الصراع من أجل الحرية في العالم العربي

33

ثمانية اعوام عجاف تصرمت منذ ان اشتعلت النيران في جسد الشاب التونسي، محمد بوعزيزي، بمدينته المتواضعة، سيدي بوزيد. عجبا كيف يدفع اليأس شابا في مقتبل العمر لحرق نفسه على مفترق الطرق؟ ولماذا يصبح الموت والحياة متساويين امام انسان خلقه الله ليستمتع بالحياة ويعمر الارض ويقيم العدل؟ اليأس حول ذلك الجسد الى شعلة انارت للعديد من الشعوب العربية طريقا اثبتت التطورات اللاحقة انه كان يسير نحو المجهول.
لم يكن هدف تلك الحراكات المتواصلة غامضا او مجهولا، بل كان الجميع يعتقد ان من الضرورة بمكان استعادة الموقع الذي يفترض ان تتموضع الشعوب فيه وليس حكام الجور والاستبداد. كانت يقظة عارمة اختلف الفرقاء لاحقا على تقييمها، وهل انها كانت انتفاضات وثورات عفوية بدافع إصلاح اوضاع امة تخلفت عن شعوب العالم في مجال الحريات والانظمة الدستورية وحكم القانون، ام كانت بدفع خارجي؟ برغم ما قيل فالحقيقة انها كانت ثورات صادقة وهادفة لتحقيق اصلاح سياسي حقيقي، وكان اغلبها سلميا في بدايته. ولكن بقيت هناك حقيقة اخرى غائبة، وهي ان العالم العربي ليس كغيره في المنظور الغربي الذي يتجاهل مبادئه عندما تصطدم بمصالحه. ولذلك فما ان اتضح ان المرحوم بوعزيزي اشعل عود الثقاب الذي التهم جسده ومعه اجساد الشعوب التي اخضعت للتنويم عقودا حتى تحركت الشعوب المقهورة في تونس اولا، ثم في مصر والبحرين وليبيا واليمن وسوريا باحثة عن خلاص من عهود القهر والاستبداد، وكان ذلك طوفانا سياسيا غير مسبوق منذ عقود. ولكن كانت القوى الشريرة لها بالمرصاد. هذه المرة قرر تحالف قوى الثورة المضادة بتخطيط اسرائيلي بالشراكة مع كل من السعودية ومصر والبحرين والامارات (ودعم انجلو ـ أمريكي) التصدي لمشروع التغيير العربي، وسرعان ما اجتمع المال النفطي والخبرات الأمنية الاسرائيلية والدعم السياسي الانجلو ـ أمريكي للانقضاض على الثورات وتمزيقها اربا اربا، لقد كانت حربا شعواء شرسة لم تراع مبدأ او قيمة اخلاقية او مصلحة عامة، بل استخدمت اساليب شتى لضرب تلك الثورات: الطائفية والتطرف والإرهاب بالاضافة للقمع المفرط والقتل الجماعي. وسرعان ما تم احتواء زخم الثورات بعد ابعاد بعض رموز الاستبداد عن مقاعدهم ابتداء بالرئيس التونسي، زين العابدين بن علي، مرورا بالرئيس المصري، حسني مبارك، وصولا للرئيس اليمني، علي عبد الله صالح. ولضمان كسر مقولة «الثورة العربية الواحدة» طرحت الطائفية سلاحا لضمان عدم توحد القوى الثورية وداعميها، وتلاها استخدام العنف لتبرير القمع السلطوي الرهيب، وتم ترويج الجماعات المتطرفة لتشويه حركات التغيير وضمان صمت المجموعة الدولية.
في السادس عشر من كانون الأول/دبسمبر 2010 بدأ الحريق التونسي بالاعتداء على محمد بوعزيزي، الذي كان يبحث عن رزقه بائعا جوالا، من قبل احد مسؤولي البلدية، الامر الذي اغضب الشاب الفقير الذي كان يسترزق بكرامة لكي لا يمد يديه لغيره. وفي اليوم التالي كانت مجموعات شبابية تطوف شوارع بعض المدن والقرى البحرانية لاحياء «عيد الشهداء» احتفاء باول شابين سقطا برصاص قوات الامن في 17 كانون الأول/ديسمبر 1994، ليفجرا بذلك انتفاضة عملاقة استمرت ستة اعوام متواصلة. وبدأت مظاهرات تونس وبعدها مصر في حضور ميداني غير مسبوق. اليوم يعيش العالم العربي اوضاعا مختلفة تماما، تتميز بالقسوة المفرطة والاستنزاف المتواصل للطاقات، واستمرار حمامات الدماء، وسياسات الانتقام التي تمارسها انظمة القمع التي تميز من بينها ثلاثة: مصر والبحرين والسعودية. نجم عن ذلك سجن عشرات الآلاف من المواطنين واعدام العشرات منهم واصدار احكام السجن المؤبد لعدد كبير من رموزهم ونشطائهم. وقد تبدو هذه الاساليب جاذبة لدى الحكومات المحاصرة من قبل شعوبها، ولكن التجارب البشرية اثبتت ان الافراط في العقوبة يوصل الشباب الى حالة تتساوي فيها الحياة مع الموت، وهي حالة لا يمكن ان تخدم اي نظام سياسي. فالرغبة في الحياة تعتبر رادعا للانسان عن المشاركة الفاعلة في الحراكات السياسية. ولكن حين يكون الموت والحياة متساويين من حيث الاهمية لدى الشخص، فان حياته ترخص امامه، ولا يهمه ان عاش او مات.

انها حالة نفسية متميزة بلغتها الشعوب العربية في الربيع العربي، الامر الذي ارعب قوى الثورة المضادة خصوصا الكيان الاسرائيلي والحكم السعودي نظرا لما تنطوي عليه تلك الحقيقة من توفر حالة الاستعداد في صفوف الشباب لبذل المزيد من التضحية والفداء، الامر الذي يسير باتجاه معاكس لخطة قوى الثورة المضادة. وعندما يتحول النظام القضائي في اية دولة الى اداة بيد الحاكم، فهذا يضيف الى مشاعر الاحباط من امكان اصلاح النظام السياسي، وهذا موقف له تبعات. حين تصدر احكام الاعدام والسجن المؤبد في مصر والبحرين على نطاق واسع وتكتظ السجون بنازليها بدون رحمة او انسانية، فان الوضع بلغ مستوى لا يطاق وان الموت خير من الحياة فيه. لقد اصبحت هذه الانظمة تتراقص على اشلاء الشهداء وتتباهى بسجن الابرياء باعدادهم الهائلة، وتصك اسماعها عن اي نقد في مجال حقوق الانسان. انها واحدة من ابشع الحقب التاريخية لأنها اعادت اوضاع المنطقة الى مستويات غير مسبوقة من الهبوط والتداعي. فحين تقوم الانظمة بتطبيع علاقاتها مع قوات الاحتلال الاسرائيلية، ثم تمنع مواطنيها من انتقاد ذلك، فانها تكون قد هيأت الاوضاع لاضطرابات غير معروفة النتائج.
هذا التطبيع يعكس قلقا عميقا لدى الانظمة التي تعاني من توترات داخلية كالسعودية والبحرين فتسعيان للاستعانة بالعدو ضد مواطنيهما، فهل هذا حل حقيقي؟ في اليومين الماضيين انطلقت الاحتجاجات في مناطق عديدة من البحرين احياء لما اصطلح اهلها على تسميته «عيد الشهداء» في 17 كانون الأول/ديسمبر من كل عام، استذكارا لاول شابين قتلا برصاص قوات الامن في 1994 في تظاهرة سلمية. وبرغم القمع المتواصل على مدى ثمانية اعوام، واعتقال كافة القيادات السياسية والدينية والميدانية، لم يتوقف الحراك الشعبي يوما. وتسعى الحكومة لبث الرعب في نفوس المواطنين ليس بالاعتقال والتعذيب واحكام الاعدام فحسب، بل بسحب الجنسية والابعاد. وقد بلغ عدد من سحبت جنسيته من المواطنين البحرانيين اكثر من 800 شخص حتى الآن. وتسعى الحكومة لمطاردة معارضيها في الخارج، مستغلة فساد المؤسسات الدولية مثل الانتربول، كما فعلت مع الرياضي البحراني المعروف حكيم العريبي الذي ينتظر قرار محكمة تايلاندية حول ما اذا كانت حكومتها ستسلمه لسلطات البحرين. هذا الاضطهاد المتواصل قد يساهم في تهدئة الوضع الى حين ولكنه لا يحل المشكلة الجوهرية المتمثلة بالاستبداد والظلم والاضطهاد والانتهاك الممنهج لحقوق الانسان. ولذلك يتوقع انفجار الوضع مجددا عندما تتوفر ظروف محلية او اقليمية مؤاتية.
بعد مرور ثمانية اعوام على ثورات الربيع العربي ما يزال العالم العربي بحاجة لاصلاح سياسي جوهري ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين على اسس توافقية مؤطرة بدساتير تعاقدية بين ابناء البلد حكاما ومحكومين. وما لم يحدث ذلك فسيتواصل التوتر الامني والسياسي وستظل المنطقة تغلي على مرجل من نار، الامر الذي سيؤدي لانفجار اوضاعها وتكرار التجارب المرة التي مرت بها شعوبها.

سعيد الشهابي
المصدر: القدس العربي