المرصد السوري لحقوق الانسان

الفرقة الرابعة.. الجيش الموازي في سوريا

بعد أربعين عاما، تتجدد ثناية الحكم العسكري في سوريا بين الرئيس وشقيقه، ففي مطلع الثمانينات كان رفعت الأسد (شقيق حافظ الأسد)، قائد سرايا الدفاع الرجل القوي في سوريا على المستوى العسكري والأمني بل حتى على المستوى المدني، بينما كان حافظ الأسد يشكو من الغيبوبة – آنذاك-.

واليوم يتكرر المشهد بسيطرة ماهر الأسد شقيق بشار الأسد على الفرقة الرابعة التي باتت الرقم الأول عسكريا في سوريا، بسبب الدعم الإيراني اللامحدود والصلاحيات المفتوحة لها على كافة الأراضي السورية.

لكن الفارق بين العام 2021 والعام 1984 حين دبت الخلافات بين رفعت الأسد وشقيقه حافظ، إثر محاولة الانقلاب على الحكم بقيادة رفعت، أن الانسجام والمسار المتوازي بين ماهر الأسد وبشار لم يشكو من اضطرابات – حتى الآن-، على الرغم من منافسة الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر، للحرس الجمهوري الذي يشرف عليه بشار الأسد.

ويثير تنامي قوة الرابعة- التي كانت النسخة الجديدة عن سرايا الدفاع- (سابقا)، في سوريا فترة الحرب تساؤلات كبيرة على مستقبل هذه الفرقة، ومستقبل الجيش في سوريا وتوازن القوة العسكرية ومخاوف من نشوء قوة أخرى تضاهي قوة الجيش المنهار أصلا بسبب الانشقاقات ودخول الميليشيات في صفوفه، وفترة الحرب الطويلة التي أنهكت الجيش ماديا ومعنويا، فضلا عن توغل إيران على مفاصل عديدة في الجيش السوري، وتحالفها الوثيق مع الفرقة الرابعة الأمر الذي يمنع إطلاقا تراجع النفوذ الإيراني في سوريا حتى بانسحاب الميليشيات.

فمن هي الفرقة الرابعة، من حيث البنية والنفوذ والامتداد والدور، وكيف أصبح شكل هذه القوة العسكرية بعد الحرب من حيث الانتشار والوظائف العسكرية، وما هو مستقبل هذه القوة العسكرية ومدى إمكانية تأثيرها على تقليص قوة الجيش السوري وإعادة الاعتبار إليه!؟

إمكانات الفرقة الرابعة

كانت مهمة الفرقة الرابعة وكذلك سرايا الدفاع (سابقا) هي تأمين العاصمة دمشق، وحماية النظام من أية ضربات موجعة، فهاتان القوتان (الرابعة وسرايا الدفاع) كانتا القوتان الأساسيتان في حماية النظام السوري عسكريا وبالتحديد من الداخل، لكن خلال الحرب تحولت الفرقة الرابعة إلى جيش ينتشر على كل الأراضي السورية وليس في العاصمة دمشق وأطرافها، نتيجة عدم الثقة بقوات الجيش النظامي وكثرة الانشقاقات العسكرية من ضباط السنة على وجه التحديد، بالإضافة إلى الإمكانات الخاصة للفرقة الرابعة من حيث التسليح والإمكانات الضخمة التي تضاهي الجيش، الأمر الذي قلص قدرة الجيش السوري على اتخاذ القرار ومنح هذه الفرقة الكثير من الصلاحيات في ظروف الحرب، جعلها متقدمة في كل المواقع وبات هناك مستويين من الجيش السوري، مستوى متفوق معنويا وماديا وعسكريا ومستوى آخر أقل، على الرغم من أن الفرقة الرابعة لم تحسم أي معركة منذ بداية الحرب، من دون بقية التشكيلات العسكرية إلا أن قوتها المفرطة واتساع صلاحيات القصف والتدمير جعل منها سمعة واسعة الصيت.

ويصف العديد من الضباط في القصر الجمهوري وكذلك في الجيش النظامي الفرقة الرابعة بـ”سارقة الانتصارات”، فهي لم تتمكن من حسم الكثير من المعارك في حلب والرستن وحتى مؤخرا في درعا، لولا الميليشيات الإيرانية وحزب الله التي كانت تهدي الانتصارات في المعارك إلى الفرقة الرابعة بشكل متعمد لمنح ماهر الأسد سمعة الانتصارات في سوريا ضد المسلحين. (1)

تتألف الفرقة الربعة من أربعة ألوية هي “٣٨-٤٠-٤١-٤٢”، ويتبع لها كل من الأفواج ٥٥٥ و ٦٦٦ و ٥٤، وكل هذه القطعات العسكرية هي من سلاح المدرعات، ويتبع لها فصائل وسرايا تخصصية كـ “الإشارة – السطع – الهندسة” وبقية قطاعات الجيش الطبيعية بحيث تأخذ شكل الجيش المتكامل، ويبلغ تعداد العناصر النظاميين في الفرقة من مجندين ومتطوعين ما يقارب ١٦ ألف عنصراً فيما تمتلك الرابعة لوحده نحو ٥٠٠ دبابة من مختلف الأطرزة، إضافة إلى عربات مصفحة لنقل عناصر الإمداد والمشاة وبقية صنوف الأسلحة الملحقة بـ “المدرعات”. (2)

إلا أن هذه القوة العسكرية الضخمة وانضمام مقاتلين مدنيين إليها، حول الفرقة الرابعة إلى قوة غير منضبطة ومنفلته، بحيث تفسخت المنظومة العسكرية لدى المقاتلين العسكريين بسبب تداخل الطبيعة المدنية مع العسكرية، وكذلك تحولت العناصر المدنية إلى قيادات عسكرية لكنها غير عسكرية مهنية مثل (يعرب زهر الدين) الذي يقود مجموعات من محافظة السويداء الدرزية وهو ليس من بيئة المؤسسة العسكرية، وهذا أحدث تجاوزات ضد المدنيين أصبحت الفرقة الرابعة مسؤولة عنها أخلاقيا وذات سمعة سيئة بين السوريين، بينما كانت الدرع الخصين لحماية النظام فقط.

أفرزت الحرب السورية على مدار عشر سنوات حاجة ملحة إلى الفرقة الرابعة بسبب تدني مستوى القتال لدى الجيش السوري الذي لم يكن مؤهلا بالأصل من الناحية القتالية وعلى حرب المدن الداخلية، بالإضافة إلى قلق النظام من زج كل الجيش في معارك قاسية ما يؤدي إلى مزيد من الانشقاقات لذا اتجهت القيادة السورية إلى تعزيز دور الرابعة التي يشكل العلويون حوالي 95% من قوامها على مستوى الضباط والجنود العاديين (3). باعتبارها جناح لبشار الأسد وتم تزويدها بأنواع من الأسلحة غير موجودة في بقية الفرق العسكرية في الجيش السوري، من أهمها كتيبة الانتحارية، وهي كتيبة قوامها العسكري أربع سرايا، ويصل تعداد عناصرها في الأحوال الطبيعية إلى ٦٠٠ عنصر من الجاهزين لتنفيذ مهام انتحارية، إلا أنه لم يتم استخدام هذه المجموعة حتى الآن، وهو مؤشر على أن مستوى الحرب السورية طوال السنوات العشر الماضية لم يصل إلى مستوى الذروة من وجهة نظر النظام.

وتقول مصادر عسكرية خاصة؛ أن هذه المجموعة الانتحارية تم إعدادها في حال انهيار الدولة والقوة العسكرية، وخصوصا في حال تفكك الجيش، بل تشير المصادر إلى أن هذه المجموعة المشكلة من الطائفة العلوية، السلاح العسكري الأخير للنظام السوري.

وقد عززت الفرقة الرابعة قوتها العسكرية، بكتيبة الكيمياء، وهي الكتيبة الوحيدة في الفرق العسكرية المعروفة في الجيش السوري التي ما تزال تمتلك ترسانة من الأسلحة الكيميائية المتعددة الصنوف، ويرى ضباط منشقون في الجيش عملوا في الفرقة الرابعة (التقى بهم الكاتب)، أنه مازالت بعض الأسلحة الكيماوية مازالت في حوزة الفرقة الرابعة وقد تم إخفائها بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني في جبال الصبورة والمناطق الحدودية مع لبنان.

أما منظومة الدفاع الجوي، فيتبع لها تشكيلات من أس ٢٠٠+ أس ٣٠٠+ باستنتر+ كوبرا.

ومنظمة الصواريخ اللوجستية، وهي صواريخ متوسطة وبعيدة المدى توصف بالصواريخ الاستراتيجية المخصصة لحالات الصدام مع اسرائيل، أو الصراعات العسكرية الخارجية، وهي مخزنة ضمن مستودعات في منطقتي الصبورة ويعفور، مع جزء بسيط في الجبال القريبة من “قرى الأسد”.

كما إنها الفرقة العسكرية الوحيدة التي تمتلك مصانع خاصة باللباس العسكرية، وهي القوة الوحيدة التي تمتلك نقطتي إمداد وإصلاح في كل من مطاري دمشق بجزئه العسكري ومطار المزة العسكري، الفرقة العسكرية الوحيدة التي تمتلك القدرة على استخدام المروحيات القتالية لنقل الإمداد العسكري وفرق الإصلاح إلى أي نقطة قتالية في الجبهة السورية.

وبسبب الحالة الخاصة التي تمكن ماهر الأسد من منحها للفرقة الرابعة وضرورة فصلها عن الجيش السوري، على الرغم من دمجها مع الجيش في نهاية العام 1985 بعد خروج رفعت من سوريا حين كانت “سرايا الدفاع، إلا أنها الفرقة العسكرية التي حصلت على استثناء لتأسيس جهاز أمني خاص، كانت المهام الموكلة له قبل الحرب هي ضبط عناصر الفرقة من ناحية المخالفات العسكرية والجرائم المرتكبة من قبلهم لكن خلال الحرب تم توسيع مهام هذا المكتب لتشمل؛ المهام القتالية من خلال مجموعات التسوية والمتعاقدين مع مكتب “أمن الرابعة” وتنظيمهم ضمن قوات تقاد من قبل العقيد “غياث دلة وفراس كريدي ويعرب زهر الدين” وآخرين.

يبلغ قوام مكتب أمن الرابعة حالياً حوالي ١٥ ألف عنصر غالبيتهم من المتطوعين خلال فترة الأزمة السورية، وبعد حالة الاستنزاف للمؤسسة العسكرية السورية ومن بينها الفرقة الرابعة دخلت عناصر مدينة إلى هذه الفرقة بالإضافة إلى الميليشيات الإيرانية من أجل تعويض النقص، ولكن هذا جعل الفرقة الرابعة في الوقت ذاته رهينة بيد إيران، حيث يقدر الآن قوات الفرقة الرابعة بحوالي 18 ألف مقاتل بسبب قيامها بالعديد من المهام العسكرية خصوصا في الآونة الأخيرة في الجنوب السوري.

مفاصل الرابعة وبنيتها

على الرغم من تجاوز هذه الفرقة لكل الخطوط الحمراء على مستوى المعارك والانضباط العسكري والتعالي على فرق الجيش الأخرى، إلا أنها ما تزال أحد أهم أذرع الرئيس بشار الأسد بل ويمكن القول إنها صمام الأمان المباشر لـ “الرئيس السوري”، والسبب المباشر أن من يشرف على هذه الفرقة العسكرية المتمردة ماهر الأسد، الذي يتشدد منذ بداية الأزمة في انتقاء الضباط الموالين والمخلصين جداً لقيادة المهام القتالية والقطعات العسكرية التابعة للفرقة التي يقودها شكلياً اللواء “علي محمود”، أحد أبرز القادة الفعليين المنفذين لأوامر ماهر دون الرجوع للمستوى الأعلى في المؤسسة العسكرية، ويأتي تشدد ماهر الأسد في التركيز على الضباط العلويين بعد انتقادات واسعة ضمن الطائفة العلوية ونخبة الجيش ضد بشار الأسد ومن ورائه علي أصلان الذي يعتبر (سابقا) من أصحاب تقليص النفوذ العلوي في الجيش السوري، لكن الأحداث الأخيرة في سوريا جعلت ماهر الأسد وكذلك بشار الأسد على قناعة ان التوسع العلوي في الجيش هو الضمانة لبقائه قويا واتجه ماهر أكثر من قبل إلى ترسيخ النفوذ العلوي على مستوى القيادات العسكرية، حيث تتجاوز نسبة الضباط في الفرقة الرابعة كذلك 95%.

إن السبب الأساسي لقوة الفرقة الرابعة بالمقارنة مع الجيش السوري، ليس الإمكانات العسكرية فقط ونفوذ ماهر الأسد، فهذه الفرقة هي الوحيدة بين قطاعات الجيش قادرة على طلي الإمدادات العسكرية من أي فرقة من فرق الجيش السوري بأمر مباشر من العميد علي محمود أو ماهر الأسد من دون الرجوع إلى القيادة العسكري في هيئة الأركان، حيث يرتبط قائد هذه الفرقة بوزير الدفاع مباشرة من الناحية التنظيمية وهذا يجعل الفرقة الرابعة أكثر قوة وسلطة وغير قابلة للكسر، فالجيش في خدمة هذه افرقة وليس العكس الامر الذي مكنها من ابتلاع كل القطاعات العسكرية.

نقاط ضعف الرابعة

لم تعد الفرقة الرابعة نتيجة سنوات الحرب الطويلة بالفرقة العسكرية الخالصة التي تجيد العمل العسكري المهني على الرغم من الإمكانيات العسكرية، وذلك يعود للأسباب التالية:

  1. أن أغلبية المتطوعين للقتال في صفوف أمن الرابعة هم من الهاربين من الجيش أو الأشخاص الذين كانوا مطلوبين جنائيا وتمت تسوية ملفاتهم مقابل القتال إلى جانب الحكومة السورية.
  2. تفسخ منظومة العسكري نتيجة الاختلاط بالميليشيات الطائفية والاعتماد على أساليب حرب غير عسكرية مهنية وإنما أساليب تتسم بالطائفية إلى حد بعيد.
  3. تحول عناصر الفرقة الرابعة إلى عناصر لجباية الأموال على الطرقات والحواجز العسكرية والمعابر بين المناطق المتصارعة، حيث تتولى الفرقة الرابعة مهمة جباية الأموال الأمر الذي جعل هذه الفرقة منبوذة على المستوى الشعبي وحتى العسكري.(4)
  4. نشوء طبقات اقتصادية مدنية مرتبطة بالفرقة الرابعة نتيجة ظروف الحرب منهم أبو علي خضر، الذي ذاع صيته في الحرب كرجل أعمال ارتبط بالفرقة الرابعة نتيجة العلاقات الخاصة بضباط الفرقة الرابعة، إذ ظهرت هذه الشخصية بشكل مفاجئ في الحرب كشخصية اقتصادية، إلا أن هذه الشخصية هي امتداد لماهر الأسد الذي عمل إلى جانب الفرقة الرابعة في جباية الأموال، وهذا حول الفرقة الرابعة إلى نوع من أنواع الميليشيا المتغطرسة والمتعالية حتى على الجيش السوري.

كل هذه العوامل جعلت من الفرقة الرابعة ذات سمعة متدنية في الأوساط السورية، خصوصا على المستوى العسكري، حيث لم تعد تحظى بالاحترام وخرجت عن سياق الحرب لتتحول إلى نسخة متطابقة مع سرايا الدفاع التي كانت تابعة لرفعت الأسد.

كل العوامل السابقة، توحي بمخاطر عميقة على المؤسسة العسكرية السورية وعلى زيادة هيمنة نظام الحكم في سوريا، خصوصا في ظل التوافق والانسجام بين ماهر الأسد وشقيقه بشار الأمر الذي حول القوة العسكري في سوريا إلى قوة لحماية النظام فقط سواء الجيش أو الفرقة الرابعة، والخطر الأكبر من كل ذلك هي قناعة الطبقة العسكرية العلوية وعلى رأسها بشار الأسد الذي منح الفرقة الرابعة صلاحيات مفتوحة أن القوة يجب أن تكون محصورة بيد الفئة العلوية على غرار ما يحدث في الفرقة الرابعة، وهذا يهدد الدولة السورية ويجعلها رهينة المؤسسة العسكرية الخاصة للنظام السوري وبذلك يستحيل إعادة هيكلة مثل هذه القوة دون المرار بالقرار السلطوي الطائفي، وهو في الوقت ذاته يحرج الطبقة العلوية في سوريا مع بقية الطوائف، علما ان الأسد يستخدم هذه الطائفة لتعزيز نفوذه دون امتيازات خاصة بالعلويين.

الأمر الآخر، إن مثل هذه القوة العسكرية المتمحورة حول العلويين فيه من الظلم للطائفة العلوية المغلوبة على أمرها والتي أصبحت ضحية النظام السوري ومرتبطة به بحكم التجييش الطائفي على مدار السنوات العشر وهنا تظهر مسالة جديدة وهي صعوبة فصل القوة العسكرية عن الصفة العلوية، ما يجعل سوريا في شكل خطير جدا على المستوى العسكري الاجتماعي، في ظل تمدد الفرقة الرابعة التي تحولت إلى أداة علوية مرتبطة بالسلطة بشكل مباشر ووثيق.

ولعل تراجع الحماسة الروسية بإعادة هيكلة الجيش السوري التي بدأت في العام 2015، يزيد من هيمنة الفرقة الرابعة في سوريا وبالتالي المزيد من تعميق هيمنة العسكر على كل مفاصل الحياة في سوريا وجعلها دولة مرتبطة بالجيش فقط، وهذا يمنع أية عملية تغيير في البلاد.

وفي الوقت الذي يتم الحديث فيه عن إعادة هيكلة الجيش والأمن على أسس مهنية وعسكرية محترفة، من أجل تقليص سلطة الأسد على البلاد، نرى أن التوجه العسكري في سوريا يذهب إلى تعزيز السيطرة على المفاصل الأمنية والعسكرية، ومن هنا تأتي مخاطر تنامي قوة الفرقة الرابعة التي من شأنها ان تعيق أي عملية هيكلة او تغيير حقيقي في الجيش لصالح الدولة السورية وليس لصالح النظام.

المصدر:mei#75

الكاتب :عبدالله الغضوي

لتبقى على اطلاع باخر الاخبار يرجى تفعيل الاشعارات

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول