العائدون السوريون من لبنان: لا ضمانات بحمايتهم من الانتهاكات

“ضُيّق علينا حتى باتت العودة إلى المجهول أرحم من البقاء في المخيمات”، يقول أبو محمد الذي قرر العودة إلى بلدته في منطقة القلمون بريف دمشق من مخيمات عرسال اللبنانية، بعد استئناف السلطات اللبنانية إعادة لاجئين سوريين إلى بلادهم، في خطوة تلاقي انتقادات واسعة من المنظمات الدولية. ويعترف أبو محمد أن عودته مع عائلته “محفوفة بالمخاطر”، ولكنه يشير إلى أنها “خيار مرّ بعد أن تم تخفيف الدعم الإغاثي للمخيمات”.

وبدأت السلطات اللبنانية الأربعاء الماضي استئناف إعادة اللاجئين السوريين على دفعات والتي كانت بدأتها عام 2017، وتوقفت خلال تفشي وباء كورونا منذ عام 2020. لكن هذه الخطوة قوبلت بانتقادات واسعة، نظراً للمصير المجهول الذي ينتظر العائدين.

وتتخوّف المنظمات الدولية من تعرّض هؤلاء اللاجئين العائدين إلى بلادهم من الأراضي اللبنانية إلى “انتهاكات جسيمة”، خصوصاً أن الغالبية بينهم أجبروا على العودة بسبب التضييق الذي مُورس بحقهم على مدى سنوات.

ولفت الصحافي السوري الموجود في لبنان سامر سلوم، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن الدفعة الأولى عادت من مخيمات عرسال ومن عكار والبقاع الأوسط، موضحاً أن الدفعة الأولى ضمت لاجئين من مناطق سورية عدة، ولم تكن مقتصرة على لاجئين من منطقة سورية بعينها.

وأشار إلى أن الحكومة اللبنانية “تنوي ترحيل 850 عائلة سورية خلال العام الحالي”، مضيفاً: “لا توجد عودة طوعية كما تروّج وسائل إعلام لبنانية، وما يجري عملية ترحيل واضحة للاجئين السوريين. لم تكن عودة طوعية على الإطلاق”.

وفي السياق، نائب محافظ ريف دمشق، جاسم المحمود، لإذاعة “شام أف أم” المحلية إن 90 في المائة من النازحين العائدين في الفوج الأول هم من بلدات القلمون والنبك وقارة وجريجير غربي سورية، مشيراً إلى أن المحافظة جهّزت لهم معبراً لوجستياً مع سيارات الإسعاف، وعيادات متنقلة، إضافة إلى تأمين مراكز إيواء للعائدين.

من جهته، أوضح الناشط الإعلامي أبو مجد القلموني، الموجود في مخيمات عرسال، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “العدد الذي كان مفترضاً أن يعود في الدفعة الأولى هو 335 عائلة، ولكنه تقلص إلى 511 شخصاً لأن البعض مطلوب من الأجهزة الأمنية لدى النظام، لذا تم تأجيل عودتهم إلى الأربعاء المقبل”.

ولفت القلموني إلى أن الأمن العام اللبناني “يرسل القوائم إلى الأجهزة الأمنية السورية للحصول على موافقتها على الأسماء الموجودة فيها”، مضيفاً: “هذه الأجهزة رفضت عودة بعض الأسماء إلى بلادهم”. وأشار إلى أن العائدين في الدفعة ينحدرون من بلدات: قارة، السحل، فليطة، المعرة، يبرود، معرة يبرود، رأس العين.

مخاوف من الانتهاكات بحق العائدين

وأفاد بأن النظام وضع العائدين في مراكز إيواء والبعض منهم سُمح له بالعودة إلى منازلهم في بلداتهم، مشيراً إلى أنه “حتى اللحظة لم نسمع عن انتهاكات بحق العائدين”، مستدركاً بالقول: “ربما لن يتعرض النظام للعائدين في الوقت الراهن، ولكن من المتوقع أن تُمارس انتهاكات بحق البعض منهم بعد مرور وقت من عودتهم، كما حدث مع عائدين في عام 2017”.

وأشار القلموني إلى أن أغلب العائدين، الذين سجلوا أسماءهم لدى السلطات اللبنانية لجدولة عودتهم: “هم من النساء والمسنين والأطفال”، مؤكداً أن المطلوبين للأجهزة الأمنية أو للخدمة الإجبارية في قوات النظام “لديهم مخاوف من العودة، ولا أعتقد أن أحداً منهم يمكن أن يعود”.

وكان المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم قد قال قبل أيام إن بلاده لن تجبر أي لاجئ على العودة إلى سورية. وأوضح أن هناك مليونين و80 ألف نازح سوري موجودون حالياً في لبنان، وقرابة 540 ألف سوري عادوا طوعاً إلى بلدهم منذ بدء الخطة عام 2017.

وكانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قد أكدت في العام الماضي أن اللاجئين السوريين الذين عادوا إلى بلادهم من لبنان والأردن بين 2017 و2021، واجهوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واضطهادات على يد النظام والمليشيات التابعة له.

كما أكدت أنها وثقت 21 حالة اعتقال واحتجاز تعسفي، و13 حالة تعذيب، وثلاث حالات اختطاف، وخمس حالات قتل خارج نطاق القضاء، و17 حالة اختفاء قسري، وحالة عنف جنسي. وحمّلت منظمات وشبكات إنسانية سورية ودولية الحكومة اللبنانية مسؤولية ما سيتعرض إليه المجبرون على العودة إلى سورية من انتهاكات “شنيعة” من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، الذي يبدو أنه غير مكترث بتسهيل عودة السوريين إلى بلادهم.

وفي هذا الصدد، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “العودة بسبب التضييق من قبل السلطات اللبنانية هي شكل من أشكال العودة القسرية”.

وأشار إلى أن اللاجئين السوريين: “لا يحصلون على الإقامات ومن ثم لا يمكنهم التحرك، ولا يحصل أطفالهم على التعليم المناسب”، مضيفاً: “هناك خطاب عنصري من المسؤولين اللبنانيين الذين يحمّلون اللاجئين مسؤولية الضائقة الاقتصادية التي يمر بها لبنان، ومن ثم هذه الظروف تجبر اللاجئ على العودة”.

وأشار عبد الغني إلى أن هناك تنسيقاً بين جهاز الأمن العام في لبنان وبين الأجهزة الأمنية التابعة للنظام التي لا توافق على عودة البعض، مضيفاً: “حتى الذين وافق النظام على عودتهم لا ضمانات كافية لعدم تعرّضهم لانتهاكات جسيمة، لأن الأجهزة تعمل خارج نطاق القوانين في سورية، فهي أجهزة مارقة”.

وتابع: “لدينا مخاوف جدية من تعرّض العائدين لانتهاكات، لا سيما أن الشبكة سجّلت انتهاكات بحق لاجئين عادوا إلى بلادهم، وبحق نازحين وصلت إلى حد الإخفاء القسري والموت تحت التعذيب. وندعو الحكومة اللبنانية للتوقف عن إعادة أي لاجئ سوري في لبنان”.

أرقام العائدين

وأوضح عبد الغني أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت منذ مطلع عام 2014 حتى أكتوبر/ تشرين الأول الحالي ما لا يقل عن 3083 حالة اعتقال، بينها 244 طفلاً و207 نساء، للاجئين عادوا من دول اللجوء أو الإقامة إلى مناطق إقامتهم في سورية، جميعهم تم اعتقالهم على يد قوات النظام.

وأشار إلى أن النظام “أفرج عن 1887 حالة وبقي 1196 حالة اعتقال، تحوّل 864 منها إلى حالة اختفاء قسري، ومعظمهم كانوا قد عادوا من لبنان وتركيا والأردن”.

وأضاف عبد الغني: “سجلنا في ذات المدة اعتقال ما لا يقل عن 914 نازحاً عادوا إلى مناطق يسيطر عليها النظام، من بينهم 22 طفلاً و19 امرأة، أفرج النظام عن 132 حالة وبقي 782 حالات، تحوّل منهم 537 إلى مختفين قسرياً، وسجلنا أن النظام بعد أن أفرج عن 132 حالة، عاد واحتجز عدداً منهم، وأجبرهم على الالتحاق بالتجنيد العسكري”.

وبدأت حركة اللجوء إلى لبنان أواخر عام 2011 مع بدء الحرب المفتوحة التي شنها النظام ضد المناطق السورية القريبة من لبنان والمطالبة بالتغيير بالبلاد. واضطر عدد كبير من أهالي القلمون الغربي في ريف دمشق لعبور حدود بلادهم مع لبنان طلبا للحماية، خصوصاً من القرى والبلدات المتاخمة للحدود، وأبرزها عسال الورد وجريجير وحوش عرب والمشرفة والصرخة ويبرود وراس المعرة ومن رنكوس، وكلها تقع على سفح القلمون الغربي.

كما لجأ سكان في مدينة حمص وفي ريفها الغربي، ولا سيما من منطقة القصير، إلى الجانب اللبناني في السنوات الأولى من الحرب، فضلاً عن سوريين من مختلف المناطق السورية الأخرى بحثاً عن الأمان المفقود في بلادهم.

وأقام الآلاف من اللاجئين في مخيمات داخل لبنان، خصوصاً في منطقة عرسال القريبة من الحدود (أكثر من 130 مخيماً، وكل مخيم يضم من 50 إلى 100 خيمة)، وفي مناطق أخرى، إلا أن القاطنين في هذه المخيمات لطالما عانوا من الظروف الجوية القاسية في فصل الشتاء، أو احتراق الخيم في بقية الفصول.

المصدر: العربي الجديد