العملية التركية في سورية: سجال تصريحات بين واشنطن وأنقرة

لم يثنِ عدم صدور ضوء أخضر إيراني-روسي خلال القمة الثلاثية، التي جمعت رؤساء البلدان الثلاثة في طهران الثلاثاء الماضي، للعملية العسكرية التي تريد أنقرة شنها في شمال سورية ضد القوات الكردية، إضافة إلى تشديد الولايات المتحدة على شراكتها مع الأكراد في الحرب ضد “داعش”، الجانب التركي عن مخططه لتنفيذ عملية عسكرية يُتوقع أن تشمل منبج وتل رفعت، مع تمسك أنقرة بموقفها عدم “أخذ إذن” أي طرف للتحرك في سورية بغية حماية مصالحها، ملوّحة بأن عمليتها “لمكافحة الإرهاب” قد تحصل في أي لحظة. لكن العراقيل المتزايدة أمامها تطرح تساؤلات عن حدود التحرك المتوقع وما إذا كان قد يتحول إلى خطوة رمزية.

تركيا ترفض أخذ إذن للتحرك في سورية

وقبيل اجتماع مجلس الأمن القومي التركي مساء أمس الخميس في أنقرة برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان لبحث العملية العسكرية المتوقعة شمالي سورية والذي امتد لساعات عدة، ودعا بعد نهايته حلفاء تركيا في حلف شمال الأطلسي إلى تقديم الدعم لها في كفاحها ضد الوحدات الكردية، كان وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو يقول في حديث مع قناة “تي آر تي خبر” الحكومية، أمس الخميس، إن “التنظيمات الإرهابية تنفذ هجمات مباشرة ضد تركيا انطلاقاً من سورية، وهذا يؤدي إلى استشهاد الجنود والشرطة ومقتل المدنيين الأبرياء”.

ولفت إلى أن “هذا التهديد سيستمر ما دام الإرهابيون في تلك المنطقة، وتركيا لا يمكنها البقاء مكتوفة الأيدي حيال ذلك”، مضيفاً أنه “حتى اليوم، لم نأخذ الإذن من أحد لتنفيذ عملياتنا هناك ولن نفعل، ونحن متأهبون دائماً لمكافحة الإرهاب وقد نأتي بغتة ذات ليلة”.

جاووش أوغلو: لم نأخذ الإذن من أحد لتنفيذ عملياتنا في سورية، ولن نفعل، ونحن متأهبون دائماً لمكافحة الإرهاب وقد نأتي بغتة ذات ليلة

وأوضح أن تركيا علّقت عملياتها ضد “وحدات حماية الشعب” الكردية، شرق نهر الفرات، في أكتوبر/تشرين الأول 2019، في إطار تعهدات قدّمتها الولايات المتحدة وروسيا “بتطهير المنطقة من إرهابيي التنظيم، لكن هذا لم يتحقق لغاية اليوم” على حد تعبيره. وأشار إلى أن هذا الواقع دفع الإرهابيين إلى مواصلة هجماتهم ضد السوريين المعارضين، وجنود تركيا وشرطتها، وعلى أراضيها أيضاً، متسائلاً: ماذا كانت الولايات المتحدة أو روسيا ستفعلان في مثل هذه الحالة لو كانتا مكان تركيا؟

وأكد أن بلاده لديها اختلافات في الرأي مع روسيا وإيران في الملف السوري، معتبراً أن دعمهما نظام بشار الأسد غير صائب.

ويأتي هذا الإعلان بعد تأكيد أردوغان، الأربعاء، مضي بلاده في مخططها لتنفيذ عملية عسكرية شمال شرقي سورية، مع مطالبته الولايات المتحدة بسحب قواتها من شرق نهر الفرات. وأكد أن “ملف العملية (العسكرية) الجديدة شمالي سورية سيظل مدرجاً على أجندتنا إلى حين تبديد مخاوفنا المتعلقة بأمننا القومي”.

وعاد أردوغان ليزج بمسار أستانة في معرض تصريحاته بالقول إنه “وفقا للنتيجة التي خرجت بها مفاوضات عملية أستانة، فإنه ينبغي على الولايات المتحدة في الوقت الحالي مغادرة مناطق شرق نهر الفرات في سورية”.

الرد الأميركي على تصريحات أردوغان جاء دبلوماسياً، إذ أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس أن بلاده مصممة على دعم “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) كشريك في محاربة “داعش”، لافتاً إلى أن الأكراد يشكلون جزءا مهما من التحالف الدولي ضد التنظيم، وقد ساهموا في تحقيق المكاسب على الأرض.

غير أنه ربط محاربة “داعش” بمشاركة أنقرة أيضاً، قائلاً: “لدينا أهداف مشتركة في سورية مع شركائنا الأتراك، وأحد هذه الأهداف الرئيسية يتمثل في القضاء على تنظيم الدولة والعناصر المتطرفة الموجودة داخل سورية، ولا نريد تعريض هذا المسعى للخطر”.

تركيا تتفادى الصدام مع الولايات المتحدة وروسيا

وتعليقاً على هذه التطورات، رأى القيادي في المعارضة السورية المحلل العسكري فاتح حسون أنه “لا يمكن أن تقدم تركيا على أي خطوة عسكرية في سورية تؤدي إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة أو روسيا، فلها علاقات متينة مع كليهما، وهي حريصة على هذه العلاقة لحمايتها من أي صدام يؤدي إلى انتقال أي من الدولتين إلى عدو أو خصم”.

حسون: لا يمكن أن تقدم تركيا على أي خطوة عسكرية في سورية تؤدي إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة أو روسيا

ولفت حسون، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن “تصريحات الرئيس التركي المتعلقة بمكافحة الإرهاب في سورية يعني بها بالمقام الأول حزب العمال الكردستاني، الذي وضع واجهة له مليشيا قسد ووحدات الحماية الكردية وغيرها من التنظيمات الانفصالية، وهي مدعومة من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية من جهة، ومن روسيا من جهة أخرى، حسب المنطقة الجغرافية الموجودة معها”.

وأضاف: “إصرار تركيا على مكافحة هذه التنظيمات بشكل عسكري مباشر يعني ضرورة تخلي أميركا وروسيا عنها في المناطق التي ستستهدفها العملية العسكرية التركية المرتقبة، ولا يمكن البدء بالعملية من دون ذلك”، متابعاً “أعتقد أن تركيا حصلت سياسياً على ما تريد، وقد باتت عمليتها على خط الانطلاق”.

وأشار حسون إلى أن “من الحنكة السياسية التي تجيدها تركيا ألا تضطر للاصطدام بشكل مباشر مع حلفائها مهما كان الخلاف وفي هذا الملف بالذات، فهي تؤجل إطلاق عمليتها العسكرية حتى تحصل على موافقة أقل ما يمكن بعدم الاصطدام المباشر مع واشنطن وموسكو، وهذا ما أدى للتأجيلات المتكررة للعملية إن صح التعبير”.

ولكنه رأى أن “الإصرار على تنفيذ العملية هو إصرار من أعلى مستوى قيادي في تركيا، وهذا يعني حتمية التنفيذ، على الرغم من حصول كثير من الأحداث المصطنعة لإعاقة العملية، منها الافتراءات العراقية على تركيا حول دهوك، والتحرشات اليونانية، وإعلان روسيا عن تصديها لطائرات مسيّرة هاجمت مطار حميميم، وتحرك بعض المليشيات الإيرانية بشكل سلبي تجاه تركيا في سورية”.

وأشار حسون إلى أنه “لا يمكن لتركيا أن تفض علاقتها وتحالفها في سورية مع الولايات المتحدة، فهما في حلف شمال الأطلسي، ومصالحهما المشتركة أكبر من خلافاتهما على ملفات بعينها، لا سيما أن تركيا هي الدولة التي حاربت داعش منذ ظهوره وما زالت تقوم بذلك، ووضعت قواعدها العسكرية داخل الحدود وخارجها في خدمة هذا الهدف”، متابعاً “لكنها لا ترى أن الإرهاب يتمثل بداعش فقط، بل يشمل أيضاً حزب العمال الكردستاني والتنظيمات المرتبطة به، ومنها التنظيمات التي تدعمها الولايات المتحدة، لكن في المحصلة فالشراكة مع واشنطن في محاربة الإرهاب أولوية لدى أنقرة، وكلاهما يعمل على الحفاظ عليها”.

من جهته، أشار الباحث والسياسي السوري رضوان زيادة، المقيم في الولايات المتحدة، إلى أن “تصريح أردوغان حول الانسحاب الأميركي من شرق الفرات ليس جديداً، لكن المثير أن يصدر بعد قمة طهران.

وأضاف، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “أردوغان يتشارك مع الرئيسين الروسي والإيراني الموقف نفسه تقريباً من الوجود الأميركي في سورية، وهو ما عبّر عنه بوتين في خطابه خلال الاجتماع في طهران، وذلك ما أثار ربما الموقف الأميركي واستفزه بالرد، ولو كان دبلوماسياً، لأن أميركا تريد تركيا ووساطتها في أوكرانيا”.

أما بالنسبة للعملية العسكرية، فلفت زيادة إلى الغموض في توقيت انطلاقها، مضيفاً: “على ما يبدو، لم تحصل تركيا على الضمانات الكافية من أميركا وروسيا بأنها ستحقق أهدافها من دون أي مشاكل إضافية، خصوصاً على مستوى الاقتصاد”، معربا عن اعتقاده أن “أنقرة ما زالت مصممة عليها، لكنها تريد رداً صريحاً بذلك، وهو ربما لن يأتي”.

 

 

المصدر: العربي الجديد