الأقلية الشركسية في حمص بين تأييد الحريات والتخوف من المصير المجهول

اتخذت الأقلية الشركسية طيلة أعوام الثورة السورية موقف الحياد باستثناء قلّة من أبناءها في حمص رغم المضايقات التي ألمّت بهم من قبل أطراف الصراع المتمثل بكل من قوات النظام السورية وفصائل المعارضة والتنظيمات الإسلامية التي كان لها تواجد رئيسي ضمن قراهم التي يقطنونها منذ عشرات السنين في ريف حمص الشمالي الشرقي المتاخم للحدود الإدارية لريف حماة الجنوبي.

وتعتبر قرى دير فول وعسيلة وأبو همامة وتل عمري ومريج الدر بالإضافة لعين النسر من أبرز القرى التي اتخذتها الأقلية الشركسية مكاناً لإقامتها بالتزامن مع تغلغل أبناءها المثقفين ضمن مدينة حمص.

تعرض أبناء قريتي دير فول وعسلية المتاخمة لنهر العاصي شمال شرق مدينة حمص لمضايقات على المستوى الفكري من قبل الفصائل الإسلامية المتمثلة بتنظيم “الدولة الإسلامية” ومن ثم جبهة النصرة إبان سيطرتهم على تلك المنطقة منذ أوائل العام 2013 الماضي.

واتخذ عناصر الفصائل الإسلامية إجراءات تعسفية بحق أبناء الطائفة الشركسية من خلال إلزام نساءهم وفتياتهم باللباس الشرعي، ومعاقبة كل من يخالف التعليمات الصادرة عنهم، الأمر الذي دفع بالكثير من أبناء القرى الشركسية لمغادرتها نحو مناطق متفرقة من سوريا.

بالمقابل تسبب الموقع الجغرافي لقرية مريج الدر التي لا يزيد عدد قاطنيها عن 500 نسمة المتاخمة لكتيبة الهندسة شمال مدينة الرستن بنزوح سكانها خوفاً من القذائف المتبادلة ما بين قوات النظام السوري من جهة والفصائل المعارضة والإسلامية من جهة أخرى.

مصادر المرصد السوري في حمص قالت إن أبناء الأقلية الشركسية لم يكن لديهم خلافات مع باقي الإثنيات والقوميات الأخرى على امتداد الأعوام التي أمضوها في حمص، وأن فكرهم المنفتح كان يدعم الديمقراطية والتحرر ويرفض العنف بكافة  أشكاله، غير أن تعدادهم الذي لا يتخطى الـ 60 ألف نسمة على مختلف البقاع السورية حال دون تدخلهم بالصراعات، والحرب التي شهدتها محافظة حمص بين معارضي وداعمي النظام السوري.

وتحولت قرية تل عمري المتاخمة لأوتوستراد حمص-الرقة إلى ثكنة عسكرية خاصة بقوات النظام السوري والميليشيات الداعمة له، ما أجبر سكانها (نحو 900) شخص لمغادرتها نحو مدينة حمص ولا سيما الجزء الغربي من “حي البياضة” الذي تقطنه عشرات العائلات الشركسية منذ عشرات السنين.

بالمقابل آثرت عدّة عوائل على البقاء داخل قريتي دير فول وأبو همامة رغم خضوعهما لسيطرة مقاتلي تنظيم الدولة مع التزامهم بالتعليمات الخاصة بارتداء الزي الإسلامي.

وأقدمت مجموعة من الشبان على تشكيل مجموعة مسلحة خاصة بأبناء القرى الشركسية تحت ذريعة التصدي لهجمات قوات النظام السوري، إلا أن الواقع كان على عكس ذلك إذّ اقتصرت مهامهم على حماية ممتلكاتهم وأرواحهم من اعتداءات عناصر التنظيم وقوات فصائل المعارضة لا سيما “كتيبة الصوص” التي عاثت فساداً بأبناء قرية دير فول ونهبت الكثير من أموال أبناءها قبل أن يتم مهاجمة مقره العسكري الذي اتخذه بالقرب من “مروحة الجبل” وإعدامه ميداناً على يدّ أبناء المنطقة في أواخر العام 2013.

وعلى الرغم من غياب التشكيلات العسكرية المعارضة للنظام السوري من أبناء الأقلية الشركسية إلا أنهم اثبتوا تواجدهم على الساحة السياسية من خلال مشاركة الدكتور وائل مرزا بتأسيس المجلس الوطني السوري المعارض، ونائبة رئيس الائتلاف المعارض سلوى أكسوي، بالإضافة للمشاركات العديدة لرسام كاريكاتير موفق قات الذي نال من الأسد ما ناله من رسومات تفضح ممارساته القمعية بحق أبناء الشعب السوري.

وحافظ أبناء الأقلية الشركسية المقيمين ضمن قرى ريف حمص الشمالي على أسماء قراهم بعيداً عن المسميات الرسمية المتعارف عليها بين أبناء المنطقة، والمتمثلة على النحو التالي: تليل (ناجاحابل) ثم مريج الدر (خوساي) ثم عسيلة (ينم) وأبو همامة (خوساي تسوك) وتل عمري (جاجاحابل) وعين النسر (قوانتشقة حابل)

وبعد انقضاء الحرب التي شهدتها محافظة حمص منذ أوائل العام 2011 ولغاية منتصف شهر مايو/أيار من العام 2018 الماضي لا يزال شريحة واسعة من أبناء الأقلية الشركسية يفضلوا البقاء ضمن المدن على العودة إلى قراهم بريف حمص الشمالي بعدما تهدمت منازلهم بشكل شبه تام، وباتت تلك القرى حكراً على بعض كبار السنّ والشبان الرافضين الالتحاق بأداء خدمة العلم لدى النظام السوري.