الغلبة لإرادة الشعوب مهما طال الاستبداد

حيازة واحتكار الأنظمة الديكتاتورية المستبدة الشرق أوسطية لكافة الوسائل والأدوات المبتكرة أو تلك التي نتاج التراكم المعرفي الحضاري لتلبية الحاجات البشرية المستمرة والمتنوعة في تطوير وتنمية وحماية مجتمعاتها من العلم والمعرفة والأسلحة والصناعة والتكنولوجية بكافة أشكالها وأنواعها، حيازتها لتلك الوسائل والأدوات الاستراتيجية مكنتها من السيطرة وإحكام قبضتها على شعوبها وكمّ أفواههم واحتكار السلطة لعقود من الزمن.

مستغلة تلك الوسائل والأدوات على أكمل وجه في تمرير سياساتها الإلهائية الهادفة إلى تفقير وتجهيل وتمزيق وتهميش المجتمعات، مجتمعات ينخر في جسدها كمّ لا يحصى من التناقضات المفتعلة، ليتغذى عليها ويعمل على تسعيرها، وكل ما من شأنه يساهم في خلق مجتمعات تافهة يضمن بقاء أمنها الوجودي الأبدي على سدة الحكم.
حتى باتت المجتمعات سجون مفتوحة، بفعل ممارسات وانتهاكات أنظمتها الديكتاتورية المستبدة المنافية لجميع الأعراف والمواثيق الدولية والإنسانية، ومؤسسة في الوقت نفسه لقوانين وأحكام تشرعن وتعزز لسياساتها المستبدة.

سياسات وقودها الشعوب، فتلك الأنظمة وعبر آلتها القمعية التي لا تعرف الشفقة والرحمة خلقت وهمُ لدى شعوبها، بأنه ذاك الإله الذي لا يقهر، والطامّة الكبرى هي أنه مع مرور الوقت وقعت في شباك أوهامها، ماضيةً في سلطتها القمعية الاستبدادية مسلمةً بأنها حبل نجاتها الوحيد. أوهام ومسلمات قادت تلك الأنظمة إلى التباهي والتمادي في ظلم شعوبها ومجتمعاتها حتى باتت الكلمة جريمة فيها.

سياسات كانت كفلية بتخلف مجتمعاتها عن ركب الحضارة ونعتها بالنائية والمتخلفة بعدما كانت مهد ومصدر للحضارة والعلم والمعرفة والصناعة.
سياسات ممنهجة عملت على تغيير المفاهيم وإفراغها من محتواها، مغتربة عن ذاتها، فبعدما كانت السلطات تسهر على خدمة وأمن وتنمية مجتمعاتها، باتت المجتمعات مسخرة لخدمة السلطة الحاكمة مصبوغة بصبغة إلهية منزهة عن النقد أو المساس بها.

هنا أصبحنا معادلة أمام مركزية الذات “السلطة” الكل يعمل لأجل السلطة، بعدما كان الجميع يعمل أجل الجميع. وبذلك حولت المجتمعات وشعوبها إلى ملكية مطلقة للحاكم المستبد وحاشيته، حتى بات نمط المطلقية سائد في أنماط التفكير، ومسلمات لم تترك مجال للتفكير والشك واستحالة التغيير.
بالرغم من جبورة الأنظمة الاستبدادية وإحكام قضبتها على الشعوب والمجتمعات، لكن بين ليلة وضحاها تساقطت الواحدة تلو الأخرى، وتحطمت أصنام الألوهية والقدسية وجميع التابوهات أمام أول حراك ثوري شعبي.

متناسية الشرعية والقوة وسر التفوق يستمد دائماً من الحاضنة الشعبية، وبدلاً من احتواء المطالب الشعبية المحقة ومعالجة الخلل من الجذور، زادت من قبضتها الأمنية. وكالعادة ولتبرير ما يحدث على أنه مؤامرة خارجية، فكانت كفيلة بإيصال بمجتمعاتها إلى أزمات مستعصية وساحة لتدخلات خارجية وحواضن للإرهاب والتطرف. فخلال الفترة القليلة المنصرمة كنا أمام ثلاث نماذج تبرهن بأن الغلبة لإرادة الشعوب.

الأولى كانت تهديدات دولة الاحتلال التركية بشن عملية عسكرية على مناطق شمال شرق سوريا متذرعة بحجج وذرائع واهية لا أساس لها من الصحة، إنما يندرج ضمن مشروعها الاحتلالي التوسعي في الشمال السوري.

رهانها بالدرجة الأول وعبر عمليتها العسكرية الجوية وضربها للبنى التحتية والمدنيين خطوة أولى نحو تفريغ المنطقة من سكانها الأصلاء ودفعهم للهجرة والنزوح، لكن صمود الأهالي وإرادتهم بعدم التخلي عن أراضيهم في مواجهة آلة القمع التركية وأساليبها القمعية الترهيبية، أفشل نوعاً ما حسابات الاحتلال التركي.

بوقفة الشعب هذه كشف الستار عن المزاعم التركية وكسبت دعم وتأييد من المجتمع الدولي الرافض لأي عملية برية، ضغوطات منعت دولة الاحتلال التركي من القيام بتنفيذ عمليتها البرية على الأقل في الوقت الراهن.

أما الحادثة الثانية فكانت في السويداء وانتفاضة الشعب على سلطة دمشق ومطالبته بحقوقه في تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية والتي جوبهت بالرصاص الحي، أعاد بنا بالذاكرة إلى الأيام الأولى من الثورة السورية 2011، إلا أنها كانت كفيلة بإصدار السلطة جملة من القرارات تلبية لبعض من المطالب الشعبية والوقوف عليها.

أما الثالثة فكانت الاحتجاجات الشعبية في إيران على خلفية استشهاد الفتاة الكردية جينا أميني على يد الشرطة الأخلاقية، بالرغم من أن تلك الاحتجاجات جوبهت بيد من حديد، إلا أنها في نهاية المضاف أجبرت سلطة طهران التي قامت بحل ما يسمى “الشرطة الأخلاقية”.

حلول أو بالأحرى عبارة عن إجراءات اصلاحية وقتية وشكلية في الكثير من الأحيان لامتصاص الغضب الشعبي، فلا حكومة العدالة والتنمية ستتخلى عن تدخلاتها الخارجية طالما حافظت على بقاءها بسدة الحكم عبر تصدير أزماتها الداخلية عبر تدخلاتها الخارجية، ولا سلطة دمشق وهي تعيش في ذروة أزمتها على كافة الأصعدة وخاصة الاقتصادية منها، ولا سلطة طهران طالما الشرطة الأخلاقية وسيلتها الاستراتيجية التنفيذية لأيديولوجيتها.

فالحلول الاصلاحية الترقيعية ماهي إلا إسعافات أولية لكسب المزيد من الوقت لتبقيها على دفة الحكم، لكون بنية الأنظمة الديكتاتورية القائمة على المطلقية ومركزية الذات ورفض الأخر تمنعه من أي تجديد.

وعلى مدار التاريخ مهما طال عمر الأنظمة الديكتاتورية كانت نحو الزوال والبقاء للشعوب، ولا قدسية تعلو قدسية الإنسان، وفي ظل الانفتاح والتطور التكنولوجي بات العالم قرية صغيرة ليس بمقدور الأنظمة الديكتاتورية الاستمرارية لكونها باتت تشكل عقبة أمام حركة تطور المجتمعات وتطلعاتها وفطرية الإنسان.

الكاتب: ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية بمصر ليلى موسى