العلاقات ستزداد سوءاً والعقوبات

27
 تدخّل روسيا فلاديمير بوتين عسكرياً في سوريا خطأ ثانٍ يقول المتابع نفسه الذي يراقب من زمان علاقة أميركا والغرب عموماً معها. إذ في الحقيقة ليس هناك سبب استراتيجي يدفعه الى الذهاب لمساعدة الرئيس بشار الأسد على النحو الذي يشاهده العالم. طبعاً كان الرئيس الروسي منزعجاً من تغيير الأنظمة الذي كان جارياً في الدول العربية الصديقة والحليفة للاتحاد السوفياتي، وخشي أن يصبح ذلك سياسة عامة تطبّق خارج العالم العربي. وربما أراد من تدخله المحافظة على القاعدة في سوريا التي صارت الآن عسكرية فعلياً. وربما أراد أيضاً أن يصبح لاعباً مهماً في الشرق الأوسط مثلما حاول أن يفعل في أوروبا عندما تدخّل عسكرياً في جورجيا وأوكرانيا، لكن ذلك كلّه لا يبرّر “الخطأ السوري” الذي ارتكبه. ذلك أنه وقع في ورطة وعلق في منطقة ستبقى غير مستقرة لمدة طويلة. وأنا لا أعرف، يتابع المراقب نفسه، إذا كان بوتين فهم أن المشرق لا قيمة استراتيجية له لأميركا الآن. واذا كان أدرك أن قاعدته البحرية في سوريا وقواعده الجوية لا تشكل أي تهديد لها. وعلى كل حال فإن إرساله أخيراً حاملة الطائرات الوحيدة التي يمتلك الى البحر الأبيض المتوسط مع مجموعة من السفن الحربية الأصغر حجماً ليس خطوة بارعة، إلا إذا كان القصد منها الاستعراض. إذ في أي مواجهة قد تحصل مع “حلف شمال الأطلسي” فإن سفنه (أي السفن الروسية)، ستعلق في مياه المتوسط لأنه سيكون عليها مواجهة قوات بحرية موحدة أميركية وبريطانية واسبانية وفرنسية وإيطالية ويونانية وتركية. فضلاً عن أن السفن نفسها ستجد نفسها في مواجهة مع “حلف شمال الأطلسي” ومحاصرة في المتوسط بل عالقة في “فخّ”. إذ أنها لن يُسمح لها بالخروج منه عبر مضيق جبل طارق، كما عبر المضايق الموصلة الى البحر الأسود وقناة السويس وباب المندب. علماً أن روسيا الآن ستتعرض الى مزيد من العقوبات بسبب ما يجري في حلب ومسؤوليتها عنه.

هل من خطأ ثالث لم يرتكبه بوتين في رأي المتابع المراقب نفسه بعلاقة أميركا والغرب عموماً مع روسيا؟
التحركات التي نفّذها والتي تمت الإشارة إليها في “الموقف” يوم أمس وفي مطلع “الموقف” اليوم كانت كلها “خرقاء” في رأيه. لكن “أخرقها”، إذا جاز استعمال هذه الكلمة، كان قرصنة البريد الالكتروني للمجلس الوطني للحزب الديموقراطي الأميركي ولرئيسه جون بوديستا، وتسريب دفعات منه الى الاعلام. علماً أنها لم تؤذ المرشحة هيلاري كلينتون فعلياً على الأقل حتى الآن. لكنها جعلت منافسها دونالد ترامب يبدو أضحوكة، وتسبّبت له بأذى مساوٍ للأذى الذي تسببت له به أخطاؤه الكثيرة. وهناك في الاعلام الأميركي من يعتقد أن بوتين مستمر في هذه الاستراتيجية الجنونية من أجل إظهار أن الانتخابات الرئاسية الأميركية تزوّر أو يتم التلاعب بها. وهذا ما يكرره ترامب على نحو شبه يومي. وفي الاعلام نفسه هناك من يعتقد أن بوتين ينفّذ الاستراتيجيا المذكورة أملاً في أن فوز ترامب بالرئاسة سيمكّنه من التلاعب به وتحريكه وفق المصالح الروسية. وما يعزز الاعتقاد الثاني هذا غياب العقل السياسي عند ترامب واقتناعه بأنه سيقيم علاقات جيدة مع بوتين وسيتخذ نظرة جديدة أو موقفاً جديداً من مأزق شبه جزيرة القرم. والخطر في كل ذلك هو أن الاتهام المسبق بتزوير الانتخابات قد يحرّض على العنف في حال سقوط ترامب. لكن غالبية وسائل الاعلام الأميركية على تنوّعها تظهر إيمانها بنزاهة العملية الانتخابية. وفَعَل ذلك أيضاً رئيس مجلس النواب الجمهوري. لكن ذلك كله ليس كافياً. إذ على “القيادة الجمهورية” أن تنبذ أو تنكر ترامب كي لا تُلام أو تُتهم في حال حصول تمرّدات احتجاجية على “التزوير” في أكثر من ولاية. طبعاً يدرس الرئيس أوباما مع الادارات والأجهزة المعنية وسائل الرد على قرصنة بوتين، وقد تكون إحداها إيجاد وسيلة تمكّن المنشقّين الروس من “القوطبة” على الرقابة التي يفرضها على الانترنت في بلاده، ومن قرصنتها معلومات مصرفية يمكن أن يكشف تسريبها حجم الفساد الذي يرعاه في بلاده. وأياً يكن الإجراء الذي سيتخذه في هذا الشأن فإن العقوبات على روسيا ستزداد.
في اختصار العلاقة، في رأي المتابع المراقب نفسه، ستزداد سوءاً بين أميركا وإدارتها الجديدة وبوتين.

سركيس نعوم

المصدر: النهار