اللجوء إلى حفر الآبار الجوفية…خطوة خطرة واسعة الانتشار تنذر بكوارث مستقبلية فيما يخص المياه في ظل غياب الرقابة خلال السنوات الأخيرة

61

8 سنوات من الأحداث المأساوية، خيمت بظلالها على نواحي الحياة بشتى فروعها، وأدت إلى تعطل الكثير من مقوماتها، ولم تسلم محطات ضخ المياه من تبعات هذه الحرب، فالقصف الشديد والمعارك والدمار الناتج عنها، جميعها تسببت خلال هذه السنوات بتدمير هائل للبنى التحتية بما يخص محطات توريد المياه الصالحة للشرب والاستعمال اليومي، فضلاً عن انقطاع التيار الكهربائي، والذي تسبب في جعل مئات الآلاف من المدنيين ضمن مناطق سيطرة الفصائل وتحرير الشام في الشمال السوري، يحرمون من ضخ المياه عبر الشبكات الرئيسية، وأكدت المصادر الموثوقة للمرصد السوري لحقوق الإنسان، أن هذا اضطر الأهالي إلى اللجوء إلى طرق أخرى للحصول على هذه المياه، وتتنوع هذه الطرق، كحفر الآبار الجوفية من قبل أهالي قادرين على تحمل تكاليف هذه الآبار، وذلك نظراً لحاجتهم الكبيرة للمياه، مثل ري الأراضي الزراعية، أو الاستفادة من هذه الآبار كمدخول كبير يعود بالفائدة عليهم، عبر بيع المياه للسكان بصهاريج وبأسعار كبيرة، ومع أن العديد من مناطق الشمال السوري والخارجة عن سيطرة قوات النظام، مثل مناطق أرياف حماة وإدلب، تفتقر وبشكل كبير إلى وجود المياه الصالحة للشرب، نجد أن ظاهرة حفر الآبار العشوائية منتشرة بشكل كبير، فأين ما ذهبت ستجد أمامك الحفارات تقوم بحفر هذه الآبار بشكل لافت، ولا تكاد الآن تخلو قرية أو بلدة صغيرة كانت أو كبيرة من وجود العديد من هذه الآبار الجوفية، وأصبحت الآن هذه الظاهرة تعد بمثابة تجارة يمتهنها الكثير من المدنيين، إذ يعمد مالك لقطعة أرض كبيرة مثلاً إلى حفر بئر أو أكثر حول أرضه للإستفادة منها من أجل سقايتها، خصوصاً مع مرور عدد من السنوات كانت فيه مياه الأمطار قليلة نسبياً، كما أن وجود مثل هذه الآبار حول قطعة أرض زراعية تعد مفيدة بالنسبة لمالكها لأنها ترفع من قيمة الأرض مادياً

من جهة أخرى أكدت المصادر الموثوقة للمرصد السوري أن مالك الأرض، يقوم بتوريد المياه لسكان بلدته بأسعار تصل إلى 2500 ليرة سورية على الصهريج الواحد، دون أن يراعي أو يبالي بمخاطر هذه الظاهرة مستقبلاً على الأجيال القادمة، حيث تشكل تهديداً خطيراً عليها، بسبب أنها تساهم في نقص كبير في مخزون المياه الجوفية في المنطقة، ويتذرع بأن وجود هذه الآبار حالياً يعود بالمنفعة على الأهالي المحرومين من المياه الصالحة للشرب، وضرورة ملحة يجب توفرها، بغض الطرف عن الشروط اللازمة لضبط عشوائية هذه الآبار لتفادي مخاطرها المستقبلية.

وفي شهادة لأحد الخبراء في هذا المجال من ريف محافظة إدلب تحدث للمرصد السوري لحقوق الإنسان قائلاً : “”الآبار الجوفية تقسم إلى نوعين وهما، آبار سطحية ويبلغ عمق البئر منها حوالي 150 متر تقريباً، وأخرى آبار إرتوازية، حيث يتجاوز غالباً عمق مثل هذه الآبار 200 متر إلى 700 متر، وهذا النوع من الآبار تسمى “الآبار الجوفية الاستراتيجية”، فما قبل اندلاع الثورة السورية في سوريا، كانت هنالك العديد من الإجراءات وقوانين صارمة بما يخص حفر الآبار، وذلك للحد من استنزاف المياه الجوفية، كما أنه تكاد تتعدى الآبار المرخصة سابقاً من قبل حكومة النظام السوري أكثر من 4 آلاف بئر، أما فيما بعد اندلاع الثورة السورية، اختلف الأمر كثيراً وذلك بسبب عدم وجود جهاز رقابي ينظم عمل حفر الآبار، حيث لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الآبار هذه المنتشرة في كل من ريفي حماة الشمالي والغربي وإدلب الجنوبي، ولكنها تصل إلى أكثر من 30 ألف بئر تقريباً، ومعظمها غير مرخصة، في الحقيقة يعتبر هذا الرقم قياسياً وكبيراً جداً، لأن وجود هذا الكم الهائل من هذه الآبار، يشكل تهديداً على المخزون المياهي الجوفي، وخطراً كبيراً على حياة الأجيال القادمة فحفر تلك الآبار سيؤدي بطبيعة الحال إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية، وأكدت المصادر الموثوقة للمرصد السوري، أنه لا وجود حالياً لقياسات دقيقة عن نسبة هذا الانخفاض نتيجة الحفر المتواصل لها، وكل ذلك دون أي مساءلة قانونية أو محاسبة من قبل الجهات المعنية، ونعتقد جازمين أن هذا الانخفاض إن كان كبيراً جداً فإن مياه الأمطار النازلة إلى جوف الأرض لن تستطيع سد النقص فيه بشكل كافي، وذلك بسبب مرور سنوات من عمر الأحداث الراهنة التي مرت، كانت فيها مياه الأمطار قليلة نسبياً

كما أكدت المصادر الموثوق للمرصد السوري أنه يتعدى الأمر أكثر خطورة من حفر الآبار الجوفية في بعض المناطق، إذ يلجأ العديد من القائمين على حفرها، إلى حفر آبار بعمق يصل إلى 400 متر تقريباً، وتسليط مياه الصرف الصحي بداخله، مع عدم وجود ما يسد هذه المياه الملوثة في أسفل البئر، وهذه أيضاً ظاهرة أخطر من سابقتها، حيث تتسرب هذه المياه الملوثة، عبر الثغرات الجوفية ووتسبب بمخاطرة صحية خصوصاً عند قربها من أراضي زراعية أو أماكن مأهولة بالسكان، ويلجأ بعضهم إلى هذه الطريقة في تصريف مياه الصرف الصحي، لأنها تعتبر أقل تكلفة من حفر جور فنية، بالإضافة إلى ضرورة تنظيفها بين الحين والآخر، ويؤكد العديد من المدنيين في أرياف إدلب وحماة وجود هذه الظاهرة أيضاً، إنما بشكل غير كبير حالياً، مطالبين بضرورة التعامل بجدية مع هذه الظاهرة والتخلص منها، حيث تم سابقاً إصدار العديد من القرارات من قبل الجهات المعنية مثل “مديرية المياه” التابعة للحكومة السورية المؤقتة، تمنع استخدام مثل هذه الآبار الجوفية لأغراض أخرى غير إخراج المياه الصالحة للاستخدام، لأن تسليط مياه الصرف الصحي بداخلها يعتبر ظاهرة خطرة جداً، وتهدد بالتلوث البيئي والغذائي، وتؤدي أيضاً إلى انتشار الأمراض والأوبئة، ومن جهة أخرى يتذرع الكثير من المستخدمين لهذه الطريقة بذرائع عدة، منها أن الكثير من القرى والبلدات في مناطق ريفي حماة وإدلب يوجد فيها صرف صحي لكنه متصدع وقديم جداً، ولا يكفي لسد حاجة السكان جميعهم خصوصاً مع الكثافة السكانية التي حدثت مؤخراً شمالاً، فيعمدون إلى هذه التصرفات للتقليل من أجور حفر الجور الفنية، ونظراً لأن تسليط المجارير الخاصة بمياه الصرف الصحي داخلها يوفر لهم استمرار إلى سنوات طويلة دون عوائق، ويؤكد العديد من المهندسيين الأخصائيين بشؤون البيئة، خطر هذه الظاهرة ويصفونها بالمرعبة والتي تهدد مستقبل الآلاف من سكان مناطق الشمال السوري بشكل عام، كما وجه العديد من الأهالي في ريفي حماة وإدلب نداءاً عاجلاً للحد من هذه الظواهر التي تهدد حياتهم وحياة أجيالهم القادمة بالخطر، وطالبوا المعنيين بالأمر من مجالس محلية ومنظمات بضرورة العمل بجدية لوضع لها، لضمان مستقبل أفضل من الواقع المعيشي الذي يعانون منه.