العمل بثمن رغيف الخبز

تخضع أجور العمل في مناطق شمال غرب سوريا لمبدأ العرض والطلب، ولا وجود لحدود دنيا للأجور محدّدة بقانون. في مناطق إدلب، تتركز معظم الأعمال الصناعية في المدن الكبيرة: إدلب والدانا وسلقين وجسر الشغور، بينما تتركز أعمال القطاع الزراعي في الأرياف والسهول الزراعية: سهل الروج وجبل الزاوية والريف الشرقي لإدلب، وتتركز القطاعات التجارية والخدمية بشكلٍ أساسي في مدن سرمدا والدانا وإدلب وأريحا. رغم ذلك، نشطت في السنوات الخمس الأخيرة في الأرياف بعض المهن التي كانت متركزةً في المدن، بينها منشآت صناعية وتجارية، وذلك بسبب رغبة بعض المستثمرين في قطاعات اقتصادية لا تتطلب الاحتكاك المباشر بالمُستهلكين النهائيين والابتعاد عن المناطق المكتظة بالسكان لتخفيف النفقات.

تتنوع القطاعات الاقتصادية المُتطلبة للعمالة بحكم تنوّع سوق العمل في هذه المنطقة كثيفة السكان، أبرزها المنشآت الصناعية والتجارية والغذائية والأراضي الزراعية وقطاع البناء والتعهدات وقطاع الصيرفة وتحويل الأموال. ومن أكبر هذه القطاعات في المنطقة قطاع التعليم، إذ بلغت نسبة العاملين فيه 9 بالمئة من نسبة العاملين في مجمل المهن، وشكلت المهن اليدوية 8 بالمئة من مصادر الدخل المتوفرة والنسبة نفسها للزراعات الموسمية، أمّا الأعمال الحرة (المياومة) والتجارة الصغيرة (باعة متنقلون وأصحاب محلات برأسمال متواضع) وأعمال البناء، فتحتلّ كل واحدة منها على حدة نسبة 6 بالمئة من إجمالي مصادر الدخل المتوفرة. كلّ ذلك وفق دراسة بعنوان الواقع الاقتصادي في شمال سوريا، أعدّتها وحدة تنسيق الدعم في شهر نيسان (أبريل) من العام 2021 الماضي.

العمال في قطاع الأعمال الحرة والمياومة

بلغت نسبة الذكور العاملين في الشمال السوري في الفئة العمرية 20 و45 سنة 59 بالمئة، بينما لم يتمكن الباقون من الحصول على فرصة عمل، وذلك بحسب دراسة وحدة التنسيق والدعم نفسها المشار إليها أعلاه.

الشاب محمد ديب من ريف جسر الشغور الشرقي (36 سنة) يقول: «لم أكمل تعليمي الثانوي، وانتقلت للعمل في لبنان كعامل مياومة. في البداية عملتُ في بناء المنازل الخشبية، ثم في التمديدات الصحية، وتنقّلت من مصلحة إلى أخرى حتى بداية الثورة السورية عام 2011، وعدتُ حينها إلى قريتي للعمل في المهن التي تعلّمتُها ومن أجل المشاركة في الحراك الثوري». يعمل ديب حالياً في أي عملٍ يُطلَب منه، سواء في البناء أو الزراعة: «أتّفقُ مع صاحب العمل على قيمة الأجر المطلوب قبل بدء العمل، ومؤخراً عملتُ على سقاية وتعشيب إحدى الأراضي الزراعية، وحصلت على ما يقارب 10 ليرات تركية عن كل ساعة عمل».

أخبرنا ديب أنه يعمل يومياً لأكثر من عشر ساعات، وبذلك يحصل على مئة ليرة تركية وأحياناً أكثر، ولكنه ينال أجراً أعلى عندما يعمل في البناء، وتكون ساعات العمل أقل. مؤخراً حصل مقابل كل ساعة عمل على قرابة 12.5 ليرة تركية، وذلك «بسبب عمله المتقن وسرعته في أداء ما يطلبه منه صاحب العمل»، حسب قوله.

لدى ديب طفلان (لا يحتاجان مصروف حفاضات أو حليب)، ولكن عائلته بحاجة مصروف يومي يزيد على 50 ليرة تركية، ويحاول أن يدّخر بعض المال في الأيام التي يعمل بها حتى يلبي مصاريف أسرته في الأيام التي لا يجد فيها عملاً. أما غسان المرعي (31 سنة)، وهو نازح من حي القابون في دمشق إلى ريف إدلب، وكان في السابق يعمل في الدهانات والديكورات، فيخبرنا أن مهنته لم تعد رائجةً مثل قبل، لأن أكثر العائلات لا تدهن المنازل إلا في مناسبات خاصة مثل الزواج أو الحج. ويتقاضى المرعي أجراً يومياً يبلغ 150 ليرة تركية، وذلك بسبب قلة الطلب على عمله الذي يقتصر على طلاء غرفة أو غرفتين أو خزّان مياه.

يقول المرعي: «بسبب قلّة فرص العمل انتقلتُ لممارسة أعمال أخرى مثل البناء والزراعة أو أي عمل آخر يُطلب مني وأستطيع من خلاله تأمين جزءٍ من احتياجاتي المعيشية، وتكون الأجور بالاتفاق مع صاحب العمل، ولكنها لا تتجاوز 75 ليرة تركية في اليوم». وأيضاً من العاملين في قطاع الأعمال الحرة الشاب موسى (30 سنة)، وهو خريج معهد زراعي يعمل حالياً سائق تكسي أجرة في إدلب، متزوج ولديه طفلة واحدة. يعمل موسى متنقلاً بين المدن والأرياف، ويتقاضى أجراً بمعدل وسطي شهري يصل إلى 250 دولار أميركي يصرفها على احتياجات منزله من طعام وشراب، ولكنه يحتاج إلى مصاريف طبابة دائمة لزوجته المريضة، وهي تزيد عن دخله المتواضع. يقول موسى إن الأجور تكفيه نوعاً ما، ولكن ارتفاع أسعار البنزين أثّرَ سلباً على عمله.

تنقّلَ موسى خلال السنوات السابقة بين عدة أعمال لم يعتد عليها، ما أجبره على تركها ليعمل كسائق أجرة على سيارة مملوكة لأحد أقاربه، وتُساعده في عمله شبكةُ العلاقات التي كونها مع تجار وأصحاب مكاتب صرافة وآخرين، واستطاع من خلالها تأمين دخل شبه ثابت، حيث أن عملاءه الذين يطلبونه للعمل والتنقل لتسيير أعمالهم باتوا يعتمدون عليه ويثقون به، كما أن خدماته التي يقدمها واستعداده لتلبية احتياجات عملائه ليلاً ونهاراً أكسبته شهرةً واسعة على حدّ وصفه، ما انعكس إيجاباً على دخله.

يتقاضى موسى أجوراً تصل إلى نحو ضعفي مصروف بنزين أي رحلةٍ يقوم بها: «كل 10 كيلومتر تحتاج معها السيارة التي أعمل عليها حالياً إلى ليتر واحد من البنزين، وبسعر تقريبي يبلغ 25 ليرة تركية، في حين اتقاضى على هذه المسافة 75 ليرة تركية بمعدلٍ وسطي، حصتي منها الثلث، وحصة صاحب السيارة الثلث، والثلث الأخير لتغطية نفقات البنزين». لم يتمكن موسى حتى الآن من شراء سيارته الخاصة، فرغم أن ما يجنيه من عمله يكفيه في أغلب الأيام، إلا أنه في أشهر الشتاء، وخاصةً حين تنقطع المساعدات الغذائية المقدمة إليه من قبل المنظمات الإنسانية العاملة في الشمال، يغدو الوضع صعباً. ولا يخفي موسى استغرابه من كيفية تدبّر من لديه عائلة كبيرة مصاريف المعيشة التي يصفها بـ«المنهكة».

تخرّجَ مرعي أبو خليل من ريف جسر الشغور الغربي (26 سنة) من معهد المحاسبة والمالية، إلا إنه لم يجد فرصة عملٍ بعد تخرجه في المنظمات العاملة في الشمال أو في الشركات والمؤسسات، لذلك لجأ إلى ممارسة عدة أعمال حرة. يقول أبو خليل: «عملت في البناء (نجار باطون) ما يقارب العام، لكني وجدتُ العمل متعباً والأجر قليلاً، لذا افتتحتُ دكاناً صغيراً حيث أسكن، فأُلبّي من خلاله احتياجات السكان من المواد الغذائية والخضروات الموسمية وغيرها من المستلزمات. هذا العمل مريح ولا يحتاج جهداً وتعباً مثل أعمال البناء، ويُمكّنني من تأمين احتياجات أسرتي».

يربح أبو خليل يومياً ما يقارب 75 ليرة تركية بمعدلٍ وسطي، ويعمل دائماً على توسيع عمله لتحقيق المزيد من الأرباح، وذلك في زراعة الخضراوات الصيفية التي يطلبها زبائنه في الدكان؛ كالنعناع الأخضر والبقدونس والفجل والخسّ والجرجير والبصل الأخضر. يرغب أبو مرعي حالياً في توسيع عمله من خلال شراء آلاتٍ لصناعة غزل البنات والذرة المنفوشة (البوشار)، ليبيعها للطلبة الصغار أثناء ذهابهم وعودتهم من المدارس.

لا يمكن القول إن كافة المشاريع الصغيرة الفردية يمكنها أن تستمر، وذلك يعود للظروف التي يعيشها صاحب المشروع. الشاب أحمد من ريف جسر الشغور الشرقي (37 سنة) درس في كلية الشريعة، لكنه لم يتخرج بعد أن ترك تعليمه الجامعي نتيجة القيود الأمنية على الحواجز العسكرية، ولدى أحمد ثلاثة أطفال اثنان منهم في المدارس. يقول: «عملتُ في تجارة الدراجات النارية لسنوات، ثم في تربية المواشي، وحالياً أساعدُ والدي في بعض الأعمال الزراعية، والذي بدوره يساعدني في تأمين احتياجات المنزل». ينفق أحمد قرابة ألفي ليرة تركية على منزله شهرياً، ويرغب حالياً بالعودة إلى تربية المواشي التي كانت تعود عليه بدخلٍ يصفه بالجيد، خاصةً أنه لا يحصل على مساعدة غذائية من منظمات المجتمع المدني المنتشرة في الشمال، والتي يرى أن مساعداتها «لا تُقدَّم بشكل عادل لمن هم بحاجتها، ولا يدري ما الحالة الاقتصادية التي يجب أن يكون عليها الفرد حتى تُقدَّم له».

بحسب تصنيفات دولية لحد الفقر المعترف به عالمياً، عرضها فريق منسقو استجابة سوريا، فقد بلغ الحدّ 1.9 دولار أميركي لكل شخص يومياً.

العاملات والمياومات في قطاع الأعمال الحرة

بلغت نسبة النساء العاملات في شمال غرب سوريا في الشريحة العمرية بين 20 و45 سنة حسب تقرير وحدة تنسيق الدعم 32 بالمئة، في حين لم تحصل 68 بالمئة منهن على فرصة عمل.

أم عطا سيدة أربعينية من جبل الزاوية جنوب إدلب تعمل بالمياومة لدى أهالي قريتها حتى تستطيع تأمين احتياجات أولادها السبعة. تقول: «أعملُ في المواسم الزراعية في قطاف الأشجار المثمرة والخضروات، وأحياناً آخذُ أحد أولادي معي للعمل خلال العطل الصيفية. أنا مُصرةٌ على تعليمهم حتى لا يُقاسوا معاناتي في المستقبل». لدى أم عطا عددٌ من المواشي التي غالباً ما تأتي لها بالغذاء من عملها الزراعي عبر جمع العشب، وأحياناً تذهب لرعي الأغنام بعد عودتها من العمل هي أو أحد أولادها.

تخبرنا أم عطا أن أفضل وقتٍ للعمل يكون خلال موسمَي قطف أشجار المحلب والزيتون، إذ تخرج للعمل منذ الساعة السادسة صباحاً حتى الخامسة مساءً بأجرٍ يبلغ ثمانين ليرة تركية، وتكون فترة العمل متواصلة حتى تنتهي المواسم. أما عن باقي الأعمال الزراعية التي تقوم بها من تعشيب وقطف خضراوات، فتحصل فيها على حوالي عشر ليرات تركية مقابل كل ساعة عمل، ويكون العمل لأيام قليلة في الشهر، فلا تكفي عوائده  لشراء الخبز كما تقول، وهي تلجأ في هذه الأوقات للاستدانة حتى تعاود العمل فتعيد المال لأصحابه. تقوم أم عطا بتعليم تجويد القرآن لأطفال القرية رغم أنها لم تُنهِ تعليمها الابتدائي، وتطمح مستقبلاً إلى افتتاح معهدٍ لتعليم القرآن حين تنتهي من حفظه كاملاً وتجد مَن يدعمُ مشروعها.

أم أحمد من جبل الزاوية جنوب إدلب تعملُ أيضاً مع زوجها وأولادها بالمياومة، بِدءاً من قطف الأشجار المثمرة والزيتون والمحلب إلى جمع البطاطا وفرزها، كما تعمل في معمل تعقيم وتغليف التين المجفف. تقول أم أحمد: «نحن لا نتوقف عن العمل طالما أنه متوفّر. تركتُ اثنين من أولادي لدى أختهم المتزوجة في بلدة حزانو شمال إدلب حتى يذهبوا إلى المدرسة ويكملوا تعليمهم، وأترك ابني البالغ من العمر 12 سنة في المنزل لدى أخيه من ذوي الاحتياجات الخاصة حتى يهتم به، والبقية جميعنا نذهب إلى العمل». تحاول أم أحمد وزوجها عدم التوقف عن العمل، فخلال فترة انتظار بدء موسم قطف الزيتون يعملون في المنزل بتكسير اللوز: «يعطينا أحد تجار القرية لوزاً بقشره لنقوم بتكسيره وإخراج اللب منه، ونأخذُ الأجر مقابل كل كيلوغرام. في الوقت الراهن، ولأنّ حبات اللوز ناعمة الحجم، يعطينا أربع ليرات تركية على كل كيلوغرام لبّ من اللوز، أما عندما تكون الحبات كبيرة الحجم ويسهل تحطيمها فنأخذ ليرتين ونصف مقابل كل كيلوغرام من اللب».

اختلفَ هذا العمل عمّا كان عليه في السابق كما أخبرتنا أم أحمد، لأنهم سابقاً كانوا يحصلون على قشر اللوز فيستخدمونه في التدفئة خلال فصل الشتاء، أما الآن فيأخذه التاجر ويبيع طن القشر بحوالي 150 دولاراً أميركياً.

ومن السيدات اللواتي لم يستطعنَ تأمين فرصة عملٍ تتوافق مع شهادتهنّ الجامعية السيدة أم خالد من ريف جسر الشغور الغربي (28 سنة)، وهي أم لثلاثة أطفال وخريجة معهد فنون جميلة، دعتها قلّة فرص العمل إلى بدء مشروع صغير تساعدُ زوجها من خلاله في تغطية جزءٍ، تقول إنه «بسيط»، من نفقات الأسرة. تشرح أم أحمد أنّ والدها عندما علم برغبتها في العمل أهداها ماكينة خياطة، وهي تعمل حالياً في خياطة الملابس وإعادة  تدوير الألبسة المستعملة: «مثلاً تأتي إحدى النساء بقطعة ملابس كبيرة كانت لها وتريد تحويلها لتناسب أطفالها، فأقوم بخياطتها ووضع بعض الزينة عليها حتى تعود كأنها قطعة جديدة، وكلّما كانت نوعية القماشة أفضل تبقى قطعة الملابس مُعادة التدوير لوقتٍ أطول».

تحصل أم خالد على أجور زهيدة من خلال عملها، خاصةً أنها تقوم به في قريةٍ ذات كثافة سكانية منخفضة، ولأنّ معظم زبائنها فقراء يعملون على إعادة تدوير الملابس المستعملة القديمة والألبسة الأوروبية (البالة)، ونادراً ما يُطلب منها تفصيل ملابس جديدة. تبدأ أجور أم خالد من 10 ليرات تركية، وذلك حسب القطعة التي تخيطها والتكلفة التي تضعها عليها، كما أنها تبيع بعض قطع الملابس بعد تدويرها، إذ تبلغ تكلفة قطعة ملابس الطفل نحو 10 ليرات تركية، وتضيف إليها «تعبها» فيصل سعر القطعة إلى مئة ليرة تركية أو أكثر بقليل. ويبلغ مجموع ما تحصل عليه أم خالد حوالي ألف ليرة تركية شهرياً، تحاول بهذا المبلغ مساعدة زوجها الذي يعمل مقاتلاً في صفوف إحدى فصائل من المعارضة فيحصل «كل عدة أشهر على منح مالية تبلغ 500 ليرة تركية لا تكفيهم لتلبية أبسط الاحتياجات» بحسب ما تقول.

تطمح أم خالد لافتتاح مشغل خياطة لإعادة تدوير الملابس في إحدى المناطق المكتظة بالسكان، لتحقّق بذلك دخلاً إضافياً مستفيدةً من المواد المهدورة التي تقوم بإعادة تدويرها، و«ليستفيد منها السكان الذين يعانون من الفقر ويجدون صعوبةً في شراء الملابس الجديدة باهظة الثمن».

سمر (48 سنة) من السيدات العاملات في قطاع الخدمات بمدينة أريحا جنوب إدلب، وقد وصلت في دراستها حتى المرحلة الثانوية، وهي تعمل موظفة استقبال في عيادة طبيبة أسنان منذ خمس سنوات. عملت سمر في السابق معلمة روضة في الاتحاد النسائي، ثم انتقلت إلى العمل في الخدمات الفنية، وبعد بداية الثورة توقفت عن العمل بسبب توقف راتبها الشهري، ولجأت للبحث عن عمل بديل. تعيش سمر برفقة ابنة أختها ذات العشر سنوات، ووالدتها مريضة سكر وضغط وتعاني آلاماً في المفاصل، وتساعدُ الأمَّ قريبتُها الصيدلانية بتأمين الأدوية بشكلٍ دائم، وهي بذلك تخفّف المسؤولية عن عاتق سمر المعيلة الوحيدة لأمها وابنة أختها.

تحصل سمر شهرياً على مبلغ قدره 250 ليرة تركية. تقول: «نسكن في منزلنا الخاص، والأجر لا يكفي ثمن خبز، لكن الطبيبة تساعدني من وقتٍ لآخر بتأمين احتياجات المنزل، كما أحصل على مساعدةٍ غذائيةٍ شهرية من إحدى المنظمات العاملة في المنطقة، وتحتوي المساعدة على أهم المواد الغذائية التي تحتاجها كل عائلة». تعاني سمر بدورها من مشاكل صحية في المفاصل، إضافةً إلى هبوطٍ في الضغط والسكر، ولكنها «تحاول ألّا تتناول الدواء إلا عندما تشعر بالألم تخفيفاً للمصاريف»، خاصةً أنه «لا يمكنها العمل في مكان آخر بعد أن فقدت إحدى عينيها في طفولتها، كما أنها تعاني من عدة أمراض مزمنة، ولذا تجد جلوسها وراء الطاولة وتنظيم دخول المرضى إلى عيادة الطبيبة عملاً يناسبها حتى لو كانت ساعات الجلوس طويلة والمردود قليلاً» كما تصف.

وبما أن الحد الأدنى لأجور عمال المياومة هو 45 ليرة تركية حسب منسقو استجابة سوريا، وعلى افتراض وجود شخصين عاملين ضمن العائلة، فإن إجمالي الدخل الوارد للعائلة الواحدة مع احتساب العطل هو 2340 ليرة تركية وسطياً.

قطاع التجارة

تشمل تجارة المواد الغذائية 50 بالمئة من أنواع التجارة في شمال سوريا، وشكلت تجارة المحاصيل الزراعية الموسمية 6 بالمئة من أنواع التجارة، أما تجارة الخضراوات والفواكه ومواد البناء والمحروقات والقمح والطحين وتجارة الألبسة فتشكل 4 بالمئة من أنواع التجارات، وتجارة المواشي واللحوم والألبان ومشتقاتها والدواجن 3 بالمئة من التجارة، وشكلت تجارة البطاريات وألواح الطاقة الشمسية ومواد التنظيف والأحذية والمدخلات الزراعية والآليات 2 بالمئة من أنواع التجارة، وتجارة المواد الصناعية 1 بالمئة من أنواع التجارة، وذلك حسب دراسة وحدة تنسيق الدعم.

من العاملين في القطاع التجاري الشباب يامن حمادة (38 سنة) من بلدة ترمانين بريف إدلب الشمالي، وهو خريج إدارة أعمال يعمل حالياً في محل تجاري لبيع الألبسة الجاهزة في مدينة الدانا، ويتقاضى أجراً أسبوعياً يبلغ 300 ليرة تركية. يقول حمادة: «عملي الأسبوعي لا يكفي لتغطية جزء من مصاريف عائلتي التي تتألف من خمسة أطفال، فأنا أدفع أسبوعياً أكثر من 100 ليرة تركية لشراء حليب وحفاضات لطفلي الرضيع، إضافةً إلى 100 ليرة تركية أخرى لشراء مادة البنزين لدراجتي النارية التي تقلني من منزلي إلى مكان العمل». ما تبقى من أجر حمادة الأسبوعي لا يكفي لشراء مادة الخبز حسب قوله، فهو يشتري أسبوعياً ما يقارب 10 ربطات من الخبز، ويكون قد صرف أجره الأسبوعي، أما عن باقي مصاريف المنزل فيخبرنا حمادة أنه يدّخر مبلغاً من المال ثمن قطعة أرض باعها منذ عدة أشهر بعد أن تراكمت عليه الديون، والآن يصرف من هذا المبلغ، ولا يدري كيف يتصرف بعد أن يصرف كامل ثمن الأرض.

وبسبب قلّة فرص العمل، يعمل الشاب أيهم لطوف (33 سنة)، والذي كان في السابق عسكرياً متطوعاً، في نبش القمامة، إذ يخرج يومياً على دراجته النارية التي تجرّ عربةً صغيرةً خلفها باحثاً عن القطع البلاستيكية والمعادن مثل النحاس والألمنيوم وحتى الحديد، إضافةً إلى الكرتون ليجمع ما يجده ويحمله لمنزله الذي أصبح، حسب أيهم، مجمّعاً لتلك النفايات التي يتخلص منها الأهالي، في حين أنها باتت مصدر دخلٍ له ولعائلته التي تضمّ خمسة أطفال.

أخبرنا أيهم أنه يستطيع من خلال عمله جني 100 ليرة تركية يومياً بمعدلٍ وسطي، أي ما يقارب 3000 ليرة تركية خلال عمله المتواصل لمدة شهر كامل، وهذا يكفي تقريباً لتغطية مصروف عائلته. وقد عمل أيهم في مهن مختلفة سابقاً، ولكنه لم يحقق الدخل الكافي لتلبية مصاريف عائلته كما يفعل اليوم.

أما الشاب إسماعيل الرحمون (20 سنة) فقد انخرط في سوق العمل إلى جانب دراسته الجامعية في قسم التخدير. يعمل اسماعيل منذ حوالي أربعة أشهر في إحدى شركات الأدوات الزراعية لتأمين مصاريف دراسته، وكي يساعد عائلته التي يبلغ عدد أفرادها تسعة أشخاص، يساعده في ذلك إخوته الثلاثة الذين يشتغل كلٌّ منهم في مهنة مختلفة. يحصل إسماعيل على أجرٍ شهري يبلغ 100 دولار أميركي، ويتكفّل مديره في العمل بمصاريف العلاج في حال تعرّض لأيّ وعكةٍ صحية.

قطاع الصناعة

يوفر قطاع الصناعة 2 بالمئة فقط من فرص العمل، وهو ما يعكس تراجع هذا القطاع بشكلٍ كبير، كما أن قطاعات الزراعات الموسمية وتربية المواشي وزراعة الأشجار المثمرة توفر 18 بالمئة فقط من فرص الدخل، ويُشكّل تصنيع الألبان ومشتقاتها 24 بالمئة من أنواع الصناعة في شمال سوريا، وفي المرتبة الثانية يأتي تصنيع مواد البناء، والتي شكلت 19 بالمئة من قائمة الصناعات، وتصنيع المواد الغذائية 19 بالمئة، وشكلت معاصر الزيتون 11 بالمئة، وتصنيع الأبواب والنوافذ الخشبية والألمنيوم 8 بالمئة، وتصنيع مواد التنظيف 7 بالمئة، وذلك حسب وحدة التنسيق والدعم.

لدى أبو أحمد (30 سنة) من جبل الزاوية جنوب إدلب محلٌّ لتصليح الدراجات النارية منذ أكثر من عشر سنوات. يقول: «كنتُ أعمل في القرية، وكان العمل جيداً، ولكن بعد تعرض محل التصليح الذي أعمل فيه للقصف أكثر من مرة أُجبرت للانتقال لأعمال أخرى مع عملي بالميكانيك بغية تعويض الخسائر». عملَ أبو أحمد في حراثة الأراضي الزراعية بالفرامة (وهي آلة زراعية تحرث التربة وتُستخدم لنقل المواسم الزراعية)، وبسبب التعب المستمر والإجهاد المتواصل من الجلوس الطويل خلال تصليح العجلات وأيضاً المشي بالآلة خلال الحراثة، أُصيب أبو أحمد بآلام في الظهر أدت إلى إصابته بالديسك، واضطُر إلى تقليل ساعات عمله. أخبرنا أبو أحمد أن مرضه وقلة الكثافة السكانية في جبل الزاوية أدّيا إلى تراجع عمله، ويعاونه اليوم أطفاله الصغار في تقديم المعدات التي تلزمه لإصلاح العجلات النارية.

رُزق أبو أحمد بأربعة أطفال، ثلاثةٌ منهم في المدرسة، ويحتاج شهرياً -على أقل تقدير- حوالي 150 دولار أميركي لتغطية مصروف المنزل: «العمل في الميكانيك قليلٌ جداً، والمال الذي أجنيه لا يكفي، لكني أحاول دائماً العمل في أعمال أخرى حتى أتمكن من تلبية أهم احتياجات العائلة».

أبو إسماعيل (45 سنة) يعمل أيضاً في قطاع الصناعة، إذا يمتلك ماكينة خراطة (تشكيل المعادن) في مدينة جسر الشغور، ولديه محلّه الخاص في سوق الصناعة منذ أكثر من 15 سنة. يعمل لدى أبو اسماعيل صانع بعمر 16 سنة ليساعد عائلته في تأمين مصاريف المنزل. يقول أبو إسماعيل: «أمنح صانعي أحمد أسبوعياً مبلغ 100 ليرة تركية، وهذا المبلغ لا يكفي عائلة أحمد ثمن مادة الخبز، لكنه يبقى أفضل من الجلوس دون عمل، خاصةً أن أحمد ترك مقاعد الدراسة لمساعدة والده».

يشكو أبو إسماعيل من قلة العمل في سوق الصناعة بالمدينة، حتى أنه في بعض الأيام لا يعمل بأجرة صانعه، لذلك يحاول أن يكسب من أعمال أخرى مثل ضمان الأراضي الزراعية وزراعة المواسم التي يجني منها بعض المال في نهاية السنة يعوض قلة العمل في محله. أما أفضل أوقات العمل لأبو إسماعيل فتكون في موسم الحراثة والحصاد، وذلك بسبب الأعطال التي تصيب الحصادات والجرارات والآلات الزراعية عموماً:«أكسب في مواسم العمل ما يقارب 500 دولار أميركي في الشهر، وهي مدة زمنية لا تزيد على 4 أشهر، أما باقي أيام السنة فنقضي الوقت جالسين في المحل دون فعل شيء».

أرباب العمل

بحسب استطلاع الرأي الذي أجرته وحدة تنسيق الدعم مع أرباب العمل، تبيّن أن 64 بالمئة من أرباب العمل الذين شملهم الاستطلاع يمتلكون أو يديرون منشآتٍ في الريف، و34 بالمئة يمتلكون أو يديرون منشآتٍ في المدن، و2 بالمئة يمتلكون أو يديرون منشآت تتواجد في منطقة صناعية مخصصة للمنشآت الاقتصادية.

يُخبرنا غيث، الذي يمتلك فرناً خاصاً لإنتاج الخبز في سهل الروج، أن لديه 15 عاملاً يتقاضون أجوراً يومية لا تزيد عن 50 ليرة تركية، إضافةً إلى تقديم ربطة خبز للعائلة الصغيرة وربطتين للعائلة الكبيرة كنوع من الدعم لتلك الأسر، كما أنه يتكفل بعلاج إصابات العمل لعماله (دون عقد رسمي بينهم). ويوضح غيث أن أجور العمال قد تكون سبباً في خسارته في حال حدث عطلٌ ما في آلات المخبز أو أُصيب أحد العمال، فقبل أشهر أصيب أحد العمال في يده، فكلّف علاجه حوالي 3000 دولار أميركي مصروف طبابة وعمليات جراحية، إضافةً إلى أنه قدم إعانةً ماليةً لعائلته طيلة فترة العلاج، وبعد شفاء الشاب انتقل إلى عمل آخر (بائع بسطة) وانتهت مساعدةُ غيث له.

ومن أصحاب الشركات الصغيرة أسامة الرحمون، الذي يدير شركةً لبيع ألواح الطاقة  الشمسية وغطاسات المياه والمستلزمات الزراعية، ويعمل في مكتبه بمدينة سرمدا عاملان يقومان بتنزيل البضائع وحملها وغيرها من الأعمال التي يكلفهم بها. يقدم الرحمون راتباً شهرياً لكل عامل قدره 100 دولار أميركي، وهو «الأجر المناسب لعمّاله» حسب قوله، ذلك أنّ «نقل تلك البضائع وحملها عملٌ شاق يحتاج لجهد ووقت» كما يضيف.

يقدم الرحمون للعمال أيضاً مكافآت مالية تصل إلى 20 دولار أميركي، إضافةً إلى عطلة أسبوعية وعطل مرضية، وبحال تعرض أحد العمال لأي وعكة صحية يساعده في تقديم ما يحتاجه من تكاليف العلاج دون أن يقتطع ذلك من الراتب؛ «لأن كل عامل لديه عائلة كبيرة يصرف عليها وبحال خُفّض الأجر أو اقتُطع منه فهذا يضرّ بالعائلة بأكملها» كما يقول الرحمون. ولا تكفي الأجور التي يقدمها أرباب العمل للعمال في تأمين لقمة عيشهم، بينما تكون هذه الأجور ثقيلةً على كاهل أرباب العمل، لأنها تكون مفصليةً بين الربح والخسارة في المؤسسات التجارية والمنشآت، خاصةً في ظل حالة تقلّب سعر الصرف واختلاف العملات بين الشراء والمبيع.

لا نقابة للعمّال في إدلب

افتتحت حكومة الإنقاذ التي تسيطر على إدلب عدداً من النقابات، لكنها حتى الآن لم تؤسِّس نقابةً خاصة للعمال، وبعد أن استفسرنا من الذين التقينا بهم عن رأيهم في تأسيس نقابةٍ لهم كانت الآراء بين مؤيدة ومعارضة لمثل هذه الخطوة، والبعض رفض إعطاء رأيٍ لأنه لا يعلم ما الذي يمكن أن تقدمه النقابة. يقول أسامة الرحمون إنه من الضروري وجود نقابة عمّال في إدلب لأنها «ستكون بمثابة القوة الجماعية للمفاوَضة من أجل الحصول على أجور أفضل ورواتب تقاعدية وعُطل وتأمين صحي وحقوق أخرى ربما لا يعرف العامل والمُشغِّل بوجودها».

ويرى الشاب محمد ديب أن وجود نقابة للعمّال في إدلب لن يفيد في شيء: «في حال تعرض العامل لحادث ستكون الخدمات المقدمة له بسيطة ولن تشكل فارقاً في معيشته، لأن غالبية المتواجدين في الشمال السوري من فئة العمال، وهو عددٌ ستعجز السلطات في إدلب عن مساعدته». ويؤيد الشاب أبو زكريا العامل في بلدة رام حمدان كلام محمد ديب، ويرى هو الآخر أن وجود نقابة للعمال في إدلب لن يفيده في شيء: «لن أحتاج لخدمة من النقابة للذهاب إلى المستشفيات في حال تعرضي لإصابة ما، لأن المستشفيات العامة في الشمال جميعها مجانية، وبحال اضطررتُ لإجراء عمليات مكلفة أسجّل اسمي لدى المنظمات الإنسانية أو الخيرية أو هيئة الزكاة (مؤسسة تعمل بالتنسيق مع مؤسسات حكومة الإنقاذ لأخذ نسبة مما ينتجه الناس على أن تقوم، كما تقول، بتوزيعها لمن يحتاجها)».

أما أبو عبدو، وهو صاحب معصرة زيتون، فيرى بأن النقابة في حال فرضت أجوراً ثابتة للعمال فإنّ ذلك سينعكس على المزارعين من خلال ارتفاع أجرة استخراج الزيت، وسيضاف على ذلك الضريبة والزكاة».

أرقام وإحصائيات

تشهد مناطق شمال غرب سوريا خلال الفترات الأخيرة زيادةً كبيرةً في الاحتياجات الإنسانية للمدنيين، خاصةً مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية إلى أكثر من 3.7 مليون نسمة، 85 بالمئة منهم يعيشون ضمن المخيمات، إضافةً إلى الارتفاع المستمر في أسعار المواد والسلع الأساسية في المنطقة، كما ترتفع معدلات البطالة بين المدنيين، لذا أطلق فريق منسقو استجابة سوريا بيان مناشدةٍ للمنظمات والهيئات الإنسانية في الرابع من أيلول (سبتمبر) الماضي لتغطية احتياجات القطاعات الإنسانية في شمال غرب سوريا قبل بدء فصل الشتاء وتغطية الحد الأدنى من التمويل الخاص لكل قطاع وفق التالي:

قطاع التعليم: 24 مليون دولار، قطاع الأمن الغذائي وسبل العيش: 33 مليون دولار، قطاع الصحة والتغذية: 18 مليون دولار، قطاع المأوى: 39 مليون دولار، قطاع المياه والإصحاح: 26 مليون دولار،  قطاع الحماية: 6 مليون دولار، قطاع المواد غير الغذائية: 32 مليون دولار.

وعرض فريق منسقو استجابة سوريا حساباً للكلفة المعيشية الدنيا لأسرة مكونة من أربع أفراد، دون الاعتماد على المساعدات الإنسانية، عند 3165 ليرة تركية. تحتاج العائلة وسطياً إلى ثلاث ربطات خبز يومياً بسعر 5 ليرات تركية، أما اشتراك الطاقة الكهربائية بالحد الأدنى فيحتاج 250 ليرة تركية شهرياً، وبالنسبة لمياه الشرب والاستخدام اليومي تحتاج الأسرة للتعبئة أربع مرات شهرياً بقيمة 150 ليرة تركية، أما أسطوانة الغاز فمرة واحدة شهريا بقيمة 215 ليرة تركية، وبالنسبة للاتصالات والإنترنت 100 ليرة تركية، وخضار بالحد الأدنى 550 ليرة تركية، ومواد بقالية 850 ليرة تركية، واللحوم لمرتين شهرياً بقيمة 250 ليرة تركية، أما في ما يخصّ مصاريف العلاج والأدوية 150 ليرة تركية، ومصاريف الأطفال في المدارس 200 ليرة تركية.

وذكرت دراسة وحدة تنسيق الدعم أن كافة السكان في شمال سوريا، وفي كافة الأعمار، بحاجة إلى توفير فرصة عمل، وذلك بسبب عدم وجود تأمين اجتماعي لكبار السن أو المتقاعدين، إضافة إلى فقدان قسم كبير من الأسر لمعيليها نتيجة الحرب الدائرة، أو أن المعيل-ة لا يجد فرصة عملٍ تناسبه بعد إعاقته-ا بسبب الحرب.

المصدر: الجمهورية