اللسان المقطوع للثورات العربية

15

لا شك في أن ثورات العالم العربي حدث مؤسّس وانعطافي في تاريخ المنطقة وشعوبها، بصرف النظر عن انتصارها أو هزيمتها. فالعالم العربي الذي كان عام 2010 ولّى إلى غير رجعة، وكل محاولة لاستعادته مصيرها الفشل. لقد حطمت هذه الثورات العالم العربي القديم، من دون أن تنجح في بناء عالم عربي جديد، وبالطبع لهذا أسباب كثيرة. لكن واحدة من المفارقات الكبرى لهذا الحدث المزلزل، أنه لم يستطع أن يمتلك أدوات تعبيرية، أي أنه لم يفرز كتابة، ولم يفرز كتابته، ولم يملك منابره. صحيح أن هناك بعض الأقلام هنا وهناك، لكن هؤلاء الكتاب المنفردين، والكتابات المبعثرة، لا يمكن اعتبارها تياراً معبراً عن الثورات العربية، بحيث يمكن القول إن الثورات العربية أصبح لها لسان ينطق باسمها ومطالبها ويدافع عن مكانتها التاريخية في إنجاز متغير، أو في الحلم في إنتاج متغير، ينقل العالم العربي إلى مكان آخر غير المستنقع الذي كان يعيش فيه.

وإذا كان من الصحيح أن الثورات العربية لعبت دروا كاشفا لمجتمعاتها، بمعنى أنها كشفت عمق الخراب في هذه البلدان، ودللت على أنه أعمق وأشمل من كل التصورات التي كانت سائدة، عندما كانت الأنظمة قادرة على تزييف الحقائق، وظهرت المشاكل المتراكمة تاريخيا بفعل استبداد طويل وكأنها الوحش الذي حطم الثورات العربية. وإذا كانت المشكلات المتراكمة، في حاجة إلى فضح دائم، خاصة وأنها تعود لتطل برأسها المرة بعد الأخرى، وفي حاجة للدفاع عن القيّم الأخرى من العدالة والحرية للجميع، وهذا ما يجعلها في حاجة إلى كتّاب وكتابة ومنابر، فللأســـف، إن الثورات لم تملك كتّابها وكتابتها ولا حتى المنابر المعبرة عنها وعن طموحاتها في إنجاز متغيّر انعطافي في العالم العربي، وبالتالي، كانت ثورات مقطوعة اللسان.

قد يعود ذلك إلى أن هذه الثورات لم تأتِ بفعل حزب سياسي موجود قبل الثورات ذاتها، وكذلك لم تأتِ من تيار فكري كان له تصور مسبق عن متطلبات التحول الذي يحتاجه العالم العربي، وبالتالي يمكن القول أن الثورات العربية في واحدة من أهم سماتها، وهي واحد من أهم عيوبها أيضاً، أنها جاءت من خارج الأطر السياسية والثقافية القائمة سابقا، وجاءت كفعل سياسي من ناشطين جدد، ليست لهم تجربة سياسية حزبية سابقة. لذلك كانت الفعل الانتفاضي في مواجهة سلطات جائرة، فعل مجمع عليه (متخيل جمعي) في أوساط المنتفضين بكل تلاوينهم، وكل شيء تلا الفعل الانتفاضي كان مُختلفاً عليه، ما جعل الفعل الانتفاضي ذاته معزولاً عن سياق تحقيق الحلم بالتغيير، ولا يملك الآلية ولا الأدوات القادرة على صياغة وتنفيذه في الواقع الموضوعي، ما جعل قوى من خارج الفعل الانتفاضي تمتطي الفعل نفسه وتستثمره لمصالحها الضيقة، لأن أصحاب الفعل غير قادرين على تثمير هذا الفعل الطموح الذي سطرته ساحات الانتفاضات. وهذا ما يفسر غياب الكتابة والكتاب المعبرين عن روح هذه الثورات، كتابة من نوع جديد متصادمة مع الكتابة العربية الرثة التي سادت في العقود الأخيرة. كما أن العامل ذاته من الاتفاق في «مخيال» الانتفاضات العربية، جعلها متوافقة على الفعل في الميدان، من دون أن تملك أدواتها التعبيرية ومنابرها، التي تحتاج إليها، من أجل تفصيل هذا الحلم وجعله قابلاً للتحقيق في الواقع، وهذا النوع من العمل يحتاج إلى تنظيم واستمرارية مختلفة عن العمل في الميدان، هو مكمل له لكنه مختلف عنه.

مسألة أخرى لعبت دوراً مهماً في بقاء لسان الثورات العربي مقطوعا، وهو أن الأنظمة المؤيدة للثورات كانت من طبيعة الأنظمة التي أطاحتها الثورات، ولم يكن من الممكن أن تكون منابر لهذه الثورات وأدواتها التعبيرية، ولا شك في أنها كانت عاملاً في حصار الثورات ذاتها، وفي قطع لسانها أيضاً. لذلك، لا بد للتغيير من أن يملك أدواته، دون ذلك، ستبقى فكرة التغيير تدفع الثمن طالما لم تملك أدواتها الخاصة، أولها صوتها الخاص.

سمير الزبن

المصدر: الحياة