العلمانية رد مستقبلي على «داعش» ومثيلاته في سورية

23

لسنا الآن في صدد عرض الأسباب الكثيرة والمتنوعة التي أدت إلى نشوء تنظيمات متطرفة تكفيرية مثل «داعش» في سورية. فهناك الكثير من هذه الأسباب، بعضها محلي وبعضها دولي، بعضها ديني وبعضها سياسي، بعضها آني وبعضها إرثي. لكن، إضافة إلى كل ما يقال ويُعرض من أسباب، فإن هذه التنظيمات تقوم على أيديولوجيا دينية إسلامية تعتمد مقولة أن «الإسلام دين ودولة»، أي أن الإسلام، فضلاً عن أنه دين، هو نظام حكم وقوانين ناظمة لعلاقات الناس بعضهم ببعض وعلاقاتهم مع مؤسسات الدولة الإسلامية الحاكمة.

مسألة أن «الإسلام دين ودولة» ليست جديدة الطرح، فقد طُرحت وتمت مناقشتها والاستمرار في الجدال حولها منذ أكثر من قرن مضى. ولست هنا لأضيف جديداً على مستوى طرحها النظري، بالتالي لن أتناول صحة هذه المقولة من خطئها، فلا يعنيني ما يمكن أن يعرضه الإسلاميون في هذا الصدد. كل ما يعنيني في الأمر شكل النظام السياسي السوري الأنجع للحيلولة دون نشوء جماعات تكفيرية سورية تفرض رؤيتها الخاصة للإسلام على السوريين، مسلمين كانوا أم غير مسلمين.

التطرف والتكفير الإسلامي ينشأ حصراً من الاعتدال الإسلامي. أي لا بد للمتطرف من أن يمر بمرحلة من الاعتدال تبدأ بأن الإسلام دين، لينتقل لاحقاً إلى أن الإسلام نظام حكم توافقي يتم بناؤه بالتراضي، لينتقل بعدها إثر حادث ما أو ظاهرة ما إلى تبني الجهاد على أنه السبيل الوحيد لإقامة نظام الحكم الإسلامي.

هذا التدرج بالتفكير ممكن أن يحصل في دولة علمانية أو دولة دينية أو حتى في دولة غير علمانية تعتمد الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع، وتقيم مؤسسات إسلامية عليا كدار الإفتاء، وتعتمد القوانين الوضعية التي لا تتعارض مع الشريعة، وأهمها قوانين الأحوال الشخصية وتمييز المرأة عن الرجل، كحال الدولة السورية. لكن هناك فارقاً كبيراً بين دولة ترعى الإسلام ومؤسساته وتحض عليه، كسورية، وبين دولة تقف موقف الحياد، أو على مسافة كبيرة بينها وبين المؤسسات الدينية. ففي الحالة الأولى التي تمثلها سورية، يصبح التديّن الإسلامي ظاهرة عامة يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى تشدد إسلامي، وفي الحالة الثانية يكون ظهور التشدد الديني حالات فردية لا تشكل ظاهرة.

الآن، تنتشر في سورية مجموعات متطرفة تكفيرية عدة، أقواها وأوسعها انتشاراً وسيطرة «داعش». بعض من أعضاء هذه المجموعات والجماعات غير سوري، ولكنه قدِم إلى سوريٍّ يشبهه كان قبل الانتفاضة يتبنى ما اصطُلح على تسميته الإسلام الشعبي أو الوسطي أو المعتدل، وأمام عنف النظام وقمعه، وبعض ممارساته التي تتسم بالطائفية، يسّرت له ثقافته الدينية الانتقال إلى نهج جهادي متطرف يكفّر كل ما عداه.

لا شك في أنه على رأس سبل مواجهة انتشار هذا التطرف الآن في سورية المواجهة العسكرية والأمنية. ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق على أيدي النظام السوري، لأنه لا يستطيع أن يجمع حوله الكثير من السوريين، كون القسم الغالب منهم لا يشعر بأنه ممثَّل بهذا النظام، بل يعتبره قسم كبير من هؤلاء نظاماً غاصباً قاتلاً. فلا بد، من أجل ذلك، من تسوية سياسية تنتج عنها سلطة انتقالية تضم جميع مكونات المجتمع السوري وقواه، حتى يشعر جميع السوريين بأنهم ممثلون في هذه السلطة في شكل عادل، بخاصة السوريين السنّة منهم. بذلك، يمكن هذه السلطة أن تواجه «داعش» بالسبل العسكرية والأمنية، وبغيرها من السبل.

الحال التي وصل إليها «داعش» ومثيلاته في سورية، وما يقوم به من قتل وتدمير وتهجير وتكفير يحتّم علينا عدم القبول بنظام الحكم القائم الآن، ولا بصيغته التي كان عليها قبل الانتفاضة السورية، والتي شكلت أهم بيئة مُنْبتة لـ «داعش» ومثيلاته. فكما علينا تغيير هذا النظام إلى دولة ديموقراطية خالية من الثغرات التي يمكن الاستبداد أن يعود من خلالها بأشخاص آخرين أو بصيغة أخرى، كذلك علينا إقامة دولة علمانية لا تكون بيئة مناسبة لنشوء الجماعات الدينية المتطرفة، دولة لا ترعى أي دين ولا تنبذ أي دين، بل تقف على مسافة متساوية من جميع الأديان والمذاهب والعقائد الموجودة في سورية. تؤمّن للجميع حق ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية وفق معتقداتهم، من دون أن يكون لأي رجل دين سلطان في البلاد، ولا لأي مؤسسة دينية سطوة أو سلطة على المواطنين السوريين أو على مؤسسات الدولة السورية، وكذلك على المشرّع السوري، أي أن يبقى الدين في الصدور ودور العبادة مصاناً من جانب جميع مؤسسات الدولة.

الدولة العلمانية، كما بات مصطلحاً عليها، ليست دولة كافرة أو ملحدة، ولا تتبنى أو تشجع الكفر والإلحاد، كحالها تماماً تجاه الأديان. لكنها بالتأكيد لا تجرّم الملحد أو الإلحاد، كما لا تجرّم أية عقيدة، إذ لا يعنيها من المواطن سوى حقوقه وواجباته المتساوية والمتطابقة مع جميع المواطنين. فأمر اعتقاده وعقيدته يخصه هو ولا يخصها هي.

الدولة العلمانية هي التي تمتلك في جوهرها إمكانية أن تكون دولة عادلة، أما الدولة الدينية (أو الإسلامية كما يسميها البعض) أو نصف العلمانية فلا يمكنها البتة أن تكون دولة عادلة. ومن دون العدالة ستبقى بعض الشرائح أو المكونات السورية تشعر بالغبن، ما يدفع ببعض أفرادها إلى أن يكونوا راغبين بالتمرد على الدولة أو الانقلاب عليها في أية لحظة مناسبة.

الدولة العلمانية هذه تنبني على الأفراد وليس على الجماعات، بغض النظر عما إذا كانت هذه الجماعات دينية أو قومية. فعروبية الدولة السورية خلقت أزمة كبرى مع الكرد السوريين بعدم اعترافها بهم كمكون قومي من مكونات الشعب السوري. وقد بدأنا الآن نحصد النتائج السلبية المريبة لهذه السياسات القومجية.

وهذا ينقلنا إلى ضرورة التشديد على أن هذا النوع من الحياد الذي يجب أن تتصف به الدولة العلمانية السورية يجب أن يكون حياداً أيضاً تجاه الأيديولوجيات. أي لا يحق للحزب الحاكم، حتى لو جاء إلى السلطة بنسبة عالية من الأصوات، أن يفرض أيديولوجيته على الدولة ومؤسساتها. فقد عانى السوريون الكثير من الحيف من السلطة البعثية التي «بعثنت» الدولة بكل مؤسساتها ومفاصلها، وجعلت البعث الأيديولوجيا الوحيدة المعترف بها، ملغياً ومانعاً أي أيديولوجيا أخرى، بل إنه حرّم حرية التفكير بالمطلق خارج أيديولوجيته.

سورية، كما هو معروف، متعددة الدين والمذهب والقومية والطائفة والثقافة. ومع وجود غلبة واضحة للعرق العربي وللدين الإسلامي السنّي، فإن بقية المكونات سورية أصيلة معتدّة بأصالتها وبسوريتها. فبعضهم أقدم من العرب ومن الإسلام في البلاد، ولا يمكنهم الشعور بالعدالة والمساواة، إلا في دولة علمانية محايدة تجاه جميع الأديان وتجاه جميع الأقوام.

لا تكفي صناديق الاقتراع وحدها لتمكين العدالة أو توليد الشعور بها، فلا بد من أن تشاد هذه الصناديق على أسس الدولة العلمانية. كما أنه ليس لدينا الوقت للنهوض بإصلاح ديني تنجم عنه دولة علمانية ديموقراطية، كما يفكر البعض، بل ربما علينا أن نعمل على المضي بتجربة معاكسة للتجربة الأوروبية في هذا الشأن: أن نشيد الدولة العلمانية، ومن ثم نعمل على الإصلاح الديني في الإسلام.

لؤي حسين\ صحيفة الحياة