الغزو الروسي ومفارقات الوعي السياسي المراوغ

لا يبدو ادعاء الحياد مبرراً، من الناحية الحقوقية والسياسية، إزاء أية حرب معلنة على شعب ما لمجرد إعلانه إنه يريد أن يقرر مصير بلده ونظامه سياسياً وبحرية. ومحاولة تصوير الغزو الروسي البربري لأوكرانيا وكأنه مجرد صراع بين نظامين سياسيين يريد أحدهما اخضاع الآخر أو الإطاحة به، دون الاكتراث برغبة الشعب الأوكراني، بكل قومياته، في تقرير مصيره، تنطوي على الكثير من التضليل السياسي وتفتقر للنزاهة والمبدئية.
لا ينبغي بأي حال لدى تقييم الموقف سياسياً تجاهل إرادة الشعب الأوكراني المشروعة، بصرف النظر عن طبيعة نظامه السياسي ودوافعه. فقد اختار الأوكرانيون التحدّي ومقاومة هذا الغزو كتعبير عن رغبتهم في التخلص من كابوس نظام القوميين الروس وقيصرهم الجديد بوتين وطموحاته الإمبريالية، وشرعوا في اتخاذ مسار سياسي مستقل بعيداً عن رغبتهم في استعاد الهيمنة على مستقبله. إن هذه المقاومة المشروعة في الدفاع عن الأرض والوجود هي ما ينبغي أن تحظى بتأييد كل الأحرار في العالم وأصحاب الضمير، وهي ما توحّد الموقف الرسمي الدولي والإنساني في الوقت الراهن، باستثناء بعض الديكتاتوريات المارقة، التي نأت بنفسها عن أوامر الضمير وانحازت إلى جانب الغزو الروسي وراحت تبرره وتدافع عنه.
تمظهرات هذا الموقف اتخذ شكل مفارقات بائسة في الوعي السياسي الكردي عكست طبيعته المراوغة والانتهازية إلى حدّ كبير، بين الدعوة إلى الحياد في هذا النزاع والقول في الوقت نفسه بأن هذا الغزو غير عادل، أو الاكتفاء بالقول إنه مستهجن وغير مرغوب.
إن تسليط الضوء على تجربة الشعبين، الكردي والأوكراني، بصفتهما موضوعاً دائماً للغزو والإخضاع من جانب جيرانهما، ومقاربة الأمر تاريخياً يكشف عن العديد من المماثلات والمفارقات في آن.
من ناحية أولى، نجد أن مبررات بوتين في غزو جيشه الأخير لأوكرانيا هي متماهية إلى حدّ كبير مع تلك التي أعلنها ويعلنها على الدوام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واتخذها ذريعة في غزواته الخارجية في جنوب كردستان وغربها. إنها دون شك ادعاء الخوف المفرط(بارانويا) من وجود تهديد إرهابي لأمنه القومي، والملاحظ أن بوتين كان على الدوام الأكثر تفهماً لمزاعم أردوغان ومبرراته في حروبه على الكرد شمال سوريا، وأقدم معه على التسويات السياسية، التي باتت معروفة، على حساب الدم السوري عموماً والكردي خصوصاً.
على غرار أردوغان أعلن بوتين أنه لم يعد بوسعه القبول بوجود أي تهديد للأمن القومي الروسي على الحدود الجنوبية والغربية. هذا التهديد المتمثل بـ( النازيين الجدد) كما أعلن يشكل خطراً دائماً يحدق بمستقبل الأمة الروسية، ولهذا ينبغي محاربتهم و( اجتثاثهم). إن هذا الادعاء من جانب بوتين بوجود الخطر الدائم لا يختلف كثيراً عن مزاعم أردوغان المستمرة، الذي يواصل إعلانها عشية كل حرب بأنه قادم لاجتثاث التهديد الإرهابي الخطير الذي يحدق بالأمن القومي التركي عند الحدود الشرقية والجنوبية لتركيا.
من ناحية ثانية، لا تختلف دوافع بوتين للغزو عن دوافع وبواعث نظيره التركي رجب طيب أردوغان. بوتين مثله مثل أردوغان مهووس باستعادة الأمجاد الإمبراطورية القومية للروس، التي ينبغي أن تسود مجدداً وتهيمن على مساحات جغرافية واسعة وتطغى على شعوب وقوميات وتبتلعها في هويتها دون الاكتراث بأية حدود ثقافية أو لغوية. إنه يلهث، مثل أردوغان، بشغف دموي وراء حلم قومي يتخطى الخرائط السياسية والحدود، التي رسمت بين الأمم والدول في القرن الفائت. كلاهما محكوم بالرغبة في الانتقام من الخرائط السياسية التي يعتقدان أنها فرضت على أمتيهما وأكرهتا على القبول بها، وحان الوقت الآن لنهوضها من تحت رماد الهزيمة. هذا الشعور القهري بالإذلال يلازم الوعي السياسي لدى الزعيمين القوميين ويتقاسمانه مع شعور الزعيم النازي أدولف هتلر قبل الحرب العالمية الثانية.
في مواجهة الادعاءات القوموية التوسعية لبوتين وأردوغان، هنالك دائما ضحية، إما كردي أو أوكراني، أو أرمني، أو يوناني.. الخ يتوقع منها على الدوام تضامناً وتعاطفاً قويّاً بسبب التحديات المشتركة والمصير. لا أن تلجأ إلى اختلاق الفتاوى أو المبررات التي تبيح لها اتخاذ موقف انتهازي مرواغ تتنصل خلاله من التزاماتها الأخلاقية والسياسية اتجاه محنة الشعب الآخر، مثلما فعل الرئيس الأوكراني زيلنسكي لدى تبريره غزو أردوغان للمناطق الكردية شمال سوريا. ومثلما تريد أطراف كردية تسعى إلى فرض الحياد الأخلاقي والسياسي على الشارع الكردي إزاء الغزو الروسي. وفي هذا الموقف تتماهى تماماً مع موقف جلادها أردوغان نحو الغزو الروسي. وهنا تكمن المفارقة الثالثة والمعضلة الأخلاقية، حين تقتدي الضحية( الكردي) بسلوك جلادها( أردوغان) ليغدو قدوة سياسية وأخلاقية لها دون إرادتها.
أردوغان، رئيس الدولة العضو في الناتو، كان طوال الوقت الأكثر تباكياً على القرم، والأكثر صراخاً في وجه العالم بشأن وحدة أوكرانيا، يعلن الآن، بانتهازية مفرطة، الحياد السياسي ويرفض المشاركة في العقوبات الأوروبية على روسيا بحجة لعب دور الوسيط الدبلوماسي المحايد بين طرفي النزاع. ثم يخرج علينا سياسي كردي موصوم( بالإرهاب) في المعجم الأردوغاني المحفوظ ويطالبنا بالحياد أيضاً وإن اختلفت المسوغات لديه.
الدعوة للحياد في هذا الحرب المجنونة على الشعب الأوكراني، تعكس فشلاً ذريعاً في الوعي الأخلاقي والضمير، تعدّ تواطؤاً خفياً مع مزاعم بوتين وتبرير لسلوكه في قتل المدنيين وتدمير حواضرهم والمصادرة على مستقبل شعب اختار أن يقرر مصيره بإرادته الحرة. الدعوة للحياد هي مراوغة وانتهازية أخلاقية، لن تردع بوتين أو أي ديكتاتور مهووس آخر من أن يبرر لنفسه استباحة السلام العالمي، إنها دعوة مجانية، غير مكلفة، يمكن أن تصدر عن أيّ شخص يريد أن يتملص بسهولة من الضريبة الأخلاقية والسياسية للموقف.

 

د. سربست نبي
أستاذ الفلسفة السياسية، جامعة كويه

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد