المرصد السوري لحقوق الانسان

اللاذقية… الغلاء والجوع يغيران معالم معقل الأسد

في عام 2014 كنتُ في مهمّة صحافية داخل سورية، وانتقلت من دمشق إلى حلب ثم إلى إدلب وأخيراً إلى اللاذقية. في تلك الفترة، كانت المعارك بدمشق وريفها وحلب وإدلب في أوجها، كانت تلك المدن لا يسكنها إلا القصف والموت، ولكن فور الوصول إلى محافظة اللاذقية الساحلية، شعرتُ أنّني انتقلت إلى دولة أخرى في قارة بعيدة. لم تكن اللاذقية تشبه أياً من المدن الأخرى، لا معارك ولا غارات جوية ولا قصف ولا اشتباكات ولا حتى حصار وتجويع، حتى أنّ التيار الكهربائي لم يكن يغيب عن تلك المدينة، في وقتٍ كانت مدن أخرى لا تعرف الكهرباء إلا ساعتين يومياً، هذا إذا كانت هناك كهرباء أصلاً.

اصطحبني حينها أحد الأصدقاء بجولة مسائية داخل المدينة، مرَّ على مطاعم ومقاه وحانات ونواد ليلية وشواطئ للاسترخاء، حتى بدأت أسأل نفسي: هل أنا في سورية ذاتها؟

أما اليوم، فلا تشبه اللاذقية ما كانت عليه في السابق: وجوه المدنيين هناك متعبة، شوارعها ومقاهيها وشواطئها شبه فارغة. صحيح أنّ المدينة لم تشهد أي نوع من أنواع العمليات العسكرية، ولكنّها اليوم تختبر التجويع والغلاء الشديد للسلع والبضائع، الأمر الذي جعل سكّانها غير قادرين على تلبية احتياجاتهم اليومية الضرورية.

يفشل الأسد اليوم في انتشال تلك المدينة من شبه العوز الشديد والمجاعة

على مدار السنوات الماضية، حافظ رأس النظام السوري بشار الأسد على ضرورة أن تبقى اللاذقية (مسقط رأسه) هادئة، بعيدة عن كل ما يجري في سورية، ولكن الأسد يفشل اليوم في انتشال تلك المدينة من شبه العوز الشديد والمجاعة.

زجَّ سكان الساحل الكثير من أبنائهم في جيش النظام السوري للقتال إلى جانب الأسد، كان الأخير قد أوصل إليهم فكرةً مفادها أنّ بقاءهم مرتبطٌ ببقائه في سدّة الحكم، وأنّ عليهم أن يخوضوا حرب الوجود معه. بعد سنوات أصبحت محافظة طرطوس الساحلية تُلقّب بـ”مدينة الأرامل” وذلك لكثرة النساء اللواتي فقدنَ أزواجهنَّ بعد التحاقهم بجيش النظام، ثمّ مقتلهم على جبهات درعا وحلب ودير الزور وحمص وريف دمشق.

تبدأ الجولة في اللاذقية من حي الدعتور، يسمّيه سكان المدينة حي الفقراء أو حي الشهداء. خلال الطريق إلى هناك، يرفض جميع سائقي سيارات الأجرة الدخول إلى الحي، لأنّهم يخافون على سياراتهم من الحفر العميقة داخله، والذي لم يتم تعبيدها إلى الآن.

يُطلق على هذا الحي أيضاً اسم “حي الشهداء”، في إشارة إلى العدد الكبير من القتلى الذين سقطوا بعد انضمامهم إلى جيش النظام السوري. الحي مكوّن من الأبنية المخالفة بشكلٍ رئيسي، وبالمرور من شوارعه، يلاحظ المتجوّل صورةً لشاب في العشرينيات من عمره وخلفه علم النظام السوري وتحت اسمه “كليشيه” ثابتة (الشهيد فلان الفلاني استشهد دفاعاً عن الوطن)، وأمام كل نافذة منزل توجد الصورة ذاتها تقريباً، ومن كثرة الصور يتم الاستنتاج بأنّ كل منزل في ذلك الحي الفقير تقريباً فقد أحد أفراد أسرته خلال قتاله دفاعاً عن نظام الأسد.

في السنوات الماضية، كان أهالي الحي يختبرون الفقر والجوع ومقتل أولادهم من دون أن يصدر عنهم أي احتجاج، لأنّ غالبيتهم كانوا يعتقدون أنّهم “يخوضون حرب وجود”، وأنّ الثورة السورية في ما لو نجحت، فإنّها ستطيح ببشار الأسد صمام أمانهم. ولكن اليوم اختلف الأمر، باتت الأحاديث تدور داخل كل منزل وأمام كل بقالية عن الخسائر التي تكبدوها دفاعاً عن الأسد، والذي بدوره لم يقدّم أي شيء لهم ولم يكن صمّام أمانٍ لأحد.

من هؤلاء أبو علاء، الذي يعمل في مجال الإسمنت، ولكن راتبه لا يتعدّى 60 ألف ليرة شهرياً (نحو 28 دولاراً) – (الدولار يساوي 1250 ليرة وفق السعر الرسمي، ويراوح بين 2225 و2275 ليرة وفق سعر السوق) – ويقف حائراً في كل يوم كيف سيوزّع هذا الراتب على مصاريف الحياة اليومية. لدى أبو علاء أربعة أبناء، ثلاث فتيات يدرسنَ في المدارس والجامعات، في حين أنّ ابنه البكر علاء كان يعمل في مجال كهرباء السيارات ويعينه على مصاريف البيت. لكن في عام 2013 سيق علاء إلى الخدمة الاحتياطية، تمّ الزج به إلى جبهة حندرات في ريف حلب، وبعد أسابيع استلم أبو علاء جثّة ابنه من المستشفى العسكري، فلم يعد هناك من يعينه على المصاعب الاقتصادية للحياة.

المشكلة الأكبر في اللاذقية هي سطوة المليشيات من أقارب رأس النظام السوري بشار الأسد على مفاصل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية

رفض أبو علاء توجيه اتهام مباشر للنظام السوري بما وصل إليه من حال، ولكنّه في الوقت نفسه كان يكرّر جملة “الكل تخلّى عنّا، لم يقف أحد معنا”. ويضيف الرجل الخمسيني أن فتياته لديهنَّ الكثير من المطالب اليومية والتي لا يستطيع تأمين شيء منها، موضحاً أنّه حتّى “أكلات الفقراء” كالبرغل والفلافل بات تحصيلها أمراً في غاية الصعوبة بسبب الغلاء الفاحش، ثمّ يرمي بجميع هذه المشاكل على من يصفهم بـ”تجّار الحرب”.

المشكلة الأكبر في اللاذقية هي سطوة المليشيات من أقارب رأس النظام السوري بشار الأسد على مفاصل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ويقطن معظمهم في حي الزراعة الفاخر الذي يُعتبر عقدة مدينة اللاذقية. هناك تحكم تلك الشخصيات بقوة الأسلحة.

يقول أبو عمار، وهو من سكان الحي، لـ”العربي الجديد”: “قبل فترة، قامت سيارة سوداء تضع فيميه (ظلال سوداء على الزجاج) بصدم طفل وتركته مرمياً على الطريق وتابعت مسيرها”. وقبل ذلك، حدثت مشادة كلامية بين اثنين من قادة المليشيات تطوّرت إلى معركة بالأسلحة النارية، ما أسفر عن إغلاق الحي بشكلٍ كامل.

من جهةٍ أخرى، كان للخلاف بين رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، مع النظام السوري، تأثير مضاعف على سكان المدينة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. يتحدر مخلوف من قرية بستان الباشا القريبة من القرداحة، وفي تلك القرية هناك عائلات تشكّل مليشيات كانت تتصارع مع المليشيات المقرّبة من أسرة بشار الأسد على سطوة الحكم، غير أنّ الهوّة اتسعت بعد الخلاف بين مخلوف والأسد. وكان مخلوف قد ظهر في سلسلة فيديوهات في شهر مايو/ أيار الماضي، تحدث فيها عن التضييق عليه بعدما ضيّقت حكومة النظام السوري على شركاته وطالبته بدفع مبالغ كبيرة لصالح “الهيئة الناظمة للاتصالات”.

حينها، تأثّرت اللاذقية مع غيرها من المحافظات السورية بسبب الانخفاض الحاد الذي شهدته قيمة الليرة السورية وغلاء الأسعار، بسبب الأثر الكبير لمخلوف على الاقتصاد السوري، ولكن القريتين اللتين يتحدر منهما الأسد ومخلوف شهدتا نوعاً من الاحتقان الأمني والحشد من الطرفين، من دون أن يتطوّر الأمر إلى معارك.

على غرار شركة الاتصالات “سيريتل”، لدى مخلوف الكثير من المشاريع والشركات والجمعيات الخيرية التي يوظّف بها ويساعد من خلالها آلاف العائلات من الطائفة العلوية في المدينة. وبسبب إغلاق عدة مشاريع، واعتقال مدراء من الصف الأول، خسر كثيرون أعمالهم، بحسب ما لاحظ “العربي الجديد” بعد احتكاك مباشر وحوارات مع مدنيين في شوارع اللاذقية.

المستفيدون من شركات و”هبات” رامي مخلوف ساروا بمسار التعاطف معه منذ التضييق على شركاته، غير أنه لم يتجرّأ أي أحد على اتخاذ موقف واضح من هذه القضية، بسبب بعدها الأمني، ولا سيما أنّ مخلوف ذاته كشف عن اعتقال موظفين وموظفات في شركاته المختلفة للضغط عليه.

كان للخلاف بين رامي مخلوف والنظام تأثير مضاعف على سكان اللاذقية من الناحيتين الاقتصادية والسياسية

تبدو قضية مخلوف، وما تبعها من انخفاض حاد بسعر الليرة السورية، ثمّ دخول قانون “قيصر” الأميركي حيّز التنفيذ، كلّها عوامل فتّتت البنية الاقتصادية والاجتماعية لمدينة اللاذقية، وحوّلتها إلى مدينة مكوّنة ممّن يبحثون بكل الوسائل عن قوتهم اليومي، وآخرين من قادة المليشيات يتلاعبون بالأموال ويثيرون الذعر في شوارع المدينة بأساطيل سياراتهم الفارهة.

الاحتكاك بالمدنيين في تلك المدينة، يُعطي انطباعاً أكثر وضوحاً عن “الشرخ المجتمعي” فيها، بين من خسر أولاده إلى جانب جيش النظام من أجل بقاء الأسد على رأس الحكم، وبين من استفاد من هذه “التضحية” وحصّل النفوذ والمال والسلطة من دون أن يقدّم شيئاً في سبيل دعم الأسد، وهو ما زاد الاحتقان الطبقي والاجتماعي.

في مقاهي اللاذقية الشعبية، توجد عادة غير مطبّقة في بقية المحافظات، وهي أن يقدّم المقهى مشروب المتّة السوري الشعبي، كون هذا المشروب محبّباً لدى أبناء الساحل. في السابق كان الجلوس في المقهى وشرب المتّة متاحاً أمام جميع الطبقات، فلم يكن ذلك يكلّف أكثر من 30 ليرة سورية، لذلك كانت الشابة أحلام تجتمع مع صديقاتها بشكلٍ شبه يومي لساعات، ولكنّها اليوم غير قادرة على فعل ذلك، فالجلسة ذاتها أصبحت تكلّف نحو 3000 ليرة سورية، وازدادت المصاعب الاقتصادية على عائلة أحلام خلال الفترة الماضية، الأمر الذي أجبرها على العمل في مهنتين معاً لمساعدة أسرتها.

تقول أحلام لـ”العربي الجديد”: “قبل فترة كنتُ أسير في الشارع، لحق بي طفلٌ لا يبدو من ملابسه أنّه متسوّل، واقترب مني، أخبرني بأنّه يشتهي المرتديلا (علبة لحم مطبوخ)، وأنّ والده لم يشترها له منذ أشهر”. وتضيف أنّها اشترت له علبة بمبلغ 2500 ليرة، ووقف في الشارع يأكلها أمامها بيده بشكلٍ شره.

وتوضح أحلام أنّ “الطبقة الوسطى في اللاذقية سُحقت تماماً، فهناك إما الفقراء المسحوقون أو الأغنياء من قادة المليشيات وتجار الحرب”، ثمّ تكمل حديثها بالقول “العالم ما معها تاكل”. تتحدّث عن غلاء الأسعار، مشيرةً إلى أنّ كل شيء ارتفع سعره وأصبح خارج قدرة العائلات. وتقول إنّ هناك عائلات لم تُدخل اللحم إلى منازلها منذ مطلع العام الحالي، بسبب وصول سعر كيلوغرام اللحم إلى 20 ألف ليرة سورية.

بينما يشير العاملون في القطاع السياحي إلى أنّ المدينة “فقيرة الموارد” كانت تعتمد على السياحة البحرية الداخلية من بقية المحافظات، ولكن بسبب الضغط الاقتصادي لم يعد أحد يأتي كثيراً إلى البحر.

الطبقة الوسطى في اللاذقية سُحقت تماماً

من جانبه، يحاول مصطفى، وهو نازح إلى اللاذقية منذ أكثر من شهر، البحث عن دواء الضغط لوالدته، ولكنّ هذا الدواء فقُد فجأةً من الصيدليات. يقول مصطفى لـ”العربي الجديد”: “كان سعره 2300 ليرة، وفُقد فجأة من السوق، ثم عاد بعد فترة وسعره ستة آلاف”.

على مدار السنوات الماضية، كان يمكن تلخيص اللاذقية وحالها بعدّة عبارات: “مدينة هادئة، مرتع لأقارب رأس النظام السوري ورجال الأعمال المقرّبين منه الذين تملّكوا فيلات فاخرة مطلّة على الطبيعة الخلابة للمحافظة، لا مكان للمعارضين فيها”. أما اليوم، فاختلفت هذه السردية، لتصبح اللاذقية مدينة الشرخ الطبقي والاقتصادي والاجتماعي، تحتوي على شديدي الثراء والسلطة والنفوذ، إضافةً إلى ذوي القتلى العسكريين شديدي الفقر والعوز.

في نهاية إعداد هذا التقرير، اتصلنا بعدّة مجمّعات سياحية فاخرة على شاطئ اللاذقية للسؤال عن حجوزات، ولكن موظفي وموظفات الاستقبال أخبرونا بأنه “لا توجد أماكن شاغرة حالياً ومن الممكن إعادة الاتصال بعد عيد الأضحى للتأكد من وجود شواغر”، وفي الوقت ذاته، يتحضّر غالبية سكان المدينة لمواجهة بوادر مجاعة يزيد من خطرها التضييق الأمني وسطوة المليشيات والضبّاط.

 

 

 

المصدر:العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول