الطائفية ليست أقل خطرًا من الإرهاب

56
الحرب على الإرهاب تأخذ جل اهتمامنا وتركيزنا منذ فترة غير قصيرة، وهو اهتمام مستحق ومطلوب نظرًا للمخاطر التي يشكلها الإرهاب على المنطقة والعالم. من هنا رأينا الجيوش تحشد، والمؤتمرات تعقد، والاجتماعات تنتظم والحروب تكاد لا تتوقف أو تهدأ في مواجهة آفة الإرهاب وخطره. في المقابل نسمع كلامًا كثيرًا عن خطر آخر يهدد المنطقة ويغرقها في دوامة من النزاعات والحروب، ألا وهو خطر الطائفية التي تنخر في الجسد العربي، لكننا لا نرى هذا الكلام يترجم إلى جهود مماثلة لتلك الجهود والموارد التي تخصص للحرب على الإرهاب.
في تقديري أن خطر الطائفية لا يقل عن خطر الإرهاب، والحرب للقضاء عليها يجب ألا تكون أقل شراسة، إن لم تكن أقوى وأشد. هذا الأمر لا يعني التقليل من خطر الإرهاب، أو دعوة للتهاون في الحرب لاجتثاثه، فالحرب على جبهة لا يعني إهمال الجبهة الأخرى خصوصًا إذا كان الخطر الآتي منها لا يقل إن لم يزد خطرًا. وفي كل الأحوال فإنه لم يعد خافيًا التداخل الذي يحدث بين الإرهاب والطائفية في العالمين العربي والإسلامي. فأينما حل الإرهاب تستيقظ النزعات الطائفية، أو تزداد حدة واشتعالًا. فتنظيمات الإرهاب لا تعرف معنى الحوار مع الآخر، ولا تؤمن به أصلًا، لأنها تريد فرض منهجها ورؤيتها بالقوة وبالترهيب رافضة كل فكر يخالف فكرها، أو رأي لا يتماشى مع هواها. كذلك أدرك الإرهابيون أن الطائفية سلاح فتاك يمكنهم استخدامه ضمن ترسانة أسلحتهم لضرب الاستقرار، وتقويض السلم الاجتماعي لتوسيع مشاعر الانقسام أو دائرة الحروب في المناطق أو الدول التي يستهدفونها.
في العراق على سبيل المثال سعت «القاعدة» وبعدها «داعش» إلى تأجيج النعرات والمخاوف الطائفية، فرأينا استهداف المسيحيين والإيزيديين والآشوريين بطريقة ممنهجة، وتصعيدًا حادًا في خطاب العداء المذهبي لتأجيج الاقتتال السني – الشيعي، هذا مع العلم بأنه حتى السنة ذاقوا المعاناة الشديدة في المناطق التي سيطر عليها الإرهابيون. لم يخترع «داعش» و«القاعدة» الطائفية في العراق لكن التنظيمين عرفا كيف يستخدمانها ويؤججانها لتوسيع دائرة الاحتراب، ولبسط سيطرتهما على بعض المناطق وتجنيد المقاتلين. في الجانب المقابل وظفت الميليشيات الشيعية أيضا ورقة الطائفية واستخدمتها بذات الطريقة التي استخدمها بها متطرفو السنة وتنظيمات الإرهاب.
المفارقة الخطيرة أن الحرب على «داعش» باتت تستغل في تأجيج الطائفية. فعندما تستخدم ميليشيات «الحشد الشعبي» كرأس الرمح في العمليات ضد «داعش»، تكون النتيجة صب المزيد من الزيت على نار الطائفية، وهذا ما رأيناه أخيرا في تكريت. ترافق دخول القوات العراقية وميليشيات «الحشد الشعبي» للمدينة وطرد «داعش» منها، مع عمليات سلب ونهب واسعة، وحرق للمنازل أثارت غضبًا وسخطًا، بل ومخاوف في مناطق سنية أخرى باتت تتحسب من وصول هذه الميليشيات إليها في إطار الحرب على «داعش». مثل هذه المخاوف تصب في مصلحة الإرهابيين وقد تدفع بعض الأطراف للتحالف معهم، وهكذا يستمر الدوران في حلقة الإرهاب وتأجيج الطائفية.
وليس سرًا أن هناك أطرافًا كثيرة تتهم أميركا بتشجيع التدخل الإيراني في العراق، وترى أن مشاركة طهران في الحرب على «داعش» تؤجج المشاعر الطائفية وتوسع دائرة الحرب الإقليمية المحتدمة تحت السطح.
ما يقال عن العراق يمكن أن يقال إلى حد كبير أيضا عن سوريا التي كان واضحًا فيها البعد الطائفي للنزاع منذ أن حرفت الثورة الشعبية عن مسارها واكتسب النزاع طابعًا عسكريًا. دخول الجماعات المتطرفة والإرهابية على الخط أجج بالطبع النزعة الطائفية، مثلما أن التدخلات الخارجية أعطت للصراع بعدًا أكبر وحولته إلى حرب إقليمية تتقاطع فيها العوامل السياسية والمذهبية.
اليوم تمتد النيران إلى اليمن ويتداخل فيها مزيج الصراعات السياسية والقبلية مع التشابكات المذهبية، وامتدادات الحرب الإقليمية. وهنا أيضا لا يغيب الإرهاب عن الصورة، إذ تنشط «القاعدة» وتحاول الآن استغلال الأحداث مثلما حدث عندما هاجم التنظيم سجن المكلا وأطلق السجناء ومن بينهم قائد «القاعدة» في أبين وعدد من أتباعه، ثم انطلق ليهاجم منشآت حكومية وأمنية أخرى.
ما يحدث في العراق أو سوريا أو اليمن ليس سوى جزء من الصورة، لأن المنطقة كلها تبدو محاصرة اليوم بنيران الإرهاب والطائفية. المحير أنه قبل سنوات قليلة بدا أن الإرهاب ينحسر وأن شوكته قد كسرت في عدد من الدول بفضل مزيج من الإجراءات الأمنية والقيود المالية والتعاون الدولي في ملاحقة المطلوبين. لكنه يعود اليوم بقوة متلازما مع نيران الطائفية التي جرى النفخ فيها لفترة طويلة، فلم يعد ممكنًا في ظل هذه الظروف نجاح الحرب على الإرهاب، من دون شن حرب مماثلة على الطائفية. وإذا كان الإرهاب قد ينجو منه البعض، فإن الطائفية لن يسلم منها أحد إذا لم تطفأ نيرانها.
عثمان ميرغني
الشرق الاوسط