العدوان التركي المنتظر..

شهد مناطق شمال وشرق سوريا، هذه الأيام، نوبة من نوبات الخرب التركية المعتادة على الأكراد، وتتخذ شكل هجمات جوية، تستهدف البنية التحتية، ومواقع الطاقة والثروة النفطية، ولا يسلم المدنيون أو المقاتلون، ويلوّح النظام التركي باجتياح بري للشمال السوري!

وسوريا دولة عربية مستقلة، عضو جامعة الدول العربية، وعضو في منظمة الأمم المتحدة، ولا شك أن هذا يجب أن يحصنها ضد أي اعتداءات من أي دولة خاصة إذا كانت جارة.

 

 

الغريب أن يحدث ذلك، وسط محاولات أممية لتجفيف العنف الدولي الناتج عن الحرب الروسية الاوكرانية، فكيف يتم السماح بفتح جبهات جديدة؟

 

 

فإذا كانت هناك مصالح مستجدة فيجب أن تكون قائمة على الاستقرار، وعدم فتح جبهات جديدة، خاصة بعد عانت المنطقة من توترات وصلت إلى حروب أهلية.

 

 

واللافت هنا وجود تغافل من الحكومة السورية، على ما يبدو تلمسًا للخلاص من صداع الإدارة الذاتية، بآلة الحرب التركية!

 

 

وهي حرب مستجدة تقوم على أخطاء حسابية من جميع الأطراف المشاركة، فإذا كان لأنقرة أهداف، والأكراد تصور، وقضية، فما الذي يجعل المعارضة السورية تنخرط في لعبة الموت هذه؟
الكرد ضحية تاريخية، ولكن هناك أخطاء موروثة، وأخرى مستجدة مفروضة، وأعتقد أن الوقت قد حان للتخلص من هذه وتلك.

 

 

لقد ترافقت تلك الحملات مع أكاذيب وافتراءات، طالت الكرد، وعقائدهم، وطموحاتهم، وقد بدأ هذا الاستهداف مع انهيار المؤسسات الأمنية للدولة السورية، وتمدد التنظيمات الإرهابية في أراضي وجود الكرد في شمال وشرق سوريا، وتصاعد مع احتلال تنظيم داعش لمدينة الموصل العراقية، وإعلان دولتهم المزعومة في العراق والشام، ومثل احتلال داعش لشمال وشرق سوريا، واتخاذ مدينة الرقة عاصمة له، نقطة فارقة في الصراع، حيث أعلنت التنظيمات الثورية الكردية النفير، وحشدت الآلاف من أبناء مناطق شمال وشرق سوريا، بغية تطهير أراضيهم من الاحتلال الداعشي البغيض، واستطاعت قوات سوريا الديمقراطية، ووحدات حماية المرأة التي تضم كل مكونات الشعب السوري، بأطيافه المتعددة، وبدعم جوي من قوات التحالف الدولي، دحر قوات الإرهاب الداعشي المدعوم خارجيا في مناطق شمال وشرق سوريا.

 

 

إن الحملة التركية الجديدة على الكرد تأتي ضمن مسلسل طويل ومؤلم، من الظلم والاضطهاد الذي يتعرض له الكرد، عبر ما مدار ما يقرب من قرن من الزمان، وهو ظلم متعدد الأشكال من القوى الاستعمارية المتعددة: من عثمانية وبريطانية وغيرهما، ومازال الشعب الكردي يعاني الاضطهاد، من قبل أنظمة الدول الأربع التي توزع عليها على إثر اتفاقية «سايكس بيكو»، جراء صلابتهم وإصرارهم على التمسك بهويتهم وموروثهم الذي تتناقله الأجيال المتعاقبة.

 

 

إن الكرد هم أبناء المنطقة في الجغرافيا، وهم مشاركون في صناعة كثير من الأحداث على مستوى التاريخ الواحد، يستحقون من شعوبنا الدعم، والإسناد لقضيتهم العادلة، في الحفاظ على هويتهم وتميزهم، وهي هوية تمثل إضافة نوعية لهويتنا العربية الإسلامية.

 

 

لا يمكن إغفال أن الكرد أحد المكونات الأصيلة التي تعيش في المنطقة المسماة بالشرق الأوسط منذ آلاف السنين، جنباً إلى جنب العرب، والفرس، والتركمان، وكانوا ضمن القوميات التي استجابت للدعوة الإسلامية في بداياتها، وأسهموا بدور فاعل في نشر الدين والحضارة العربية والإسلامية بكل مكوناتها، حتى لو جدت أخطاء، فإن ذلك يمكن تفاديه بالحوار وإعطاء الحقوق المشروعة وليس المحو والطمس.

 

 

وللمفكرين والعلماء الكرد إسهامات ثقافية وفكرية مؤثرة، في ميادين العلوم والآداب، وأغنوا الحضارة الإسلامية بنتاجاتهم المتميزة في علوم الفقه، والتفسير، والحديث الشريف، وعلوم اللغة العربية، فضلاً عن دورهم في تأسيس علوم الموسيقى العربية، والتعريف بالمقامات الشرقية، وابتكار الجمل اللحنية التي صارت عليها الموسيقى الشرقية، ناهيك عن إسهاماتهم الرائدة في تجديد الشعر العربي، وتعريب وإبداع فنون الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح في العصر الحديث.

 

 

وهناك من الكرد من لعب دوراً نهضوياً، ولا يمكن نسيان رائد فكرة تحرير المرأة الذي دعا لتعليم الفتيات، وخروج المرأة من أسر المنزل، والمشاركة في العمل العام، الكاتب والمفكر والمناضل قاسم أمين الذي ينتمي لأب كردي وأم مصرية، وهو أيضاً أحد قادة الحركة الوطنية المصرية قبل ثورة 1919، وربما هذا يفسر الحضور القوي والفاعل للمرأة الكردية في المجتمعات الكردية، وقد جاءت تجربة الإدارة المشتركة، ضمن تجربة الإدارة الذاتية، تجسيداً عملياً للمكانة التي تحظى بها المرأة في الموروث الثقافي الكردي.

 

 

ولعلي هنا أضم صوتي إلى رؤية الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات قسد، حين كتب، ضمن مقال له نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية: «نحن لا نطلب من أحد أن يقاتل من أجلنا. شعبي لا يزال هنا، لأننا قاومنا وحدنا مرات لا تحصى من قبل. إذا كان لا بد من ذلك، فسنقاوم مرة أخرى. ما نطلبه هو أن يكون العالم معنا في مهمة أكثر صعوبة هي: السلام».

 

 

وأنا شخصياً أثق في أن الشعب الكردي قادر على التصدي للاعتداءات التركية المتكررة، بما يملك من إرادة وصلابة، ولكنني أتمنى على الأحرار، من شعوبنا العربية، أن يقدموا كل وسائل الدعم الممكنة لإخوتنا الأكراد، وأعتقد أن القادة العرب، خاصة الذين أبدوا تفهماً للحق الكردي، إبان خلافهم مع أردوغان، هؤلاء القادة أمامهم مسؤولية تاريخية الآن، تتمثل في دعمهم لحل سياسي للصراع المسلح الدائر بين الكرد والأتراك، وحل القضية الكردية، عبر الحوار الذي يفضي لحل سياسي، على أساس الديمقراطية والتعايش والحقوق المتساوية، بما يسهم في أن تعيش شعوب المنطقة في مناخ من الأمن والاستقرار.

 

 

وبناء على مواقف ثابتة وراسخة، سابقة وحالية، للإخوة الأكراد من الشركاء الإقليميين، فإن اللحظة الراهنة، تكشف بجلاء عن موقف الأكراد من الأشقاء والجيران التاريخيين، أنهم يرغبون في التعايش، ضمن إطار حضاري أوسع، يشمل الجميع.

 

 

وفي هذا السياق يجب أن تتقدم القوى العربية الفاعلة بإرسال إشارة واضحة إلى الأتراك، بألا يواصلوا هذا النهج الدامي مع جيرانهم العرب في سوريا والعراق، إذا كانوا بالفعل راغبين في «صفر مشاكل» كما يدعون.. وإنا لمنتظرون.

الكاتب: إلهامي المليجي

المصدر: المصري اليوم