العميد الركن مصطفى الفرحات: الجيش السوري بُني على أسس طائفية حزبية وخدمة القائد الأوحد.. والمجتمع الدولي بتخاذله يتحمّل مسؤولية تشعّب الأزمة السورية

تشهد الأزمة السورية حالة من الركود والجمود على مختلف المستويات، برغم الدعوات المتكرّرة إلى العودة فعليا إلى الحوار الدولي بخصوص سورية، لفضّ النزاع المستمرّ خاصة بعد التصعيد الأخير المسجّل في عديد المناطق.

وعقدت نهاية الأسبوع الماضي، مجموعة من المعارضين السوريين،على مدى يومين، مؤتمراً في جنيف السويسرية، تحت شعلر: “المؤتمر السوري لاستعادة السيادة والقرار” بحث عددا من المقترحات،من بينها كيفية الانتقال إلى نظام ديمقراطي برلماني تعددي وبناء الجيش السوري، وانتهى المؤتمر إلى ولادة مكوّن سياسي لتفيذ الرؤية التي يتم إقرارها.

وقال العميد الركن مصطفى الفرحات، عضو الأمانة العامة للمؤتمر الوطني السوري المستقل لاستعادة القرار والسيادة، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، إنّ المؤتمر سعى إلى تحريك الجمود السياسي في الأزمة، لإعادة الملّف السوري إلى الواجهة بعد أن بات ملفا شبه ثانوي ضمن الاهتمامات الدولية بسبب تطورات الأحداث الأخيرة في أفغانستان، لافتا إلى أن المؤتمر سوري-سوري ولم تتدخل فيه أي أطراف خارجية كما لم يسمح المؤتمر بأي ضغوطات مهما كان نوعها، في تعبير واضح عن إرادة الشعب السوري لاستعادة قرار بلده وأرضه وتقرير مصيره .

 

س- ماهي أبرز مخرجات المؤتمر الذي عُقد في جنيف على مدار يومين؟

ج- هي مجموعة الوثائق التي تمّ إعدادها على مدار أكثر من عامين، منذ انطلاق المبادرة، حيث كان المؤتمر سيعقد في 17نسيان/ أبريل العام الماضي، لولا جائحة كوفيد19 التي عطّلت انعقاده أكثر من عامين، جرى خلالها العمل على تطويرها ومراجعتها أكثر من مرة، لتتناسب مع الوضع الراهن، والهدف هو تثبيت مطالب الشعب السوري في إسقاط النظام الديكتاتوري، ورسم خارطة الطريق المقترحة من أجل سورية ديمقراطية ودولة مدنية، يكون الهدف السياسي للعملية التفاوضية المباشرة الانتقال إلى نظام ديمقراطي برلماني تعددي تداولي، يرسم معالمه ميثاق وطني يرتكز على مبدإ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات لجميع السوريين، بغض النظر عن الجنس أو القومية أو المعتقد أو المذهب، إضافة إلى التأكيد على دولة القانون والمؤسسات لكل أبناء ومكونات الوطن، وهي صاحبة الحق الشرعي الوحيد في حمل السلاح، تكون مهمتها بسط سيادة الدولة على كافة أراضيها، والدفاع عنها وعن مواطنيها، وتقديم الخدمات لهم، وترسيخ فصل السلطات وتنظيم الحقوق والواجبات، واحترام الدستور والقوانين وتجريم الطائفية السياسية ومحاربة الإرهاب بكافة مصادره وأشكاله.

-وشدّدنا خلال المؤتمر على تحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته من خلال ملاحقة من أجرم بحق الشعب السوري الذي انتفض في وجه الطغيان والظلم، وطالبنا بمحاسبة النظام على استخدام الأسلحة الكيماوية المحرّمة دوليا لقتل المدنين العزّل والأبرياء، خاصة مع تزامن الذكرى المؤلمة لمجزرة الغوطة الشرقية مع أشغال المؤتمر، وقمنا بإدانة القصف والحصار على بلدة درعا، والقصف الذي طال قرى وبلدات الشمال السوري والذي يزهق أرواح الأطفال والنساء والشيوخ في جبل الزاوية وغيرها.. كما أكدنا على شعار المؤتمر في استعادة قرار وسيادة سورية الموحّدة أرضا وشعبا، يجب العمل الدؤوب لاستعادة القرار المسلوب الذي تتحكم فيها قوى خارجية والقوى النافذة حيث يغيب السوري عن مختلف اللقاءات والمؤتمرات الإقليمية والدولية، وبالتأكيد مؤتمرنا قد حرّك الجمود السياسي الحاصل منذ فترة طويلة وبعد أن طغى الحدث الأفغاني على الأزمة السورية وباتت أزمة ثانوية في التوقيت الدولي برغم الحصار والتجويع في درعا ومختلف المناطق.

 

 

س- أعلنت 30 شخصية الانسحاب من المؤتمر وأرجع المؤتمرون السبب إلى أن المؤتمر لا يمثل الثورة وأنه تم رفض رفع علم الثورة.. ماتعليقكم على هذا الانسحاب المفاجئ وما خفاياه؟

ج- العدد أقلّ من ثلاثين.. بعض الأسماء التي أعلنت انسحابها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل كانت موجودة في قاعة المؤتمر، أعتقد أن هناك من غادر وكان ينتمي إلى جهة معينة وحاملا لإيديولوجيا ما، ويسير وفق إملاءات مشغّله حيث ينفّذ مشاريع إقليمية ودولية لا تخدم الملف السوري ويشاهد الأزمة من خلال مشغّله لا من خلال المصلحة العليا للوطن التي وجب تغليبها على مصالح الغرب.

-هناك من وضع علم الثورة على رأسه وآخر على كتفيه وآخر على صدره،وهي حريات نحترمها ولكن هناك إتفاق مسبق في اللجنة التحضيرية على أنّه سيتمّ إخلاء القاعة من أي راية كانت، ونحن نعرف جيّدا أنّ بالساحة السورية هناك اليوم أربع مناطق ترفع رايات مختلفة عن الأخرى، وإذا استثنينا رايات الجماعات المتطرفة “الجهادية” التي لا تنتمي إلى الحالة الوطنية وهي طارئة على الحالة السورية، نجد ثلاثة أعلام،أحدها في الشمال السوري(الأكراد) وهو مكون سوري نعترف به و يرفع راية مختلفة.. بالتالي إذا تمّ تثبيت علم الثورة فسوف يحتج البقية.. نحن جئنا بحثا عن الحلّ لأزمة قاهرة أتعبت شعبنا سنوات طويلة.. لم نأتِ لننقسم مجدّدا ونخلق أزمات أخرى نحن في غنى عنها ولن تزيد الملف إلا تعقيدا وتأزما.. نحن اليوم أمام قضية أكبر من قضية العلَم وبعض الأمور البسيطة التي لها أهمية بالتأكيد، لكنها ليست أكثر أهمية من الدم السوري الذي يسيل يوميا ومن المجازر التي تُرتكب يوميا في حق البلد وأبنائه.. العلم السوري يقرّره ويختاره الشعب السوري بعد تحقيق التسوية السياسية وحلّ الأزمة المرهقة وانتخاب قيادة حقيقية تمثّل الدولة وانتخاب مجلس شعب يعبّر عن الحالة الوطنية وحينها يمكن أن نتناقض بشأن العلم.

لقد أردنا نزع فتيل أزمة من خلال عدم رفع أي علم، وأيضا هناك سبب أخر تمثل في أن لدينا مشاركين من مناطق النظام، فحين يعلم النظام برفع راية مخالفة سيعتقل هؤلاء الأشخاص، وحقيقةً هناك من تمّ اعتقاله.. أسباب كثيرة كما قلت حالت دون رفع أي علم مهما كان .

 

 

س-يسترجع السوري بألم هذه الأيام ذكرى مجزرة الكيميائي التي ارتكبها النظام في غوطة دمشق وإلى اليوم لم يحاسب مرتكبوها.. من يتحمّل المسؤولية تجاه ما تعرض له الشعب السوري ولماذا هذه المماطلة من المجتمع الدولي في الكشف عن الحقائق؟

ج-نحمّل المسؤولية كاملة للنظام الذي استخدم الأسلحة المُحرّمة دوليا لقتل أبناء شعبه، ونحمّل المسؤولية لمن أطلق على نفسه اسم “الضامن “، وكذلك المجتمع الدولي الذي تخاذل في عدم الكشف عن خفايا تلك المجزرة التي راح ضحيتها مئات الأبرياء العزّل.. لقد تعرض الشعب السوري لإبادة جماعية ضمن هجوم بالأسلحة الكيميائية بعد اعتماد اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وقد شكل الهجوم صدمة للإنسانية والحضارة.

-الدول الفاعلة في مجلس الأمن مطالبة بممارسة ضغوط مباشرة لوقف الإجرام ومحاسبة المجرمين، ودعم الانتقال السياسي وفقا لجنيف وقرارات مجلس الأمن الدولي رقم 2118 و2254، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 262/67.

-لن ننسى أن جلّ الضحايا هم من الأطفال الذين خنقتهم الغازات السامة، ونُحمّل من تورط في ذلك المسؤولية الأخلاقية والقانونية، وعلى المجتمع الدولي التحرّك ووضع حد للمأساة السورية المستمرّة طيلة عقد من الزمن.. ولا بد من الحسم في هذه المسألة ومحاسبة المجرم الطليق على ما اقترفه في حقّ الشعب السوري، وأعتقد أن ما يؤخر المحاسبة هو أن الساحة السورية أصبحت ساحة تصفية حسابات بين القوى الكبرى التي لم يعد يعنيها مصير الشعب السوري بقدر ما تعنيها مصالحها الخاصة والضيّقة.

 

س-شددتم في المؤتمر على أهمية بناء جيش وطني سوري وأجهزة أمنية.. ماهي أهم التحديات التي تواجه مهمة إصلاح الجيش والأجهزة الأمنية في سورية التي تريدونها برأيكم؟

ج- قدّمنا دراسة معمّقة للحالة السورية، فالجيش بُني على أساس حزبي وطائفي وخدمة الحزب الواحد والقائد الوحيد الأوحد ولم يُبنَ جيش للوطن يكون حاميا للشعب في عقيدته.. الجيش الحالي محصور ضمن حزب البعث الحاكم ويُمنع عن أي حزب آخر حتى من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي تدور في فلك الحزب الحاكم وهي “دمى” يمنع عنها النشاط داخل مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية وكل القوات المسلّحة، ونؤمن بجيش تكون عقيدته حماية الأرض السورية وشعبها لا غير، بعيدا عن كل التجاذبات الحزبية والسياسية، ولا يتمّ إقحامه في أي صراع مهما كان نوعه غير حماية الأرض والعرض والدستور، وهذه الحالة يعيشها كل المجتمع الدولي،إذ لم يعد هناك في العالم جيوش محزّبة إلا في تجربة الإتحاد السوفياتي السابقة والتي ثبت فشلها التام..

نريد مؤسسة أمنية وعسكرية مستقلة محايدة شعارها حماية الوطن بعيدا عن أي صراع مهما كان نوعه.

 

س-ماهو السبب الحقيقي الذي أعاد المواجهات إلى درعا ومن يتحمّل مسؤولية التصعيد والسعي إلى التغيير الديمغرافي والتهجير القسري؟

ج-في القانون الفيزيائي أي عمل أو فعل ستواجهه ردّة فعل بالقوة تعاكسه بالإتّجاه.. ما حدث في درعا من قبل الأهالي الذين تمسّكوا بأرضهم طبيعي، خاصة مع تراجع النظام وحليفه الروسي عن الإتفاق السابق لعام 2018 الذي تمّ في البلدة ووقّع عليه الأهالي وأجريت تسويات ومصالحات على ذلك الأساس، لكن النظام خرق كل في حين دعمه الضامن الروسي في ذلك لإحدى الحالتين: إما أنه لم يستطع ردعه وشدّ المليشيات الإيرانية أو أنه متواطئ معه، وأنا ارجح أن الروسي لم يتمكّن من ردع النظام والمليشيات الإيرانية عن خرق الاتفاقيات لانه عرّابها وضامنها، فكيف يضمن شيئا ويفشل في تحقيقه؟، روسيا لا تملك جيشا على الأرض السورية، باستثناء قوى محلية محدودة حاولت أن تكون تابعة لها، لكن من يملك القوة على الأرض هو الإيراني وليس الروسي، ومعركة درعا كان قرارها إيرانيا بعد اعتقال 1500شاب في الحواجز من أبناء الجهة، الوضع الذي فجّر تلك الانتفاضة.

-الحالة السورية برمّتها لن تستقيم حتى لو أخضع النظام بالقوة بعض المناطق وحتى لو عادت الجغرافيا السورية إلى سيطرة النظام وستبقى النار تحت الرماد والحراك العسكري والاجتماعي مستمرا، وأرى أن النظام أوجعته درعا حين رفضت مسرحية الإنتخابات وبالتالي أراد الانتقام من الأهالي الذين قالوا لا في وجه الظلم والقهر والاستبداد وفي وجه طهران التي تحمل نوايا خبيثة لسيطرة دائمة، ولا ننسى أن الأجندة الإيرانية منسجمة كثيرا مع أجندة النظام في الإخضاع حيث تحصلت المليشيات الإيرانية على هويات سورية وتجنيس ومنازل مصادرة من الأهالي الذين هُجّروا..

الوضع الحالي في درعا صعب ومأساوي وموسكو والمجتمع الدولي يتحمّلان المسؤولية كاملة تجاه مأساة التفقير والتجويع والتهجير القسري والتغيير الديمغرافي وخرق كل الأعراف والقوانين الدولية.

س—هل ترون أن مسار مؤتمر جنيف قد يكون ورقة ضغط حقيقية يمكن أن يعتمد عليها السوريون لتحقيق الحل الذي طال انتظاره ؟

ج-بكل تأكيد لن يكون هناك نجاح في غياب الخطوات اللازمة لتحقيق النصر، فإن جلسنا كسوريين ننتظر الحلول من الضامن الدولي والغرب فلن يحدث وسيطول، وبالتالي يتوجّب علينا أن نسعى ونرص صفوفنا لانتزاع حقوقنا كشعب مظلوم عاش الويلات والقمع والحرمان منذ عقود، لذلك فإن الحراك السياسي مطلوب في هذا المؤتمر أو غيره من المؤتمرات السورية الحزبية والجماهيرية المستقلة، حتى لا تموت قضيتنا، ولا بد أن نضغط من خلال عقد مثل هذه المؤتمرات السورية-السورية لنرسم أولى خطوات الحلّ السياسي لإحداث التسوية التي ينتظرها شعبنا، وحتى لا يضيع حقّنا المشروع الذي بلورته الثورة وسعت إلى إنجاز مطالب الشعب في السلام والحرّية والكرامة.

-نجن نسعى إلى إيصال صوت شعبنا المقهور إلى العالم والمجتمع الدولي ، وعبر المؤتمر حرّكنا المياه الراكدة وجلبنا أنظار العالم، وقد أفزر أمانة عامة قد تحملنا إلى بلوغ الهدف المنتظر وكلما استطعنا تحشيد الشعب انتصرنا لثورتنا وبلدنا.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد