الصراع الروسي الإيراني في المنطقة

على الرغم من العقوبات الاقتصادية الكثيرة التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على ايران قبل التوقيع على الاتفاق النوري، والتي ما زال قسم منها ساري المفعول لحد الان، إلا ان نفوذ ايران في المنطقة لم يتأثر وذلك بسبب النجاحات التي حققتها السياسة الإيرانية في المنطقة قبل التوقيع وأثناء المحادثات التي امتدت لخمس سنوات من اجل التوصل الى اتفاق مع الولايات المتحدة والقوى الأوربية الاخرى.

 

لقد تمثلت الفرصة الذهبية لإيران في احتلال وتدمير العراق في عام ٢٠٠٣ الحدث الذي ازال من أمامها عقبة كبيرة في طريق تمددها في المنطقة، ناهيك عن تركه حدود العراق ومدنه مفتوحة امام التغلغل والتمكن الإيراني من التواجد وبقوة على الاراضي العراقية، بالاضافة الى تشجيع الأحزاب الدينية والمليشيات التي كانت موجودة في ايران قبل الاحتلال للعودة والمشاركة في الحياة السياسية. وفِي غياب أية قوة عراقية يمكن ان توقف الزحف الإيراني او الفصائل المؤتمرة بأوامرها تمكنت هذه الفصائل من الهيمنة وبدعم إيراني واضح على الساحة السياسية في العراق. ولم تفعل دول التحالف وعلى رأسها الولايات المتحدة اي شيء لوقف هذه الهيمنة. واعتبر ذلك نصرا أم تكن ايران تحلم به من قبل. ثم جاءت الأحداث الدامية في سوريا لكي توفر لإيران فرصة ذهبية اخرى. حيث قراءت ايران مايجري في سوريا، وهي محقة، بانه محاولة للإطاحة بالنظام العربي الوحيد الباقي في خانة المعارضة السياسات الامريكية و للتطبيع مع اسرائيل.

 

وهكذا كثفت ايران من تواجدها في سوريا وأصبح نفوذها يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان من خلال علاقاتها مع حزب الله.

 

مع اختلال ميزان القوة في سوريا في غير صالح النظام في سوريا وشعور روسيا الاتحادية بضعف موقف النظام السوري تدخلت بصورة مباشرة ونجحت في تعديل الميزان لصالح النظام السوري وأفشلت خطة إسقاط النظام. ثم تحولت روسيا الى لاعب رئيس في سوريا. ومع تصاعد الأحداث وفشل الانقلاب العسكري في تركيا، تحولت الاخيرة الى جانب روسيا بعد ان كانت من اكثر الداعمين لفكرة إسقاط النظام السوري. ثم تحول هذا الموقف الى تعاون وتنسيق مع روسيا. هذا التحول حجم النفوذ الإيراني في سوريا. وكان التحسس الإيراني من زيادة التنسيق بين روسيا وتركيا واضحا في مواقف عدة اعترضت فيها على تصاعد الدور التركي في سوريا وحول مستقبلها. ثم انقلب هذا التحسس الى اعتراض إيراني على دعوة الولايات المتحدة للمشاركة في جلسات الحوار بين النظام السوري وأطراف المعارضة في استانا. ثم تسربت اخبار عن توافق روسي تركي على تحجيم الدور الإيراني في سوريا. ومع وصول الرئيس ترامب الى رئاسة الولايات المتحدة تصاعدا وتيرة الحديث عن ضرورة تحجيم الدور الإيراني في المنطقة. فمنذ ان بدا الرئيس ترامب حملته الانتخابية وصولا الى فوزه شدد على ضرورة اعادة النظر في الاتفاق النووي مع ايران وضرورة مواجهة التهديدات الإيرانية لدول الخليج واليمن. ومن المؤكد ان هذه السياسة ستكتسب زخما اكبر في القادم من الأيام. واذا ما علمنا ان دول الخليج قاطبة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية متفقين على خطورة تزايد النفوذ الإيراني، وان اسرائيل والدول الأوربية يمتلكون نفس التفكير و لأسباب مختلفة ،فيمكننا ان نجرم ان ايران ستواجه أوقاتا عصيبة في فترة حكم ترامب. علما بان الجميع ينتظر ما سيتخذه الرئيس الجديد من قرارات وتدابير تجاه ايران. من جانبها ردت ايران كعادتها بلغة التحدي المعتادة. المخرج الوحيد من هذا المأزق هو ان تعمل دول المنطقة على تغليب لغة الحوار والتهدئة. ولكن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال، وان المنطقة ستشهد أوقاتا مقلقة وستزداد التوترات ومن غير المستبعد ان تلجأ اسرائيل الى ضرب المنشئات النووية الإيرانية مستغلة تنسيقها مع اقليم كردسنان العراق ومباركة إدارة الرئيس ترامب.  ومن المؤكد ان ايران سوف لن تسكت على مثل هذا الفعل. ومن هنا ستنطلق شرارة حروب وصراعات دموية في المنطقة هدفها المعلن أمريكيا هو تحجيم النفوذ الإيراني واسرائيليا ضرب البرنامج النووي الإيراني وضرب القوة الاخيرة التي تجد فيها تحديا كبيرا لها. رغم كل هذه التحديات تبقى الدول العربية، وخاصة المشرقية منها، بعيدة عن الشعور بهذه المخاطر اوالاستعداد لها. ان اهم خطوة لمجابهة مخاطر هكذا سيناريو محتمل هو إظهار موقف عربي موحد وان يكون على راس هذا العمل اعادة العراق الى حاضنته العربية قويا قادرًا، وذلك عن طريق التعاون مع قواه الوطنية غير الطائفية، وضمه واليمن الى مجلس التعاون الخليجي وأخيرا وليس آخراً يجب الحذر من الانسياق وراء الرغبات الامريكية والاسرائيلية بدعوى أمن المنطقة، لان هذا الهدف ابعد ما يكون عن تفكير سياسي هذين البلدين.

د. برهان الجلبي

المصدر: رأي اليوم