المال والقمع ضد الحرية والكرامة دائماً

الغرب وإيران من هو المنتصر أو المنهزم حول المسألة النووية، لن يكون هناك جواب موضوعي أو نهائي عن هذا السؤال الذي يشغل المجتمع السياسي بل الأهلي عامة دولياً، وعربياً إسلامياً بشكل خاص. ذلك أن الرأي العام الغالب مشرقياً لم تكن تخيفه أوهام القنبلة النووية التي يصنعها علماء طهران بقدر ما كان متوجساً من مشروع الإمبراطورية العنصرية المحمول على شعارات تصدير الثورة الإسلاموية، وفحواه هو إعادة أسلمة المسلمين أنفسهم أينما كانوا، وبدءاً من محيطهم العربي عينه.
ليس مستغرباً أن يكون شعور معظم الناس في المشرق عند استقبالهم لإعلان اتفاق فيينا هو أقرب إلى الوهوم والسوداوية.. كأنما أهل المشرق هم في حالة حرب شاملة. ولها جبهات متعددة، ويقودها فرقاء متنوعون داخلياً وخارجياً. وإيران تمثل اللاعب الأكبر ما بين أقطاب هؤلاء. وبما أن أهم ما سيؤول إليه الإتفاق هو إعادة تأهيل الثورة الخمينية كدولة كبرى ومتمتعة بمزايا القوة العصرية للدول العظمى. فإن هذا التحول يفسره الشعور العفوي لدى أبناء المنطقة بأن خللاً كبيراً أصاب ميزان القوى سوف يضاعف عدة مرات من إمكانيات فريق ضد آخر، عربياً وإيرانياً، كما لو أن أمريكا والغرب معها، أصبحوا جميعاً شركاء فعليين منحازين للفريق لأحدهما ضد الآخر وذلك في أوج حرب صراع وجود رهيب بينهما، بما يعني في المحصلة أن الخسارة الفادحة ستكون من نصيب شعوب الأمة العربية وذلك بإحباط حراكها الأخير نحو حريتها الحقيقية، مقابل دعمٍ غير مسبوق من أهم قادة العالم لنظام أيديولوجي ماض إلى إعادة فرض إمبراطورية القمع المطلق باسم العبودية الإلهية، وتسليطها ليس على العرب والإسلام وحدهما بل ينزع إلى السيطرة الكلية على المصير الإنساني عامة.
كان يمكن للعرب أن يشاركوا أفراح الشعب الإيراني برفع الخطر عن بلاده، لو أن هذا الشعب ستتاح له استعادة حرياته الشخصية والتمتع بأمواله العائدة إليه ليستثمرها في صالح أهدافه المشروعة التي تجمعه مع بقية إخوته في الحضارة الواحدة والتاريخ المشترك لعالم العروبة والإسلام، لا أن يسلبها أصحاب النظام المذهبي ويشترون بها خراب بلاد الجيران حولهم.. في حين كان يمكن للأحرار في كل مكان، وليس في منطقتنا فحسب، أن يروا في هذه الإتفاقية إقراراً وجودياً بالأحقية الكاملة وغير المنقوصة لإمكانية الاستقلال الحقيقي الناجز وقد حُظيت به أمة نهضوية أصيلة؛ في هذه الحالة يمكن أن يُصنف الاتفاقُ في عداد المكاسب النادرة لمعارك الكفاح الوطني. ذلك الكفاح الذي أوشك على الإختفاء من قاموس السياسة العالمية بعد طغيان صخب الحروب الأهلية وصولات الإرهاب الفردي والجماعي، غير أن الواقع البديهي لنتائج الاتفاق المنتظرة لا يسمح لأي مراقب حيادي أن يتنبأ إلا بالمزيد من الأعطال لمسلسل الخراب المهيمن على المنطقة منذ ما قبل المفاوضات النووية إلى حين الإعلان عن الاتفاق، وبما يشير إلى مستقبل لن يكون الأفضل إن لم يصل إلى ما هو الأمر الأشد تعقيداً وبؤساً من كل ما سبقه.
هناك من يرى منذ الآن أن معظم بنود الاتفاق لن تلقى تنفيذاً سهلاً إن لم تتعثر في معظمها. وستكون خلاصة هذه المسيرة أنه بدلاً من انفراجات السياسة والاقتصاد المرتجاة ستنوء العلاقات الدولية بخيبات الحلول المجهضة أو الملتبسة، بالإضافة إلى أعباء ماضي المشكلة الأصلية عينها، دون أن تلقى أية معالجة جدية لعقَدها، هذا إن لم تتضاعف مفاعيلها. سوف يقال حين ذاك أن الاتفاق قد سجل بنوداً ، كانت أقرب إلى تعداد عناوين مشكلات، أو في أحسن الأحوال فقد يتضمن بعضها مجرد مبادئ صورية ستظل خاضعة لطوارئ التنفيذ وظروفه المتقلبة مع متغيرات التأويلات الصادرة ليس عن أطرافه وحدها، بل ستهبط عليه من قنوات مراكز القوى المختلفة، الكامنة وراء مؤسساته الحاكمة.
فلن يكون الموضوع متعلقاً بحال التفاؤل أو التشاؤم الذي يستقبل فيه خبر التفاهم الأمريكي الإيراني إقليمياً أو حتى دولياً. مثلما هو حادث اليوم لدى الأوساط العالمية ومع ذلك راحت تتعدد منذ اليوم مشاريع سيناريوهات متعارضة حول سبل تحقيق ماهو المتفق عليه صراحةً أو ضمنياً. فهناك من يلمح باستمرار إلى أن المخفي من حقائق التفاهم هو الأكثر غموضاً، وبالتالي هو الأكثر قابلية لتركيب نبوءات المستقبل المنتظر، وليس لأحد أن يتوقع منها إلا ما هو نتاج لأسوأ أهوال الماضي الكئيب لأبناء هذه المنطقة المنكوبة بأيدي بعض أهلها قبل أعدائها.
حول علاقات دولية، لن تقتصر على لاعبيه الأساسيين في الغرب الأمريكي أولاً، ومن ثم مؤسساته العلنية أو المحجوبة. فمن المتوقع أن المسند الأساسي الذي يعتمده الرئيس أوباما، وهو يصارع معارضيه بسبب مشروعه الرئاسي المركزي الهادف الى استيعاب الشرق الأوسط من خلال تحالفات أقوى قواه، نقول أنه هو المركب الصناعي للطاقة والسلاح والالكترونيات. إنه الاقتصاد الحاكم الأول والأخير الذي يعدّ أخطر صفقات المصائر الإنسانية بالنيابة وحده عن بقية الدوافع المجتمعية الأخرى لهذه المصائر، ومن أهمها، وخاصة هي سياسة نهاية العصر الرأسمالي الغربي، فما يراه زعماء الغرب في إيران هو أنه بلد النفط والغاز، ومن ثم هو البلد الذي تحرسه قمة العنف الإيديولوجي باسم أقدس مقدسات الدين . وقد أثبتت هذه القمة أن نظامها الحديدي لا يسيطر فقط على عشرات شعوب إيران فقط، بل له قدرة سحرية في إعادة السيطرة العقائدية على طوائف من شعوب المنطقة كلها. حتى يكاد العصر كله أن يغدو عصراً غيبياً قروسطياً. ولكن مسلحاً بأحدث أدوات الدمار الشامل شبه المستحيلة. انه انحياز الغرب مع رأسماليته الغاربة إلى جانب آخر قلاع الغيبيات المؤدلجة لاهوتياً ، المراهنة على إعادة استنبات إرادة القمع الممنهج ذاتياً لدى الشخصية العربية والإسلامية، وإبادة بذور التنوير القادم بأيدي زارعيه أنفسهم. فأَخْوف ما يخافه الغرب في هذه الجهة الصحراوية من البحر الأبيض المتوسط هو انبعاث شريعة الحق مرتبطة بحراسة العدالة. هذه المرة أخوف ما يخافه الغرب حتى في القرن الواحد والعشرين هو شروق شمس الحقيقة من دون أن يكون لها مغيب يوماً ما..

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

القدس العربي