العالم يكسب المعركة مع «داعش» على الانترنت

فلنلقِ نظرة على الفكرة السائدة حول خسارة الائتلاف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش» الارهابي حربه الرقمية ضد هذا التنظيم. فـ «داعش» يدّعي النجاح في استخدام الانترنت لجذب المقاتلين الى صفوفه ولتوثيق حملاتهم الناجحة. والآن، فلنلقِ نظرة إلى الواقع: لم تحصد الفيديوهات الإرهابية التي تعرض العمليات البربرية لقطع الرؤوس وعمليات الإعدام البطيء سوى على موافقة عدد قليل جداً بين المسلمين. فـ 1% فقط من أصل بليون و600 مليون مسلم حول العالم يوافقون على منهجهم. هذه النسبة تعتبر صغيرة بالفعل ولكنها لا تعني البتة أن الوضع سليم. لذلك، فلنحلل أكثر هذه الأرقام:

من جهة أخرى، فلننظر إلى ما يسميه الإعلاميون «المشاركة». ثمة 230 ألف ذكر للتنظيم الإرهابي على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي في يوم عادي خلال العام الماضي. قد يبدو الرقم ضخماً ولكن الأمور تتغيّر إذا نظرنا إليها من المنظار الآتي: هذا الرقم هو بمثابة كرة بينغ بونغ صغيرة مقارنةً مع الحديث عن كرة القدم الأميركية عبر الانترنت، الذي يعدّ حوالى 1.5 مليون ذكر له – وهو ليس إلا… كرة. فليس لـ «داعش» حصة كبيرة على الانترنت. وبحسب مركز اتصالات مكافحة الإرهاب الإستراتيجي التابع للحكومة الأميركية، تأتي غالبية ذكر «داعش» بطريقة سلبية. وبعبارة أخرى، فان محتوى وسائل التواصل الاجتماعي حول «داعش» أكثره سلبي ويزداد يوماً بعد يوم. ولا يمكن اعتبار هذا المسار مساراً رابحاً في الحرب.

ويعتقد المحللون أن ما بين 500 وألفي مناصر لـ «داعش» على الانترنت هم مسؤولون عن نشر الأخبار والروابط عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتصف دراسة أجريت في مؤسسة «بروكينغز» مناصري «داعش» بأنهم «مجموعة صغيرة نسبياً من المستخدمين المفرطي النشاط على مواقع التواصل الاجتماعي وأغلبهم من مناطق تقع تحت سيطرة التنظيم في العراق وسورية.

والحق أن «داعش» هو منتج جيد جداً تسويقياً وهو يطمح إلى تخويف العالم من خلال استخدام سياسة الصدمة والرعب التي كانت سائدة في العصور الوسطى. وقد نجح في ذلك. ألا ان الأولية بالنسبة اليه تبقى خداع المقاتلين الأجانب واستدراجهم إلى حلبة المعركة. فالمقاتلون الأجانب الذي استدرجهم حتى الآن لا يشكلون سوى 0.001% من المسلمين في العالم.

وتجدر الإشارة إلى أن الرسالة التي يحاول «داعش» نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي هي رسالة جذابة لأن هؤلاء الشبان يبحثون عن معنى وهدف لحياتهم. فالمحتوى الموجّه لهم غالباً ما يكون راقياً وبطولياً ودافعاً الى نصرة الآخرين. وفي السنة المنصرمة، تعلّمنا الكثير عن أكثر الطرق فعاليةً في الرد على رسائل «داعش» وكيفية استهداف الجمهور الأكثر عرضةً إلى تصديقها.

فلنتكلّم أوّلاً عن الجمهور الصغير من المقاتلين المحتملين. فالرسائل المضادة الأكثر قوة هي تلك التي تعتمد على وقائع لفضح الزيف عن الصورة المثالية التي يحاول «داعش» إعطاءها لـ «الخليفة». فكثير من الرسائل الإلكترونية التي تم اعتراضها تظهر كم خاب أملهم. وهم يعربون عن خيبة أملهم بأن أمور «دولة الخلافة» لا تسير على خير ما يرام. فهم يتعرضون للتمييز. بعضهم يشكو من عدم نظافة الحمامات ومن عدم دفع المعاشات ومن عدم إيجاد زوجة. والأسوأ من ذلك بالنسبة إلى هؤلاء المقاتلين الذين خاب أملهم هو أن الولوج إلى الانترنت محدود في «دولة الخلافة». ونحن نركّز على كل هذه النقاط.

يُعتبر النفاذ إلى جمهور المسلمين على نطاق عالميّ أوسع بالأهمّية ذاتها. ونحن نسهم، بالتعاون مع حلفائنا، في خرق أساطير «داعش»، باللجوء إلى حملات واضحة الأهداف ومصممة بحسب الحاجات المحلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إلى ذلك، نعمل على تشييد مراكز معلومات متخصّصة في العالم الإسلامي، هدفها التصدّي لرسائل «داعش» وتوفير حلّ بديل إيجابي لها. وفي مطلع تمّوز (يوليو)، سافرتُ إلى أبوظبي لافتتاح «مركز صواب»، وهو مشروع مشترك بين الولايات المتّحدة والإمارات العربيّة المتّحدة، تمّ تزويده بخبراء إعلام وتكنولوجيا من الدولتين، ليكون أوّل مركز اتّصالات يكرّس نشاطه لاستحداث محتوى باللغتين العربيّة والإنكليزيّة لتحدي «داعش» مباشرة ونقض الرؤية المدمّرة التي يروّج لها، مع العمل في الوقت عينه على توفير حلول بديلة بنّاءة وأكثر جاذبيّةً.

أعلن الرئيس أوباما مؤخراً أنّ «الإيديولوجيات لا تُهزَم بالأسلحة، بل بأفكار أفضل». ووسط تنافس الأفكار هذا، تأتي الأرقام لمصلحتنا، مع مئات ملايين المسلمين الرافضين لـ «داعش» ولكلّ ما يدافع عنه هذا التنظيم. وبدعم من الولايات المتّحدة ومن شركائنا في الشرق الأوسط، سيتمكّن عدد متزايد من هؤلاء الناس من إسماع أصواتهم. فمتى كانت مسألة حرب إعلام، يكتسب التحالف لتجريد «داعش» وهزيمته أهميةً وزخماً.

 

 

* نائب وزير الخارجية الأميركي للديبلوماسية والشؤون العامة

ريتشارد ستينغل

المصدر : الحياةش