الغرب يلوّح بالقوة وموسكو وطهران تحذران

تهديدات غربية واسعة بالتدخل في سوريا. ولو حصل ذلك، فكل المؤشرات وأدبيات حلفاء دمشق تدلّ على أنها ستكون حرباً شاملة في المنطقة، من دون استبعاد أن يكون هدف الرئيس الأميركي باراك أوباما ومن خلفه دفع سوريا لتقديم تنازلات سياسية، والضغط على موسكو بغية الذهاب إلى «جنيف» غربيّ الهوى

 

على الأرض وفي الأروقة الغربية، كلّ الكلام يدلّ على استعداد أميركا وحلفائها لتنفيذ خيارات عسكرية. هذه الخيارات التي تشوبها عوائق عسكرية وسياسية ومالية وخلافات داخل البيت الأبيض حول فكرة التدخّل المباشر تقف اليوم في وجهها كلّ من موسكو وطهران اللتين تريان في أيّ عمل عسكري تهوّراً كبيراً سينسحب على المنطقة كلّها.

وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل كان قد أكد استعداد الجيش الأميركي لتنفيذ كل الخيارات في سوريا في حال صدور القرار الموافق من قبل الرئيس باراك أوباما، رافضاً تحديد ما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة في سوريا. وأضاف، في مؤتمر صحافي مع نظيره الماليزي في كوالالمبور، أنّ الإدارة الأميركية تدرس عوامل كثيرة، ومنها التقويم الاستخباري للهجوم في سوريا، وما سمّاه الأمور القانونية والدعم الدولي لأي ردّ عسكري.
وكان هاغل قد كشف أنّ البنتاغون يعمل حالياً على تحريك قوات في منطقة المتوسط لمنح أوباما «خيارات» في حال أمر بتنفيذ عمل عسكري ضد سوريا. وفي سياق الإعداد لأي عمل عسكري، عزّزت البحرية الأميركية حضورها في مياة البحر المتوسط بمدمرة رابعة مجهزة بصواريخ كروز.
كذلك بحث الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، في مكالمة هاتفية، في خيارات عسكرية ضد دمشق، واتفقا على أنّ الحكومة السورية استخدمت على الأرجح أسلحة كيميائية.
وأضاف بيان رئاسة الوزراء البريطانية أنّ الرئيسان أكدا أنّ «امتناع (الرئيس بشار) الأسد عن التعاون مع الأمم المتحدة يشير إلى أن النظام لديه ما يخفيه».
ونقلت إذاعة «BBC» أن كاميرون وأوباما بحثا خطة عقد اجتماع جديد لمجلس الأمن الدولي، وطرح مشروع قرار من شأنه «إعطاء الفرصة الأخيرة لنظام الرئيس بشار الأسد لنزع السلاح الكيميائي».
في سياق آخر، كشف مسؤول أميركي رفيع المستوى أنّ الولايات المتحدة تكاد تجزم الآن بأن الحكومة السورية استخدمت أسلحة كيميائية ضد مدنيين الأسبوع الماضي. وأضاف لوكالة «رويترز» «نحن مستمرون في تقويم الحقائق حتى يتمكن الرئيس من اتخاذ قرار مدروس بشأن كيفية الرد على هذا الاستخدام دون تمييز لأسلحة كيميائية». ورأى أنّ «في هذه المرحلة سيعتبر أي قرار للنظام بالسماح لفريق الأمم المتحدة بالدخول قد جاء متأخراً جداً بدرجة لا تسمح باعتبار أن له صدقية».
من جهة أخرى، طالب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في اتصال هاتفي مع نظيره السوري وليد المعلم، يوم الخميس الماضي، الحكومة السورية «بالسماح بوصول مفتشي الأمم المتحدة إلى موقع الهجوم الكيميائي المزعوم بدلاً من مواصلة الهجوم على المنطقة المتضررة لإعاقة الوصول وتدمير الدليل». ولفت مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إلى أنّ كيري تلقى تأكيدات من قادة «الجيش الحر» بأنهم سيضمنون سلامة محققي الأمم المتحدة في المناطق المستهدفة.

موسكو وطهران: التدخل خطأ مأساوي

في المقابل، دعت روسيا كل من يعلن عن إمكان استخدام القوة العسكرية ضد سوريا إلى تحكيم العقل وعدم ارتكاب أخطاء مأساوية. وأضاف المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، ألكسندر لوكاشيفيتش، أنّه «يجب رسم السياسة إزاء النزاعات المختلفة على أساس القانون الدولي والحقائق الموثوق بها وعدم طرح الافتراضات والأفكار المختلقة كي تنسجم مع المشاريع الجيوسياسية الأحادية الجانب».
بدورها، حذرت إيران الولايات المتحدة من تجاوز «الخط الأحمر» بشأن سوريا، مشيرة إلى أن ذلك ستكون له «عواقب وخيمة». ونقلت وكالة أنباء «فارس» عن مساعد هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية العميد مسعود جزائري ردّه على تصريحات بعض المسؤولين الغربيين حول استخدام الخيار العسكري ضد سوريا، تأكيده أن أميركا تعرف حدود الخط الأحمر على الجبهة السورية، وأن أي تجاوز لهذا الخط سيعود بتداعيات شديدة على البيت الأبيض.
وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد ندّد بشدة باستخدام السلاح الكيميائي في سوريا، وأعرب في تصريح صحافي عن قلقه نتيجة الظروف التي تسود اليوم هذا البلد. من جهة أخرى، اتهم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الولايات المتحدة بالسعي لبدء حرب عالمية، وعارض تدخل واشنطن في الشأن السوري، معتبراً أنّ الولايات المتحدة تريد تقسيم سوريا إلى أربعة أجزاء.
وفيما أعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، خلال محادثات مع رئيس الوزراء الأوسترالي كيفن راد، أن هناك مجموعة من «الأدلة» تشير إلى أن الهجوم كان «ذا طبيعة كيميائية، وأن كل شيء يقود إلى الاعتقاد بأن النظام السوري مسؤول عنه»، اعتبر وزير الخارجية لوران فابيوس هذا الأمر «مؤكداً».
من جهته، شدّد وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو على أنّه إذا لم يسمح «النظام السوري بدخول فرق التفتيش الدولية إلى مكان الهجوم فهو يحاول طمس الأدلة»، وذلك في مؤتمر صحافي مع نظيره القطري خالد بن محمد العطية الذي رأى أنّ «النظام السوري تخطّى كافة الخطوط وليس الحمراء فقط».
ودعت جامعة الدول العربية إلى عقد «اجتماع عاجل» على مستوى المندوبين، غداً الثلاثاء، في القاهرة بهدف «تدارس الأوضاع الخطيرة في سوريا».

المحققون الأمميّون في الغوطة اليوم

وفي السياق، أعلن مصدر مسؤول في الخارجية السورية أنه «تم الاتفاق بين الحكومة السورية والأمم المتحدة على تفاهم مشترك يدخل حيّز التنفيذ على الفور بشأن السماح لفريق الأمم المتحدة برئاسة البروفسور آكي سيلستروم بالتحقيق في ادّعاءات استخدام الأسلحة الكيميائية في ريف دمشق».
من جهتها، أعلنت الأمم المتحدة أن خبراءها سيباشرون منذ اليوم الاثنين التحقيق في الموقع المزعوم.
في مقابل ذلك، طالب رئيس «الائتلاف» المعارض أحمد الجربا المجتمع الدولي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع «قائد أركان الجيش الحر» سليم إدريس، «بردّ دولي فوري وحاسم»، فيما أكد إدريس أنّ «الجيش الحر لا يملك أسلحة كيميائية، ولدينا إثباتات تؤكد ضلوع النظام في العمل».
من جهة ثانية، رفض رئيس «هيئة التنسيق الوطنية» في المهجر، هيثم مناع، «أي تدخل أجنبي عسكري خارجي بأي شكل وأي سقف رداً على الهجمات المزعومة بالأسلحة الكيميائية في ريف دمشق». وفي ظل التهديدات الأميركية، يعقد قادة القوات المسلحة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا إضافة إلى قادة جيوش كل من تركيا والسعودية وقطر اجتماعاً في الأردن هذا الأسبوع «لتقييم الأحداث الجارية في سوريا وانعكاساتها على الأمن في المنطقة بشكل عام».
وفي هذا الإطار، أوضح وزير الخارجية الأردني ناصر جودة أن «هذا الاجتماع مبرمج منذ أشهر وضمن سلسلة اجتماعات تستضيفها الدول المشاركة، ولم يأت كرد فعل على استخدام الأسلحة الكيميائية، غير أنه لن يغفل هذه المسألة وسيبحثها لأنها مهمة وطارئة».

400 طن من الأسلحة

إلى ذلك، كشفت مصادر من المعارضة السورية أن 400 طن من الأسلحة أرسلت خلال الساعات الـ24 الماضية من تركيا إلى سوريا بتمويل خليجي لتعزيز قدرات مقاتليها في مواجهة الجيش السوري.
في سياق آخر، اغتيل محافظ حماة أنس عبد الرزاق الناعم، أمس، بانفجار سيارة مفخخة استهدف موكبه أثناء مروره في حي الجراجمة، في وقت يواصل فيه الجيش السوري عملياته الواسعة في غوطة دمشق وريفها، وسيطر على عقدة زملكا المرورية، وضبط نفقاً في القابون.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، سانا)