لا تنتظر أيّ حلّ قريب لما يحدث كما قالت للغارديان، تحرّكت وبدأت إطعام اللاجئين … سوريين وغير سوريّين. “لقد توقّفتُ عن تذكّر الاسماء وتوقّفت ايضاً عن طرح اسئلة بخصوص قصصهم. فهذا الأمر صعب جداً”.

سرت أخبار في يوم من الأيّام عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتحدّث عن مسلمين مهاجرين تغوّطوا في كنائس يونانيّة ودنّسوا ايقوناتها. لكن تبيّن لاحقاً انّها أخبار عارية عن الصحّة. ويبدو انّ مروّج هذه الاخبار هو اليمين المتطرّف في اليونان الذي أعلن بحسب الصحيفة نفسها أنّه “سيعمل ما بوسعه لحماية اليونان من المهاجرين”.

كمبسون الذي تلقّى تهديدات هاتفيّة بسبب أعماله الانسانيّة يقول أنّه سيبقى دوماً أشخاص بقلوب سوداء يكرهون الانسان.

“بشر مثلنا”
القوانين اليونانيّة كانت تحرّم حتى الأربعاء الفائت نقل أيّ مهاجرين بدون أوراق ثبوتيّة وكانت تعاملهم على أنّهم تجّار في شبكات التهريب. لكنّ ذوي الارادة الحسنة تحدّوا السلطات فنظّموا موكباً مؤلّفاً من 41 سيّارة أقلّوا فيها مهاجرين من شمال الجزيرة الى جنوبها من دون أن يتجرّأ أيّ شرطيّ على توقيفهم.

بابيس مانياس صياد سمك يوناني يصف اللاجئين بأنّهم “بشر مثلنا” ويضيف:” لم أرَ شيئاً مماثلاً للرعب الذي يمكن له أن يسكن عيني إنسان”.
انطونيس ديليجورجييس الرقيب في الجيش اليوناني الذي أنقذ في احدى المرّات، دفعة واحدة من 20 مهاجراً انقلب مركبهم، يقول عبر الهاتف ل”الغارديان” إنّه لا يستطيع تذكّر الذين أنقذهم بقدر ما يتذكّر الرجل الاربعينيّ الذي مات اختناقاً على رغم محاولات الاسعاف التي قدّمها له، بعدما انتشله من البحر. ديليجورجييس الذي انقذ ايضاً إريتريّة حاملاً والتي عادت وسمّت ابنها لاحقاً على اسم منقذها يؤكّد:”لا بطولة او شجاعة في الواجب الذي قمت به. أمّا بالنسبة للحظة التي انتشل فيها تلك الايريترية فيقول:”لن أنسى ابداً وجهها … ابداً”.

هذه هي اليونان … مزيج من متطرّفين مع كثير من الانسانيّين الذين لم تُنسِهم الازمة الاقتصاديّة الضاربة، كيف ينظرون بعين الرأفة الى شعب هجّرته أزمته الى أصقاع الارض راجياً عدلاً واماناً وحرّيّة …

 

جورج عيسى

النهار