الصلح والإصلاح بين مختلف مكونات سوريا وبلورة مشروعٍ وطني

يمرُّ السوري في عموم البلد بمرحلةٍ أصعب، يبحث عن الأمن والأمان ولقمة العيش ومقومات الحياة بالدرجة الأولى، ونظراً لتدهور الأوضاع في الداخل وعدم تهيئة الظروف للعودة الطوعية وخفوت بشائر الحلّ السياسي لأزمة البلاد، تتجدد موجات الهجرة إلى الغرب من بين اللاجئين في الدول المجاورة ومن الداخل أيضاً رغم المخاطر والكلف الباهظة لطرق تهريب البشر.

لا تنطلي عليه الشعارات والأكاذيب أينما كان، ولا يهمه التغني باسم الشعب والثورة والدين أو شرعية وخطابات «النظام أو المعارضة»، ما دامت تخدم أجندات ومصالح جهةٍ بعينها، ولا تجلب الحلول لأزماته، ولا تحمي وتحترم حقوق الإنسان على الأقل، وتُمارس في ظلها الانتهاكات وتُرتكب الجرائم؛ فالنظام مستمرٌ في غروره وسائرٌ في خياره الأمني- العسكري معتمداً على حلفائه روسيا وإيران وميليشيات متنوعة، وأزمات الحياة والقمع والفساد مستشرٍ في ظله، ولا يعير أية جدية للحوار مع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية علاوةً على تعطيل محادثات اللجنة الدستورية؛ أما مناطق النفوذ والاحتلال التركي فتُحكم من قبل «هيئة تحرير الشام» المصنّفة على لائحة الإرهاب العالمي والميليشيات المرتزقة التي لا تتوانى عن الاقتتال وإشاعة الفوضى والفساد تحت غطاء الائتلاف السوري – الإخواني المسلوب الإرادة والقرار والمرتهن لأجندات حكومة العدالة والتنمية، لاسيما الاستخبارات والجيش التركي يستحكمان بتلك الجماعات؛ بينما مناطق «الإدارة الذاتية في شمال وشرقي سوريا» تلقت اعتداءات من تنظيم داعش وعشرات الهجمات من الطائرات المسيّرة والمدفعية التركية لتهدد الأمن والاستقرار فيها، خاصةً في كوباني التي شهدت موجة نزوح ملحوظة هذا الصيف، فيما تتهم لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا الإدارة الذاتية بتقييد حرية التعبير للصحفيين وبالسلب غير القانوني للحرية لنحو /58000/ فرد في مخيمي الهول وروج- الحسكة، رغم أنهم أفراد أُسر عناصر داعش ويشكلون عبئاً كبيراً على الإدارة، بالإضافة إلى أنّ مناطق الإدارة تعاني من الفساد ومشاكل التعليم والقضاء وغيره وحالات تجنيد الأطفال والاعتداء على مدنيين من قبل عناصر «حركة الشبيبة الثورية» المحسوبة على حزب الاتحاد الديمقراطي PYD  دون محاسبة، عدا عن حالات وفاة/قتل في ظروف غامضة لمعتقلين في سجونها أو إخفاء قسري لبعضهم.

مناطق الإدارة الذاتية تشهد حراكاً وطنياً لا بأس به، ولمجلس سوريا الديمقراطية أنشطة وفعاليات في الداخل والخارج، وقوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي تعمل بانضباط ومشهودٌ لها في محاربة الإرهاب وتنظيم داعش؛ ولكنها بحاجة ماسّة لمكافحة الفساد وإيجاد حلولٍ لمشاكل التعليم والقضاء والأمن والاقتصاد والزراعة والطاقة وغيرها في إطارٍ قانوني مهني بالاعتماد على كوادر مختصة وبعيداً عن العقلية العسكرية والفردية والحزبية وبما يلبي حاجات ومصالح كافة شرائح المجتمع، وبما يسدّ الطريق أمام محاولات تشويه سمعة الإدارة وإضعافها.

من جانبٍ آخر يتوجب على المجتمع الدولي العمل على حمل حكومة أنقرة- التي تمارس التصعيد إلى الآن- لسحب قواتها من الأراضي السورية إلى الحدود الدولية وإعادة مناطق سيطرتها إلى السيادة السورية وإدارة أهاليها، بما يسهل العمل على السير بالمفاوضات بين النظام السوري من جهة، ومختلف أطياف المعارضة من جهة أخرى ودون إقصاء الإدارة الذاتية، وفق قرار مجلس الأمن /2254/ وبإشراف الأمم المتحدة ومساعدة وتعاون القوى الدولية الفاعلة على الساحة، وهنا لابد أن يكون هناك دور عربي فاعل ووازن في حلّ المعضلة السورية سياسياً. فلا تُحلّ أزمة سوريا بعقد صفقاتٍ بين قوى دولية أو مع حكومة دمشق تحقيقاً لمصالح آنية.

التخلي عن الشعارات الجوفاء والولوج إلى الواقعية والخطوات العملية والحوار السياسي الجدّي وفتح أفق الصلح والإصلاح بين مختلف مكونات سوريا القومية والإثنية والدينية والطائفية وغيرها، بدءًا باحترام أدنى مستويات حقوق الإنسان وقبول الآخر ونبذ الأنانية والمصالح الشخصية والأفكار المتعفنة والتطرف… يُعدُّ أمراً جوهرياً في بلورة مشروعٍ وطني والتوجه نحو حلّ أزمة بلدنا المستفحلة.

المصدر: حزب الوحـدة الديمقراطي الكردي

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.