اللّعب بـ «الديموغرافيا السوريّة»

مع الاتّهام التركي روسيا مؤخّراً بممارستها التطهير العرقي ضدّ الأقليّة التركمانيّة في سورية، يكون أحد فصول الصراع العثماني الروسي التاريخي قد عاد للحياة مجدداً ليستكمل التغييرات الكبيرة التي كان أحدثها في تركيبة السّكان أواسط القرن لتاسع عشر، امتداداً من القوقاز إلى المشرق. فالعنف الذي مارسه الروس ضدّ مسلمي القوقاز والبلقان في إطار صراعهم مع العثمانيين كان المحرّك الأبرز لتلك التغييرات، الأمر الذي أنتج عدداً من موجات الهجرة التي وصلت تأثيراتها إلى المشرق حيث تتواجد اليوم جاليات من الألبان والشركس والشيشان وغيرهم.

ويمكن القول إنّ الميل إلى التلاعب المباشر بالتركيبات السكانية سواء كان تطهيراً عرقياً أم تهجيراً قسرياً، أصبح ركيزة من ركائز السياسة الروسية إذ حافظت على وجودها وانتقلت ممارستها من العهد القيصري إلى السوفياتي عبر ستالين، وها هو بوتين اليوم يعيد الاعتبار لها مُجدداً.

في المقابل كان لتركيا نموذجها في التدخّل بالتركيبات السكّانية واستثمار العامل الديموغرافي، إلا أنّه لم يكن ذا طابع عُنفي في بدايته، ذاك أنّه اقتصر على فكرة تمكين الديموغرافيا العثمانية خارج حدود السلطنة ومحاولة إدماجها في ديموغرافيا إسلاميّة أوسع. وهذا ما ظهر بوضوح خلال العهد الحميدي كردّ على صعود الهويّات الصغرى في عموم السلطنة، وخصوصاً في أقاليمها المسيحيّة التي كان للروس الدور الأكبر فيها عبر تقوية ثنائية الانتماء السلافي – الأرثوذكسي، ليأتي بعدها انفراط السلطنة وزوال الرابطة العثمانية التي صعدت مكانها القومية التركية التي نتجت منها المجازر ضدّ الأرمن.

وتساهم تعقيدات القضيّة السورية اليوم في تسليط الضوء على ذاك التاريخ وتعيد الاعتبار لتلك الهويّات والانتماءات التي تمّ التلاعب بها أو قمعها، لتكون بذلك جزءاً من جبل الثلج المخفي من الصراع في سورية وعليها. ولئن كانت تركيا تحاول اليوم اللّعب بالورقة الديموغرافية في سورية، سواءً عبر سياستها تجاه اللاجئين السوريين وما يُشاع عن تجنيس بعضهم، أو عبر الأقليّة التركمانية، فإنّها لا تبدو في موقع القادر على منافسة الروس. فهُم أقدر اليوم على الكسب من اللّعب بالورقة الديموغرافيّة وما يتعلّق بها من انتماءات، بسبب قوّة كنيستهم وارتباطها بقوّة الانتماء القوميّ السلافي، إضافة إلى موقع روسيا الحالي كقوّة عُظمى. وهذا كلّه ممّا يصبّ في مصلحة لاعب آخر بورقة الديموغرافيا السورية المتمثّل بالإيرانيين.

لكنّ استعادة التاريخ بظروف اليوم لا يمكن لها أن تكرّر نتائجه السابقة ذاتها، فلا احتلال روسيا وإيران سورية، ولا امتلاك تركيا أوراق الماضي، يمكن أن يضمنا استقرار أي تغيير في تركيبة المشرق. وهذا ما لا يبدو أنّ أصحاب الأحلام الامبراطوريّة يدركونه بعد.

 

حسان القالش

* كاتب وصحافي سوري

الحياة