السياسية والناشطة في مجال حقوق الإنسان جمانة سيف: القضية السورية كشفت فشل المؤسسات الدولية في حماية حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية

جمانة سيف: محاكمة أنور رسلان أعطت الفرصة للناجين والناجيات ليكونوا أطرافا فاعلة تطالب بحقوقها في محاكمة عادلة

ترى جمانة سيف، السياسية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ محاكمة رموز الفساد والمتورطين في الحرب وقتل السوريين ستمكّن من استرجاع حقوق الناجين والناجيات حتى يكونوا أطرافا فاعلة لا مجرّد ضحايا، موضحة أنّ آلة التعذيب كانت تعمل منذ عهد حافظ الأسد كأداة لقمع ومعاقبة السوريين، وهو الأمر الذي كشف عنه خلال انطلاق مسارات التقاضي بالمحكمة في ألمانيا.

 

س—عايشتِ ظروف محاكمة أبرز مجرمي الحرب، أنور رسلان، حيث أدت كل الدلائل إلى سجنه في أول حكم ضد رموز النظام خارج سورية.. لو تحدثينا عن المحاكمة، وهل شفي غليل من عذب على يده بهذا الحكم؟

ج-تأتي أهمية المحاكمة من كونها المحاكمة الأولى بالعالم لجرائم القتل والتعذيب والعنف الجنسي التي ارتكبت ومازالت ترتكب في معتقلات نظام الأسد، وقد أعطت الفرصة لأول مرة للناجين والناجيات ليكونوا أطرافا فاعلة تطالب بحقوقها في محاكمة عادلة وليسوا مجرد “ضحايا”..لقد عقدت المحكمة أكثر من 100 جلسة استماع على مدى عامين، كُشفت خلالها الكثير من الحقائق المروعة حول نظام التعذيب في سورية كأداة لمعاقبة المدنيين وقمعهم، ليس فقط في عهد الأسد الإبن، بل ذهبت المحكمة في معرض فحصها للسياق، إلى بدايات حكم حافظ الأسد الذي أسس لما وصلت إليه اليوم أجهزته الأمنية من إجرام.

وحول الشق الثاني من سؤالك، عبًر الناجون والناجيات الذين دعمناهم في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان عن الرضاء عن مجريات المحاكمة، وماتم كشفه من حقائق، وهنا أود أن أؤكد ما سمعته مراراً من المدعيات والمدعين وما صرحوا به للإعلام بأن مشاركتهم هي أبعد من معاقبة أنور رسلان وأن دافعهم هو كشف الحقيقة وفضح ممارسات الأسد في محاولة لإنقاذ من لايزالون يقبعون في سجونه في ظروف غير إنسانية.

س-وأنت المختصّة في التقاضي ضدّ مجرمي الحرب.. كيف تصفين مسار التقاضي خارج سورية، وما هي الصعوبات التي واجهتكم؟

ج- لمسار التقاضي خارج سورية تحديات كبيرة، وكان المطلوب إثبات جرائم في قاعة محكمة تبعد آلاف الكيلومترات عن مكان ارتكاب الجريمة وبعد سنوات من ارتكابها أمام محكمة غربية ليس لها أي صلة بالمكان، وينتمي قضاتها إلى ثقافة مختلفة ويتحدثون لغة مختلفة عن لغة الضحايا والمتهمين,, وضع هذا أمام الجميع أعباءً إضافية كثيرة وأدى إلى طول الإجراءات، فمثلاً كان على المحكمة لفحص السياق العام، الاستماع إلى شهود خبراء والاستعانة بباحثين مختصين والرجوع إلى تاريخ سورية منذ الاستقلال، ومن ثم بعد استيلاء حزب البعث ونظام الأسد على السلطة، لفهم دور الأجهزة الأمنية وممارساتها ونتائج ممارساتها على المجتمع ككل.

-كما كشفت محاكمة كوبلنز عن بعض التحديات الإضافية التي وجب العمل على حلها كاللغة، إذ لم تسمح المحكمة بإتاحة الترجمة العربية للحضور، مما أثر سلباً، بالإضافة إلى تقييدات كورونا على تفاعل السوريين في حضور جلسات المحاكمة.

 

س-هل يمكن أن نصل يوما الى تحقيق العدالة بمقاضاة هؤلاء المجرمين الذين لطّخت أياديهم بدماء السوريين، وكيف يمكن إنجاح الملاحقة القانونية الدولية؟

ج-العدالة مفهوم واسع ومختلف من شخص إلى آخر.. نأمل أن يأتي يوم يتحقق فيه جزء من العدالة عبر مقاضاة كبار المسؤولين الذين أعطوا الأوامر بارتكاب الجرائم وعلى رأسهم بشار الأسد. ونحن في المجتمع المدني والحقوقي السوري نسعى بكل طاقتنا إلى التأسيس لهذا اليوم ولكن يجب الاعتراف -وللأسف- بأن طريق التقاضي الدولي طويل جدا وخصوصاً بعدم وجود ظروف دولية مواتية وعدم توفر نية حقيقية لدى الدول الغربية لتسخير الموارد وكذلك للضغط على الدول المعيقة للمحاسبة الدولية. وكما هو معروف لقد أعاق الفيتو الروسي والصيني تحويل ملف سورية إلى الجنايات الدولية أكثر من مرة، ومع ذلك من المهم الاستمرار بالعمل على كل المسارات وإبقاء هذا الملف حياً على الطاولة الدولية ومراكمة الخبرة لتوفير الشروط المطلوبة لتحقيق العدالة ومحاكمة المرتكبين عندما تتغير الظروف السياسية والدولية ويصبح ذلك متاحاً. ويبقى الهدف الأساسي الذي نأمل في أن يتحقق في يوم قريب هو انتقال سياسي ومسار عدالة انتقالية شاملة.

س-كيف يمكن الوقاية من الانتهاكات وتعزيز حماية حقوق الإنسان خاصة في ظل النزاع المستمر وفوضى السلاح والمليشيات والفصائل التي تتكلم عنفا فقط؟

ج-للأسف، في ظل النزاع المستمر وفوضى السلاح، لم تعد الانتهاكات مقتصرة على جانب النظام وميليشياته فحسب، بل أصبحت كل قوى الأمر الواقع على تعددها ترتكب انتهاكات جسيمة مماثلة ضد المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال في ظل غياب شبه تام للمحاسبة. ما يمكن فعله في هذه الظروف هو فضح هذه الانتهاكات بكل الوسائل المتاحة ودعم ومناصرة الضحايا والمتضررين. ومن المهم جداً العمل على التوثيق بشكل مهني، لأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم وسيأتي يوم للمحاسبة عنها عاجلاً أم آجلاً. يجب أن يعرف المرتكبون أنهم لن يفلتوا من العقاب إلى الأبد.

-س-كيف يمكن التنسيق بين مختلف المنظمات السورية المدنية الحقوقية للتصدي لمختلف أشكال انتهاكات حقوق الإنسان، وماهي اقتراحاتكم كحقوقيين للتعاون من أجل الإنسان السوري”؟

ج-نحاول في المنظمات السورية المدنية الحقوقية التنسيق فيما بيننا، وقد حرصت الكثير من المنظمات الحقوقية منذ سنوات طويلة على الاجتماع معاً ووضع رؤية أو مجموعة أهداف مشتركة للعمل عليها والدفع باتجاه تحقيقها. وما تم إنجازه مثلاً على صعيد المحاسبة في أوروبا هو نتيجة جهود ساهم فيها الجميع، كل حسب اختصاصه وإمكانياته، واليوم لايزال أغلبنا يتطلع إلى التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات، كما نعمل على تقديم ما استطعنا الحصول عليه من معرفة وخبرة في مجال حقوق الإنسان إلى زميلاتنا وزملائنا في الداخل في كل المناطق السورية بدون استثناء عبر لقاءات ورشات الكترونية حاليا.

س- تحدثت سابقا عن أهمية مواجهة الفيتو الروسي عبر مسارات قضائية بديلة.. هل من توضيح، وماهي هذه المسارات؟

ج-ذكرت المسارات القضائية البديلة في معرض حديثي عن الولاية القضائية العالمية، والتي هي مبدأ قانوني نجحنا فعلاً في الضغط لتفعيله في ألمانيا على وجه الخصوص وفي بعض الدول الأوروبية الأخرى كالنمسا والسويد والنرويج بشكل أقل.

واليوم هناك نقاش بين المنظمات الحقوقية السورية والدولية حول الدفع باتجاه “الاختصاص المجمع” أو pooled jurisdiction الذي يمكن أن يقدمه المجتمع الدولي متجاوزاً الفيتو الروسي، وهو عبارة عن تجميع السلطات القضائية لأكثر من دولة وانشاء محكمة دولية بالمعنى الضيق.. بالطبع لايزال هذا الخيار يفتقر إلى الدعم السياسي بالرغم من أنه يمكن أن يدمج جهود الولاية القضائية العالمية المحلية ويوفر الموارد البشرية والمالية والوقت.

س- أخيرا، ما هي رسالتك إلى المجتمع الدولي الذي خذل ملف حقوق الإنسان بسورية.. وهل من الممكن تدارك الوضع وبعث مسار جديد لمحاسبة مجرمي الحرب ومن نكل بالسوريين وجوعهم وهجرهم؟

ج-برأيي، أن القضية السورية كشفت فشل وعجز المؤسسات الدولية عن تحقيق السلم والأمن الدوليين وحماية حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.. الوضع اليوم مفتوح على كل الاحتمالات وخصوصاً مع الحرب في أوكرانيا، ليفتح العالم أعينه ويرى ما تعرض له الشعب السوري من ويلات بمنظار مختلف. وما يجب علينا فعله هو تنسيق جهودنا وتمكين أنفسنا والاستمرار بالعمل من أجل إبقاء ملف المحاسبة حياً للوقت الذي ستتغير فيه الظروف لصالحنا.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد