العقيد طيار ركن قاسم سعد الدين للمرصد السوري: فكرة المجلس العسكري قد تكون خارطة طريق آمنة.. والنظام السوري سقط أخلاقيا وشعبيا وشرعيا وقانونيا وسياسيا.. وجميع دول أصدقاء الشعب السوري قد خذلوا الثورة والمعارضة

عاشت سورية عقدا كاملا من الفوضى والحرب الوحشية المدمرة، ما أدى إلى نزوح الملايين من أبنائها واستشهاد وقتل الآلاف في أكبر حروب القرن 21، بعد انتفاضة شعبية مسالمة طالبت بإحداث تغييرات سياسية وتوفير أبسط مقومات الحياة الكريمة والعيش بحرية، تلك الحرب التي غذّتها التدخلات الأجنبية المقيتة التي قسّمت الشعب السوري وجعلت الصراع طائفيا بعد أن كان سياسيا بامتياز.
واضطرّ مئات الضباط إلى الانشقاق عن الجيش السوري وتشكيل جسم آخر تحت مسمى “الجيش السوري الحر” ومن ضمنهم العقيد طيار ركن قاسم سعد الدين.
وأجرى المرصد السوري لحقوق الإنسان مقابلة صحفية مع العقيد قاسم الذي تحدّث عن المجلس العسكري وترحيب الضباط المنشقين بالفكرة، وعن أهمية تنفيذ القرارات الأممية لإنقاذ مستقبل الشعب السوري الذي بات مهددا، لافتا إلى الدور الروسي لحماية النظام الذي كان منهكا وعلى وشك السقوط.

س- عاد الحديث منذ فترة حول فكرة تشكيل مجلس عسكري انتقالي .. هل تؤيدون في الجيش السوري الحر هذه الفكرة، وهل الفكرة قادرة على أن تكون مفتاحا للحل في سورية؟

ج- إن النظر إلى الواقع الميداني والسياسي المخزي الذي وصلت إليه سورية بشكل عام وبسبب تعنت النظام وداعميه بالتمسك بالحل العسكري بالإضافة إلى التشتت والتشرذم والتبعية وحالة الارتهان التي خلقتها فوضى الحرب لاترقى أبدا إلى تلبية طموح الشعب السوري في الحصول على حريته وكرامته التي ضحّى من أجلها خلال طيلة عشر سنوات.. هنا ومن حرصنا الشديد كضباط أحرار بادرنا إلى دعم فكرة تشكيل المجلس العسكري الذي يضم خيرة الضباط السوريين الوطنيين من جميع الأطراف المتصارعة، لنتجاوز معا كل الخلافات والأحقاد التي خلقتها الحرب في سورية والتي لم تُحسَم لصالح أي طرف من الأطراف، لتكون فكرة المجلس العسكري خارطة طريق آمنة تعيد بناء الثقة على أسس وطنية بعيدا عن التخندقات والأجندات المرحلية الضيقة، للوصول إلى حل يكون فيه المجلس العسكري ضمن مرحلة انتقالية كاملة برعاية المجتمع الدولي كما نصت قراراته في هذا الشأن بدءً بقرار جنيف 1 وانتهاءً بقرار 2254 وماتضمّن في بنوده التي كانت أهمها تشكيل جسم سياسي انتقالي يكون جسرا تنتقل فيه سورية من حالة الفوضى والحرب إلى حالة الأمن والاستقرار والبناء.

س- برأيكم سيدي العقيد، عشر سنوات على مرور الثورة السورية، لماذا لم يسقط النظام الذي تصفونه بالقمعي كما سقط عدد من الأنظمة العربية؟

ج- النظام القمعي السوري سقط أخلاقيا وشعبيا وشرعيا وقانونيا وسياسيا وحتى عسكريا منذ اللحظة الأولى للثورة السورية، عندما بدأ هذا النظام المجرم بحرب الإبادة باستخدامه كافة الأسلحة المحرمة دوليا ومنها السلاح الجرثومي والكيماوي ضد شعبنا السوري الأعزل الذي خرج مطالبا بحريته وكرامته وإسقاط هذا النظام المستبد، ولكن طبيعة هذا النظام الإجرامية المافيوزية الشمولية الطائفية جعلته مختلفا عن باقي الأنظمة العربية التي أسقطتها ثورات”الربيع العربي”، عدا عن موقع سورية الجغرافي الحساس الذي يتناول اهتمام دول الجوار والعالم أجمع..
أيضا هذا النظام وعلى مدى 50 عاما استطاع نسج علاقات دولية وإقليمية معقّدة بتبنّيه ملفات أمنية ودولية على مستوى المنطقة، بالإضافة على خلقه توازنا مهمّا بعلاقاته بين المعسكر الشرقي الروسي- الإيراني -الصيني والمعسكر الغربي المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين وفي المنطقة، وكلنا نعلم التدخل الروسي- الإيراني المباشر وميليشياتهما في المنطقة لإنقاذ هذا النظام، وبالطرف الآخر لم نرَ أي دور حقيقي لدول أصدقاء الشعب السوري في نصرته أو الدفاع عنه..

س- قدم الرئيس التركي أردوغان سيناريوهات لنظيره الأمريكي جوزيف بايدن لإنهاء التراجيديا السورية، ومن بين هذه السيناريوهات وقف دعم الأكراد شمال سورية ودعم المعارضة السورية عوض ذلك .. هل تتفقون مع هذا السيناريو؟ ثم ألا ترون إن أمريكا قد خذلت المعارضة ؟

ج- أعتقد أن كل دول العالم وخاصة المنخرطة بالشأن السوري تعمل وفقا لمصالحها، وما تطرحه تركيا قبل كل شيء يدعم مصلحتها الوطنية، وهذا حق مشروع لها بغياب الحل في سورية وغياب الدولة السورية القادرة على تذليل هذه المخاوف عند الأتراك بما يخصّ طموحات بعض الأحزاب الكردية التي تراها تركيا من وجهة نظرها تشكل خطرا على أمنها وبرأيي، إن دفع المجتمع الدولي إلى تنفيذ قراراته بدعم الانتقال السياسي في سورية والبدء بإعادة إعمار الدولة وضمان حق المواطنة لجميع أطياف الشعب السوري وبناء المجتمع السوري الواحد بشكل حضاري وديمقراطي، سوف يحل كل هذه القضايا وعلى كافة المستويات الداخلية والإقليمية .
ومن المعلوم أن جميع دول أصدقاء الشعب السوري قد خذلوا الثورة والمعارضة ولم تكن أفعالهم على مستوى التصريحات، ولكن يقع اللوم الأكبر والعتب على أمريكا التي تدعي دعمها للديمقراطية وحقوق الإنسان ومساندة شعوب العالم في تقرير مصيرها، حيث إنها أخذت دور ‘المتفرج الخجول’ مما يحدث من إجرام من قبل عصابات النظام وداعميه في حق الشعب السوري الأعزل.

س- يقول معارضون سوريون إن تدخل روسيا في سورية كان نقطة فاصلة لصالح النظام واليوم باتت طرفا مهما وداعما كبيرا للنظام.. هل سعيتم للتوصل مع موسكو إلى توافق يتماشى وطموح الشعب السوري؟

ج-روسيا منذ انطلاق ثورة الشعب السوري ضد هذا النظام الطائفي القمعي وقفت سياسيا معه وهذا كان واضحا منذ أول فيتو لها في مجلس الأمن لمنع المجتمع الدولي من محاسبة هذا النظام على جرائمه، وتبلور هذا الدعم عندما تدخلت عسكريا وبشكل مباشر لدعم ميليشيات الأسد المنهارة في 2015، والحقيقة كان لهذا التدخل الدور الكبير في إنقاذ هذا النظام المجرم عسكريا والذي كان على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة..
– روسيا كانت قادرة، ومنذ السنوات الأولى، على حلّ هذا الأمر دبلوماسيا وبطريقة ناعمة بالضغط على هذا النظام لتقديم تنازلات والتي هي حق مشروع للشعب السوري الثائر، ولكنها لم تفعل ذلك بسبب تعنّتها وتبنيها لغة النظام الدكتاتوري المجرم بوصف من ثار عليه بالعصابات الإرهابية المسلحة، وللأسف لازالت متمسّكة بهذا الخطاب غير المقبول والذي لم يقدم أي نجاح حتى في مساراتها ولقاءاتها التي عقدتها في أستانا وسوتشي بعيدا عن القرارات الأممية، لهذا نحن لانجد أي مصلحة في التواصل مع الروس ما لم يغيروا من نظرتهم وسياستهم في سورية وهو التحول الكامل من دعم هذا النظام المنهار على كافة الأصعدة والذي لن يحقق لها أي مصالح في سورية أو بالأحرى لن تستطيع الحفاظ على مصالحها في سوري.

س-كيف يمكن اليوم دعم الشعب السوري؟
ج- لابد من دعم مطالب الشعب السوري عبر دعم قرارات المجتمع الدولي وخاصة ما يتضمن الانتقال السياسي في سورية بالتخلي أولا عن هذا النظام ودعم الجسم الانتقالي بمشاركة جميع أطياف الشعب السوري.

س- العقيد قاسم، بماذا تفسرون تعنت النظام في ملف المعتقلين والمغيبين قسريا ورفضه التطرق اليه ؟

ج- هناك عشرات الآلاف من المعتقلين والمغيبين قسراً تم قتل الكثير منهم تحت التعذيب وقد ظهر هذا الأمر جليا من خلال عشرات الآلاف من الصور التي استطاع المصور قيصر تسريبها ليرى العالم أجمع أبشع وأفظع أساليب التعذيب والقتل التي استخدمها النظام المجرم وأفرعه الأمنية للانتقام من الشعب السوري الثائر.
ومن المعلوم أن النظام يسعى إلى حماية نفسه من المساءلة عن هذه الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها والجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها في أقبية التعذيب مستغلا غياب العدالة الدولية لمحاسبته على هذه الجرائم ، مما دفعه لجعل ملف المعتقلين من الأرقام التفاوضية التي يستخدمها دائما للإبتزاز السياسي، ليصبح هذا الملف أولوية وبديل عن الشعارات المطالبة باسقاطه وتنحيته، ملف المعتقلين غاب في معظم القرارات الأممية الأخيرة وفي مخرجات لقاءات سوتشي واستانة، كما أنه حرص لأن يبقى هذا الملف قيد التفاوض لخلط الأوراق وتمييع القضية الأسمى من العملية التفاوضية التي بالأساس يجب أن تبدأ بالحديث عن رحيل هذا النظام وانتقال السلطة بشكل سلمي في سورية.