القمة في هلسنكي ومربط الفرس في تل أبيب

38

بعيداً عن مقاييس القوى العالمية تشكل إسرائيل الملحن لجميع أنواع الصراعات و الأزمات في منطقة الشرق الأوسط ، هذه المنطقة التي تؤثر بشكل مباشر على العالم أجمع بمجال الطاقة والاستقرار و الأديان ، و بوجود تل أبيب في قلب هذه المنطقة يضعها ضمن أكثر دول العالم تأثيراً ، و مع تعقد المشهد في هذه المنطقة التي لم تعرف يوماً استقرارا تاما بفعل الحروب و الأزمات أصبح من الصعب مراقبة خيوط اللعب و من يقف خلف هذه الأزمات ، فالربيع العربي الذي أتى من بعد أعوام و أعوام من الاضطهاد و الفساد التي عاشها العالم العربي ، يفاجئ العالم بتحوله لخريف زاد من سوء أوضاع شعوب المنطقة ، هذا الانحراف لم يأت مع الربيع أو من شباب الحرية في هذه الدول و إنما من قوى إقليمية ودولية تحتاج أن تبقي تحكمها و خيوطها في المنطقة ثابتة ، و كنتيجة هذه التدخلات كان ما كان ، إلا أن لتل أبيب حصة الأسد مما جرى في الشرق الأوسط خلال الأعوام الخمسين الماضية بشكل مؤكد .
مع صعود ترامب لقيادة البيت الأبيض كان اللوبي الإسرائيلي من أكثر المسرورين في واشنطن فأيديولوجيا ترامب تقوم بشكل أساسي على وضع أمن إسرائيل على رأس قائمة أولوياته ، و مما زاد من سلطة تل أبيب في البيت الأبيض هو خلفية وصول ترامب للرئاسة الأمريكية ، فالموساد صاحب الشهرة العالمية بقدرته على جمع المعلومات مكنت تل أبيب من الإمساك على وثائق كافية للضغط على ترامب بشكل يجعله يسير مغمض العينين خلف الرأي الإسرائيلي ، و الوقائع تؤكد ذلك بما لا شك فيه .
تل أبيب واللعب تحت الطاولة
في سوريا كانت تل أبيب المسؤول المباشر على تشكيل ما سمي بغرفة الموك في الأردن هذه الغرفة التي شكلت لإدارة قوات المعارضة السورية المسلحة في الجنوب و الوسط السوري و تمكن تل أبيب بشكل كامل من السيطرة على أصحاب القرار في هذه الميليشيات ، و الأحداث الأخيرة هناك و التي أدت لإعادة سيطرة الأسد على محافظة درعا و أجزاء واسعة من محافظة القنيطرة كانت بتنسيق مباشر مع تل أبيب أو عبر موسكو ، فيما أن كل ما سرب عن اجتماع هلسنكي بين بوتين و ترامب يؤكد على أن ترامب وضع الرضى الإسرائيلي في الأزمة السورية أولوية لواشنطن ، هذا التفاهم دفع كلا من وزير الخارجية و رئيس أركان روسيا لزيارة إسرائيل و لقاء نتنياهو و ليبرمان من بعد أيام من قمة هيلسنكي .
من خلال التدقيق و التمحيص في تحركات جيش الدفاع الإسرائيلي من جهة و الدبلوماسية الإسرائيلية من جهة أخرى يتلخص اهتمام تل أبيب في الأزمة السورية ضمن ثلاثة ملفات وهي كالتالي :
الملف الكيميائي الذي تمت السيطرة عليه من قبل موسكو سابقاً و دمرت إسرائيل أجزاءً منه في عدد من الغارات الجوية و الصاروخية خلال الفترة الماضية ما بين مركز البحوث العلمية في جمرايا و حتى مركز البحوث في مصياف مروراً بمستودعات تخزين سرية على أطراف مطار النيرب شرق مدينة حلب . ملف الصواريخ البالستية و على رأسها صواريخ سكود روسية الصنع ، و بالعودة لعام 2013 فإن ضربات تل أبيب في كل من القلمون و جبل قاسيون في العاصمة السورية دمشق قد أنهت على معظم هذه الصواريخ فيما كانت الضربات على اللواء 47 في ريف حماة و معامل الدفاع في حلب و مصياف إتماماً لإنهاء البرنامج ، كما أن النفوذ الروسي في سوريا جعل من هذا البرنامج بعيداً عن الأيادي السورية أو الإيرانية .
إيران و ذراعها اللبنانية « حزب الله «
لا ترى تل أبيب إمكانية لتقبل بقاء أي وجود إيراني في سوريا ، فإسرائيل التي ترى في ديكتاتور حي المهاجرين ضعفا و حاجة تجعله مضطرا للقبول بأي مطلب إسرائيلي بما فيها التخلي عن حليفه الإيراني ، و بالرغم من عدم وجود خطر مباشر إيراني بالوضع الحالي ضد تل أبيب إلا أن ذلك لا يعني بأي شكل أن تل أبيب مضطرة لقبول بقائهم هناك ، و بالتالي فإن نهاية هذا الملف بالنسبة لتل أبيب تكون عند انسحاب إيران من سوريا بشكل كامل و هو ما يتم بحثه بشكل مكثف في موسكو ، و حتى ذلك الوقت ستستمر إسرائيل بضرباتها الجوية ضد أي صيد ثمين أو شحنة صاروخية أو موقع تطوير تابع لطهران داخل الأراضي السورية .
تل أبيب هي من اختارت توقيت و كيفية نقل السفارة الأمريكية نحو القدس ، و تل أبيب هي المسؤولة بشكل مباشر على التمدد الإيراني في المنطقة من بعقوبة في العراق و حتى صنعاء في اليمن من خلال مدهم بالسلاح و إعطائهم الغطاء الغربي الأمريكي ، و تل أبيب هي من تقود حلف و مافيا الثورة المضادة في المنطقة من ليبيا و حتى الحديدة ، و هي نفسها تل أبيب التي ينغص نومها طائرات ورقية يطلقها أطفال مخيم جباليا في غزة ، أما الشعب السوري الذي ضحى بالغالي و النفيس ليحصل على حريته لايزال يملك أوراقا عدة تمكنه من قلب الطاولة ، و النقطة الأهم هو التعلم من تجربة الجنوب السوري والتجربة الأفغانية فهما كافيتان لإعادة رسم خريطة القوة في سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً ، و الشمال السوري الذي يراه البعض كخاتمة لصفحة الثورة السورية قد يكون بداية لموجة تغيير و ربيع شرق أوسطي و عربي أوسع وأكثر فاعلية . محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط

ايفا كولوريوتي
المصدر: القدس العربي