اللاجئون السوريون في لبنان وبشاعة هذه الأيام

32

قدّمت “أم تي في” لمسلسل “غداً نلتقي” المعروض عبر “أل بي سي آي” فرصة الانتشار الكثيف، مُحرِّضة جمهوراً يتفادى الغَمّ على متابعته. سنقول إنّ التسرُّع مضرٌّ للبعض ومفيد للبعض الآخر، والمحطة بتهميشها الجوهر، جمّعت حول المسلسل أناساً بدافع الفضول وبدافع الرغبة في مواكبة ما استجدّ. المسلسل من أكثر مسلسلات الموسم جدّية واتزاناً، ليس للقهر في أعماقه والسردية الموجعة المُشكِّلة بنيته النصّية، بل أيضاً لما في الشخوص من اختزالات لأسئلة كثيرة وأجوبة صامتة. الجميع يُحتَضر من غير المجاهرة بالشهقة الأخيرة. الجميع منكوبٌ مثل أرض سوريا ونازفٌ مثل جراح أبنائها. كتب إياد أبو الشامات ورامي حنا نصاً لا يرقص فوق الجثث، وتولّى حنا بدوره إخراجاً أشبه بهندسة الصورة وتأهيلها لمواجهة مصير أبطالها. لكنّ “أم تي في” شطحت في تقرير إخباري حمّلته عنواناً متسرِّعاً: “أل بي سي آي تشوّه سمعة اللبنانيين”، ثم دعت جهاز الرقابة في الأمن العام الى التحرّك.

المسلسل جَمرٌ يكوي أقداماً تائهة، الدرب فيه طويلة والمسير مُرهِق. في رمضان 2014، حمل “سنعود بعد قليل” هَمّ اللجوء على صدره، وفي النهاية تراءى الاختناق قدراً رغم الأمل. “غداً نلتقي” أكثر تورّطاً بالهَمّ وأكثر عناية بالغصّة. كاريس بشار تؤدي دوراً يتطلّب العضّ على الألم ثم إطلاق صرخة واحدة. بشار في دور وردة، شابة تعمل في غسل الموتى وتدّعي العمل سكرتيرة في أحد متاجر الأشرفية. خجلاً أو عاراً أو حفاظاً على سُمعةٍ مُهدّدة.شخوص المسلسل تكثيف مذهل للمأساة السورية في أراضي اللجوء، وسردٌ جحيمي للذل المُعاش والنظرات المُغرِضة. يأتي السوري هرباً من خراب بلاده، فيُحمَّل ويل الأوطان التي يحلّ فيها. المسلسل عن ضغوط العيش في بقعة ضيّقة مكتظّة يملأ زواياها العتم. كاميرا رامي حنا متعِبة. لا متنفَّس في الصورة ولا ألوان تسطع. كأنّ الحوادث تجري في تابوت ينتظر أيادي تواريه الثرى. عَزَّ على “أم تي في” كيف أنّ المسلسل “مَسَّ” الأشرفية وسمح للخطاب “العنصري” بالتجلّي فيها. “أوبسسس”، كيف ذلك؟ كيف تُستَحضر سيرة الفلسطيني والسوري على أرض الأشرفية؟ أمكن “أم تي في” أن تبحث عن مَخرج آخر لتتعامل بصرامة مع “أل بي سي آي” ومسلسلاتها إذا كان لا بدّ من حرب رمضانية باردة. فلتدع جانباً “صورة اللبنانيين”. منذ زمنٍ لم تعد مقنعة.

 

النهار