السياسي السوري حسن الأطرش: من اختار الحلّ الأمني يتحمّل مسؤولية كل هذا الدمار.. ولا بدّ من حوار سوري- سوري للوصول إلى رؤية وطنية موحدة

تحمل الدوائر السياسية الدولية والإقليمية المتدخلة في سورية أجنداتها الخاصة في حقائب ملغومة، وتمر عبر التضاريس المهشمّة على أرض سورية، لتقبع تحت مبررات واهية لا نهاية لها.. وما يثير الاستغراب أنه تحت وطأة هذا التدخل أو ذاك وتحت رماد الدمار المستمر لا نجد للعرب شبه الظلّ لتحتوي به سورية، في حين أن دولا أخرى عديدة موجودة بكل ما لديها من حيل ومشاريع خبيثة إلا العرب، فهم لا يزالون في موقف “المشاهد الفارس” والدعاء لسورية بأن تتحرر من صهد التداخل والتشابك.

السياسي السوري المخضرم حسن الأطرش، يتحدث في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، عمّا آلت إليه الأوضاع في سورية وعن أفاق الحلّ السياسي في هذا البلد الذي مزّقته الحرب، وعن دور المعارضة.

س- وزير الخارجية السوري وليد المعلم، قال في كلمته أمام الدورة الـ75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، إن النظام التركي يفرض نفسه كأحد رعاة الإرهاب الأساسيين في سورية والمنطقة، داعيا إلى وضع حد لسياسات أنقرة وتصرفاتها التي تشكل خطرا على أمن المنطقة ككل وفق قوله.. كيف يمكن إيقاف انتهاكات تركيا في شمال وشرق الفرات وسورية عموما وإيقاف اعتداءاتها وعدوانها الذي صنفته بعض المنظمات بجرائم حرب؟

ج- لا تُحلّ المسألة شرق وشمال الفرات، ولا يمكن وضع حد للأطماع التركية إلا بتفاهم جميع الأطراف السورية الناشطة في تلك المناطق، على أرضية وطنية شعارها استعادة وحدة البلاد، والمسؤولية الكبرى في ذلك تقع حاليا على الحكومة، إذ أن مبادرتها هي التي تؤثر في هذه الأطراف جميعا، بشرط أن تظهر فيها وبشكل واضح الضمانات لحقوق الجميع، والحرص على مصالح الجميع، ضمن وطن لا تحتكره أي جهة، ومن خلال مفاوضات مباشرة تشيع الثقة لدى كافة المكونات السورية.

س في أحدث مشاهد تخريب تركيا في شمال سورية، قيام قوات أردوغان والفصائل الموالية لها بجرف “تلة صهلان” الأثرية، بهدف إنشاء قاعدة عسكرية ونهب محتوياتها.. كيف السبيل إلى وقف مثل هذه الممارسات الإجرامية وإيقاف مسلسل نهب الثروات وطمس المعالم السورية أمام صمت دولي مقيت؟

ج- طمس المعالم السورية.. أحسنت.. ويأتي بعده نهب الثروات.. إن أحد الأهداف للطامعين في سورية، هو إلغاء الذاكرة السورية والهوية السورية، ولكن القوى الذاتية للسوريين، بعد الشروخ الهائلة التي خلفتها الأحداث، غير قادرة على إيقاف هذه الجرائم، ولا يمكن الاعتماد على أي من القوى الخارجية من جهة ثانية، إذ لديها الأطماع نفسها.. وعندما نقول إن الحكومة السورية يجب أن تبادر إلى جمع كلمة السوريين، نعني أنها يجب أن تتخلى عن التشدّد الذي يجعلها كأحد الأطراف المتنازعة.

س تكبّدت سورية خسائر اقتصادية تُقدّر بنحو 442 مليار دولار خلال ثماني سنوات بسبب حرب أتت على الأخضر واليابس، وكلّفت البلاد كثيرا.. من يتحمّل مسؤولية هذا الدمار الذي شرّد وجوّع ملايين السوريين ؟

ج- المسؤولية تقع على أصحاب عقلية التشدّد، والتي لا ترى في الآخر شريكا في الحكم أو الإدارة، أو توزيع الثروة الوطنية، والتي تجلّت في خيار الحلّ الأمني، هذا من جهة، ومن جهة ثانية النوايا الخبيثة لقوى الإسلام السياسي ومن خلفها الرجعية العربية والإقليمية، إلى جانب الأطماع الغربية المتمثّلة في مشروع الشرق الأوسط الجديد، هذه أسباب رئيسية للكارثة السورية ولا ينفي ذلك وجود أسباب وعوامل لاحقة.

س- فاقمت التدخلات الأجنبية التركية والروسية والإيرانية والأمريكية والإقليمية الأزمة في سورية، وساهمت في إطالة أمد الصراع بعد تحوّله من ثورة سلمية إلى حرب دامية.. كيف السبيل للقطع مع هذه التدخلات وإجراء حوار سوري – سوري يؤسس لمرحلة جديدة وينهي الصراع القائم ويكون على قاعدة 2254،وبإشراف أممي؟ وهل تسعى بعض الأطراف إلى عرقلة هذا الهدف ؟

ج-لقد فاقمت التدخّلات الخارجية الأزمة وضاعفت من حدتها، وجاءت نتائجها كارثية، كما أن صراع القوى الكبرى ومصالحها على الأرض السورية دفع أثمانه شعبنا.. صحيح أن الحوار السوري – السوري يهدف إلى الوصول إلى رؤية وطنية موحدة، ومن شأنه أن يضعف أدوار الآخرين جميعا، وإن كان لا يلغيها، ولكن يجعل منها أدوارا تراعي الإرادة السورية أولا، ويوفّر للسوريين قدرة على الاستفادة من شروط الصراع بين الكبار، لوضع المطالب المتّفق عليها بقوة في مواجهة هذه القوى، والمناورة بها بمبدئية وإصرار طالما تحظى بالإجماع السوري ثانيا، علما أن للحركة الوطنية السورية تجربة مماثلة إبان الإنتداب الأجنبي في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، عندما اشتد الصراع فترة الحرب العالمية الثانية بين القوى الاستعمارية المختلفة، حيث استطاعت هذه الحركة أن تضع مطالبها التي التفّ حولها كل الشعب السوري في تشكيل وحدات الجيش السوري، المستقل عن جيش الإنتداب، والوعد بالجلاء، وكان لذلك الدور الرئيسي في الجلاء فعلا ..

إن الحوار بين السوريين، يجب أن يكون محوره الأول هو إنهاء الحرب والوصول إلى الحل السياسي وفق القرار 2254، وكلنا نعلم أن الجهات التي تعرقل الوصول إلى الحلّ السياسي هي نفسها برغم مواقعها المتحاربة لأن مصالحها لا تراها إلا في استمرار الحرب والعنف، وهي جميع المتشددين في النظام والمعارضة، ولا ينفصل ذلك عن قوى خارجية تغذي الطرفين.

س- حديث عن نشاط أميركي – روسي نحو المعارضة السورية لتحريك العملية السياسية وإقناع أطراف في هذه المعارضة بتقاسم السلطة مع النظام.. هل من شأنها ذلك لو حدث، أن يحقق الاستقرار في بلد مهدد بالتقسيم؟

ج- لا يخلو الأمر من نشاط روسي – أمريكي بهذا الاتجاه، ولا ندري إذا كان يعبّر عن رغبة في تقريب الحل فعلا، أو أنها استراحة وتوفير للخسائر أو لأهداف داخلية في كلا من البلدين..! أما الحلّ بالتقاسم مع “أطراف ” من المعارضة على وضعها الحالي كممثلة مزيفة للشعب والنظام، فهو أشبه بالمحاصصة سيئة الصيت، كما في لبنان ولن يتحقق الإستقرار لأنها لا تراعي مصلحة الشعب بعامة.

س- يحتاج السوريون، سواء داخل البلاد أو ملايين اللاجئين في الخارج، إلى تخفيف معاناتهم ورؤية مسار للانفراج.. كيف يمكن الخروج من دوامة الصراع في واقع كل هذه العراقيل والتدخلات والاملاءات الخارجية على النظام والمعارضة؟

ج- لا خروج للسوريين سوى بالحلّ السياسي المتكامل بمقدّماته الراهنة، ونجاح اللّجان الدستورية في الصياغة وإخماد بؤر التوتر والإسراع بإعادة المهجّرين والإفراج عن المعتقلين والبدء بإعادة الإعمار.. فهل توجد القوى الكبرى التي تستطيع فرض هذا بكل تفصيلاته؟ إن وُجدت فهل يناسبها المضي بهذا الطريق؟ مرة أخرى لا نرى حلا سوى بإجماع السوريين على رؤية لا تقبل الإملاءات الخارجية.

س- ركّزت التحرّكات السياسية الأخيرة في سورية من قبل كل من الولايات المتحدة وروسيا، على فكرة عدم صلاحية المعارضة السياسية التقليدية الممثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، حتى أن جيمس جيفري شدّد على ضرورة إنتاج معارضة جديدة بديلة للحالية.. ما المقصود بذلك؟ وهل يُترجم كلامه فشل المعارضة في سورية ؟

ج- عدم صلاحية المعارضة الممثلة بالائتلاف، هي حقيقة، ولكن تشديد جيفري على أن ينتج البديل يثير الضحك، فالمعارضة التي اعترف هو بنفسه بأنها فقدت الصلاحية هي نتاج الفبركة نفسها، والأهداف ذاتها: الوصول إلى لا شيء واستمرار الحال كما هو، وضمان استمرار الحروب وتغذية مشعليها بالأرباح.

س- برأيكم، ماهي المواصفات المطلوبة للمعارضة التي تريدها واشنطن خلال المرحلة القادمة؟

ج- إن واشنطن تريد إحياء ما يسمّى صفقة القرن ومشروعها لشرق أوسط جديد يدور في فلكها.. ومحاولتها استبدال الأدوات ستصطدم بآذان لا تصغي بين معظم السوريين، تلك تقاليد وثقافة سورية مبنية على تجربة تاريخية طويلة وحاضرة في الذاكرة السورية دوما.. ففي أثناء زيارة لأحد السفراء الأمريكيين للقائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش وفي جوابه عن الرأي بسياسة الولايات المتحدة في المنطقة قال بالحرف:” عندما أرسلت أمريكا لجنة كرين لاستقصاء الحقائق عن رغبة الشعب السوري ورأيه بقبول الانتداب استبشرنا خيرا واليوم لا نرى من سياسة واشنطن إلا دعم اسرائيل”.

س– هل تبحث أمريكا عن معارضة تقبل التطبيع الكامل مع “قسد”، علما وأنها أداتها الوحيدة بشرق الفرات؟

ج- الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن المعارضة التي تقبل التطبيع مع الكيان الصهيوني أوّلا، أما قسد والكرد عموما فثقتها بمعظمهم قلقة، برغم أنّها تستخدم حاليا دورهم الذي لا يمكن أن يستمر إلا بخلق الرعب الدائم من النظام من جهة ومن السياسة التركية من جهة أخرى، فماذا لو نجحت قسد في التقدم خطوة أو خطوات في التفاهم مع باقي السوريين بعيدا عن الأجندة الأمريكية؟

س– مراقبون يقولون إن روسيا باتهاماتها الكثيرة للمعارضة تسعى إلى تشتيتها منذ بداية الثورة بهدف إظهار المعارضة السياسية لنظام الأسد على بأنها لا تمتلك رؤية موحدة.. هل تتفق مع هذا التصور؟

ج-عدم امتلاك المعارضة التي نشأت بداية الأحداث القدرةَ على التوصّل إلى الحلول السلمية وكذلك تشتتها هو فعل ذاتي مارسته تلك المعارضة بحق نفسها، ولم يحتج أي طرف أو دولة عناء الجهد فيه، لم تمتلك رؤية بالتأكيد.. وشعار إسقاط النظام والمطلب الملح لرحيل الرئيس السوري وحتى التوصيفات البراقة لدولة المستقبل التي بشرت بها لا تشكل رؤية بل كانت تضليلا خادعا، فالآليات التي اعتمدت عليها لا وطنية ومشبوهة، وفي أحسن الأحوال تمثل نموذجا أكثر خطورة على مستقبل الشعب السوري أكثر من أي، ونحن نرى اليوم أن تسمية معارضة بحد ذاتها أصبحت غير ذات دلالة حقيقية، أو واضحة على الأقل.

س- يقول كثيرون إن الثورة السورية ستنجح مهما كلّف ذلك الشعب السوري من دمار ومعاناة .. ما هي رؤيتك بالخصوص؟

ج-التغيير سينجح في سورية، وهذا هو تعبيرنا الذي يدلّ على واقع الأمور، وواقع القوى المتعقلة والجديدة، التي استفادت دروسا من أحداث السنوات الدامية، فهي مطالبة بتجاوز مصطلح لم يعد له الدلالة الصحيحة.. إنها قوى التغيير التي قطعت مع الإستبداد وإن لم تبلور رؤيتها بوضوح كاف بعد، ولكن الخطى الأولى بدأت والوعي ينضج.

س- سيد حسن.. من يدفع إلى إبطاء عمل اللجنة الدستورية السورية ؟ ومن عطّل أعمالها أكثر من مرة؟

ج-الخائفون من التغيير وهم يرون مصيرهم المحتوم فيه، لذلك يستنفذون بقايا الوقت، وما يتاح من إمكانيات التخريب والمماطلة وحجتهم اليوم عدم إنجاز الدستور باعتباره الضامن لبقائهم، ولن يقبل به أي طرف في اللجنة الدستورية وحتى خارجها.