الشاعرة السورية وداد نبي: هناك تضييق على الحريات الدينية في سورية أما الحريات الفردية مستباحة على الدوام

الشاعرة السورية وداد نبي: الكتابة وملايين المجلدّات لن تقدر على إنقاذ العالم من هول الصراعات والحروب  وتوحش الرأسمالية لكنها توعّي

ترى الشاعرة السورية وداد نبي، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ النساء في سورية وخاصة في الشمال تعانين من قساوة وديكتاتورية سلطة الأمر الواقع المتمثّلة في تلك الفصائل المسلحة التي تتحدّث فقط لغة العنف، لافتة إلى أنهم يجبرن على ارتداء الحجاب لممارسة حياتهن اليومية وفيهن من اخترن التمرّد على ذلك الواقع الصعب.

س–هل تتابعين وضع النساء بمختلف المكونات والاثنيات في سورية، النساء اللواتي يتعرضن لجلّ الانتهاكات من قبل الأتراك والفصائل المسلحة التي تتكلم لغة العنف، كيف يمكن الضغط دوليا وإقليميا لمحاسبة الفصائل المتورطة في استهداف النساء والتنكيل بهن؟

ج-أتابع الأخبار التي ترد من هناك مثل الملايين من السوريين/ات الذين اضطروا للهروب من سورية، وأشعر أحياناً أنني أصبحت أتابع ما يجري داخل سورية كشخص غريب ومتفرج فقط، وهذا الشعور فيه قسوة نوعاً ما. لأننا هنا/ نحن الذين خرجنا أو نجونا( وربما لا)، نشعر أنه تم إنقاذنا من تلك الحياة المهينة والقاسية، فيما لا يزال الملايين يعانون يومياً، سواء بسبب الظروف المعيشية الكارثية، أم بسبب النظام السياسي الديكتاتوري المستبد، أو بسبب الاحتلال التركي والفصائل المسلحة وقوى الأمر الواقع الأخرى.

فيما يخص وضع النساء في الشمال السوري تحت ظلّ الاحتلال التركي والفصائل المسلحة، فأنا أشعر بالعجز وأحياناً بالعار، إذ لانستطيع فعل أي شيء يغيّر أو يُحسّن من حياتهن هناك، منذ أسبوع، وفي حديث عبر الواتس آب مع مجموعة سيدات مقيمات في مدينة عفرين، شرحت إحداهن بغصّة:أنهن كنساء لم يعدن يفكرن بحياتهن الخاصة، ترتدي قسم كبير منهن الحجاب تفادياً للمشاكل حتى وإن لم يكن هناك قرار رسمي بذلك، لكن البيئة المحيطة بهن تفرض عليهن نمطاً جديداً في اللباس والحياة، وأكثر ما يقلقهن الآن، هو مستقبل أطفالهن تحت ظلّ هذا الاحتلال، التعليم في المدارس أصبح دينياً، يذهب صغارهن الذين لم يبلغوا السبع سنوات بعد للمدارس، حيث يتم تلقينهم الدروس الدينية والخوف والترهيب، طفل جمانة ذو 6 سنوات يستيقظ في منتصف الليل ويبكي خوفاً، بسبب الدروس الدينية التي تركز على العذاب في الآخرة، لا يوجد تركيز على  مواد علمية مثل العلوم والرياضيات، لذا هي مضطرة لترسل طفلها الوحيد إلى حلب كي يدرس في مدارس النظام على سوئها وعلاتها، خوفاً من أن يتحول صغيرها في عفرين إلى إرهابي صغير بسبب التعليم الديني الممنهج.

امرأة أخرى قالت إنه تمّ تهديدها شفهياً لارتداء الحجاب، وإن وجودهم في المدينة دفع قسم كبير من النساء لارتداء الحجاب درءا للمشاكل، وتفادياً لنظراتهم المستهجنة، في حين أن سيدة أخرى رفضت سلطتهم وشجعت النساء على عدم الرضوخ لعادات المسلحين وعوائلهم الدينية المتشددة، ومقاومة الاحتلال من خلال التمسّك بعاداتهن وطبيعة حياتهن القديمة، لكن للأسف قسم كبير من النساء هناك، لا يمتلكن تلك القوة لمواجهة واقع أقل مايقال عنه أنه متوحش، هذا كله ولم نتحدث بعد عن سرقة أراضيهم/ن وزيتونهم/ن وبيوتهم/ن… إنه القهر الذي دفع بوالد إحدى السيدات هناك إلى الموت، أصابته الجلطة بعد أن منعوه من حصاد موسم الزيتون.

س– الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية اليوم في سورية ، كيف تتفاعلين معها وهل تجعلينها هاجسا أثناء الكتابة؟

ج-كتابتي الشعرية اليوم تحاول الابتعاد عن المباشرة في الطرح، أحاول كتابة المعتم والمهمل في داخلنا كأفراد بعيداً عن هواجس الجماعة، أي كتابة تلامس الهوامش والتفاصيل الصغيرة، الزوايا المعتمة، والتي تُشكل حقيقة فهمنا للعالم من حولنا بعيداً عن الأضواء الساطعة للقضايا الكبيرة، أحياناً أنجح وأحياناً أفشل.

-أما كتابة المقالات، فأستطيع من خلالها طرح القضايا الاجتماعية والسياسية التي كنتُ جزءاً منها فيما مضى،  وأتابعها اليوم كمتفرج فقط. لذا أحاول أن أكون بعيدة عن الأحكام القيمية الجاهزة، لأنّ تجربتي داخل سورية حتى عام 2014 أكدت لي مراراً أن الذي في الخارج لا يستطيع أن يُشكل معرفة حقيقية عما يحدث في الداخل، هذا تقريباً أمر مستحيل، كما أن عملية الكتابة تتأثر بالظروف التي يعيشها الكاتب، فحين كنت في سورية كانت تأثير تلك الاضطرابات أقوى وأكثر وضوحا، لأنك لايمكن أن تتجاهل حينها صوت الحرب والقنابل والطائرات، لا يمكنك أن تتجاهل انقطاع الكهرباء والماء والأنترنت، ارتفاع الأسعار وفقدان قدرتك الشرائية، ويأسك الذي لا يستطيع إضاءة أي جانب في حياتك.هناك لايمكنك ببساطة تجاهل الموت اليومي بكل أشكاله المختلفة.

-بعد هروبي من سورية اختلف الأمر نوعا ما، فأنا أسمع عن كل ذلك من خلال أصوات الآخرين، صوت أخي معارفي أقربائي وأصدقائي، بينما حياتي هنا في برلين تسير برتابة وروتين، هنا أتأثر بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بألمانيا، وفي قضايا مثل العنصرية،، من يربح الانتخابات، الحرب الأوكرانية الروسية، البيروقراطية داخل الدوائر الحكومية..الخ.

س-هل تُجبرين في كتاباتك الشعرية على التعبير عن ماتعيشه سورية من فوضى بسبب الحرب وكيف تتأقلمين مع ذلك الواقع لإيصال واقع السوريين ومعاناتهم؟

ج-بالطبع لا أُجبر على ذلك، أحيانا يكون هناك حدث ما، قادم من سورية،  قويا ومؤلما، فنجد أنفسنا نحن الكتاب الذين في الخارج نكتب عن ذلك، سواء من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو كتابة المقالات، وشخصياً وبسبب كوني خارج سورية اليوم لا أستطيع كتابة قصيدة تمسُ حدثاً مباشراً هناك. أجد في الأمر متاجرة من نوع ما وكذلك سطحية في النص الشعري

-قد تكون كتابتي اليوم تركز على القضايا الهامشية أو الشخصية أكثر، أمومة، ولادة، اكتئاب، ذكريات شخصية، في حين كان ديواني “ظهيرة حب ظهيرة حرب” مكتوب كله من تأثير الثورة والحرب والموت والعيش تحت ظل الديكتاتورية، وهو ما أحاول تجنبه اليوم.

-أما واقع السوريين/ يات يصل للجميع من خلال الأخبار والإعلام والصحافة. وأعتقد ليست مهمة الكتابة الإبداعية إيصال صورة الواقع، الفن لايعكس الواقع فقط، بل أحياناً يتحايل عليه وأحياناً أخرى يوجد البديل في المخيلة، لكن هذا لايمنعننا ككتاب ومن خلال القراءات والندوات التي نشارك بها في هذه المنافي نتحدث ونناقش عما تمر بها سورية من اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية

س–ما تعليقك عن انعدام حالة الديمقراطية وحرية التعبير في سورية والتعددية السياسية ؟

ج- كيف يكون وضع الديمقراطية وحرية التعبير في بلد يحكمه نظام ديكتاتوري منذ قرابة نصف قرن، نظام تعامل مع مظاهرات شعبه السلمية بالرصاص ومن ثم قصف مدنه وشعبه، هدم البيوت وقتل الأطفال ليستمر في الحكم، عن أية ديمقراطية وحرية تعبير وتعددية سياسية يمكن مثلاً أن نتحدث؟

س-هل لمست تهديدا لحري الأديان  في سورية منذ 2011؟

ج-سمعتُ من أصدقاء/ يقات، أنه في المناطق التي كان يسيطر عليها المسلحون والكتائب الإسلامية المتشددة، كان هناك بالطبع تضييق على الحريات الدينية، أما الحريات الفردية، فكانت مستباحة على الدوام على كل الخارطة السورية وتحت حكم جميع قوى الأمر الواقع والنظام.

س–لا أحد بإمكانه إنقاذ العالم من هول الصراعات والحروب  وتوحش الرأسمالية، لكن الشعر والكتابة قد تساعد في فهم طبيعة تلك الصراعات ودور المثقف فيها، ماتعليقك؟

ج-بالضبط، هذا ما أردّده دوما، إن ملايين المجلدات الشعرية ليس بإمكانها إنقاذ طفلا من تحت الأنقاض فيما آلة الرافعة تفعل ذلك، وببساطة لأن وظيفة الكتابة لا تماثل  القيام بمهمة الرافعة أو الإنقاذ.

-الكتابة عموماً تحفر تحت جلد الوعي، لكن ببطء، حيث يحدث التغيير بعد تراكمات طويلة وعديدة، إنها مثل ضوء المنارة القادمة من بعيد، لتدلنا نحن السفن التائهة في البحار والمحيطات على الطريق، طريق العودة، طريق الأمل، طريق النجاة ربما.