السّمُّ السوري

كان رأيي دائماً منذ حصل الانفجار السوري أنه لا شيء في المنطقة بعد هذا الانهيار مثل قبله. لقد غيّرت النكبة السورية كل شيء في هذه المنطقة بما فيها القضية الفلسطينية. غيّرت الوقائع والمشاعر وأكاد أقول القِيَم. لا أدَلّ على ذلك مرةً جديدة بين الأدلة سوى ردود الفعل على اغتيال عميد الأسرى العرب وليس فقط اللبنانيين في السجون الإسرائيلية سمير القنطار.

ما يحز في النفس أن السمّ السوري أفسد مناخَ تلقّي هذا الحدث الشديد الرمزية. فعلى وسائل التواصل الاجتماعي انفجرت حربّ أهلية تضم في جبهتَيْها بعض السوريين واللبنانيين وعرب المشرق (دائما تنقذنا لغويّاً كلمة “بعض” ولا تنقذنا سياسياً) حول جثمان سمير القنطار بين حزين مستنكِر وشامتٍ فرِح. إنه الرجل الآتي من جبلٍ إشكاليٍّ من بلاد الشام والراحل في قرية هي آخر امتدادٍ لجبل آخر من بلاد الشام. الأول أقرب إلى البحر والثاني أقرب إلى الصحراء.
هذه الحرب الأهلية حول جثمان سجين شهير ما كانت لتحصل قبل انفجار قلب بلاد الشام التي فلسطين، للتذكير، هي جنوبها التاريخي الجغرافي.
حتى النقاشات تغيّرت:
كان يمكن قبل الانفجار السوري أن يحصل نقاش على إرث العمليات المسلّحة الذي انتمى إليه سمير القنطار وسُجِن بسببه أكثر من ثلاثين عاما، أي بما يتجاوز فترة نلسون مانديللا المستحيلة وهي 27 عاماً. نقاش كان سيكون من موقع أي مساهمة أكثر فائدة للفلسطينيين في الصراع العربي الإسرائيلي. وهو نقاش سبق للنخب العربية أن انخرطت فيه حول جدوى أو عدم جدوى العمليات التي تشمل مدنيين في الصراع مع العدو الإسرائيلي. ولكنْ اغتيل القنطار، والأرجح بيد أو قذيفة إسرائيلية أو كلتيهما معاً، داخل الحرب الأهلية السورية التي صارت على أكثر من مستوى، ومبكِراً، صارت قلب العالم.
يجب أن نحصي من الآن فصاعداً، كتأكيد على ما غيّره الانهيار السوري بما لاسابق له منذ مائة عام، أن نحصي شهداء القضية الفلسطينية خلال سايكس بيكو وشهداءها ما بعد سايكس بيكو. فلسطين هي ضحية سايكس بيكو. سوريا هي ضحية انهيار سايكس بيكو. عاش سمير القنطار وسُجِن خلال أكثر من الربع الأخير من عمر منظومة سايكس بيكو وسقط في السنوات الأولى من ما بعد سايكس بيكو.
سوريا أصبحت نكبةً أكبر بكثير من النكبة الفلسطينية. حجما ومتغيِّراتٍ بنيوية وقِيميّة.
سُجِن سمير القنطار قبل ثورة المعلوماتية وخرج من السجن بعد انطلاقها. وجود وسائل التواصل الاجتماعي في قلب حيواتنا ليس شكليا هنا. فنوع التعبيرات عن المشاعر والمواقف صار أقل انضباطاً وأكثر كسرا للمحرّمات. على أي حال في الحروب الأهلية، بديجيتال ومن دون ديجيتال، يخرج الكثير من الكلام عن الضوابط العامة، مواقفَ أو مشاعر.
ذهب الغضب العربي بسمير القنطار إلى السجون الإسرائيلية. وأودى السمُّ السوري بحياته. في الحالتين القاتل إسرائيلي هويةً أو تبعيةً أو غدرا. لكن الفارق أن مسؤولية الانحطاط العربي أقوى وأشمل بكثير في حالة تغييبه. ولذلك هو بمعنى ما بل بأكثر من معنى ضحية الاختلال العميق للتاريخ العربي المعاصر. إحدى روايات هذا الاختلال الأكثر دلالة في الخصوصيات والعموميات.
وأسمح لنفسي هنا أن أقول إن سمير القنطار الذي كان شهيداً حياً قبل اغتياله يرحل مرغما ومقاتلا في حرب أهلية ضارية في زمن ما بعد الصراع العربي الإسرائيلي، الصراع الذي، على أهميته وقدرته على تجديد نفسه ولو بقوة اليأس وأساليبه التي لا يزال يبتكرها الشعب الفلسطيني، لم يعد محور “شخصية” المنطقة. ولنلاحظ أن موجة السكاكين الفلسطينية الجديدة لا تخضع على جهة النخب العربية والفلسطينية لأي نقد بسبب هذا الانسداد في الأفق الفلسطيني. انسداد يجعل مثقفا وصحافيا نقديّاً إسرائيليا بارزاً مثل جدعون ليفي يعلن في واشنطن قبل أشهر وفي اجتماع يضم مناصرين لإسرائيل يأسه من أي رهان على المجتمع الإسرائيلي لدعم موقف ينهي المأساة الفلسطينية.
زمن ما بعد الصراع العربي الإسرائيلي بدأ. وإسرائيل هي القوة الأكثر شعورا برحابة الوضع لصالحها على المستوى الاستراتيجي. فهذا زمن الانسحاب من الصراع والدخول في الحرب الأهلية. انسحاب دول ومجتمعات.
رحم الله سمير القنطار ورحم الله سايكس بيكو.