المحامي عبد الناصر حوشان: العالم كله محكوم بلعبة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وهي من تفتعل الأزمـ ـات وتديرها

المحامي عبد الناصر حوشان: القرارات الدولية  هي إحدى أدوات الصـ ـراع الدولي في سورية  وليست لحل القضية

يحتكم تغيير واقع حقوق الإنسان في سورية، إلى إرادة دولية فعلية وتحرك عاجل لمحاسبة مجرمي الحرب وتجارها الذين عاثوا فسادا في البلاد وقسموها وأحرقوها، دون أن يحرك ذلك ساكنا للدول الفاعلة والنافذة في الملف السوري.

يرى الحقوقي والمحامي عبد الناصر حوشان، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن المسار القانوني لمحاكمة مجرمي الحرب الذين قتلوا السوريين، يتطلب  إحالة جرائم الحرب والجرائم في حق الإنسانية  من مجلس الأمن وهو أمر صعب في ظل استخدام روسيا والصين حقّ النقض.

 

س: سنوات مرت على مجازر كثيرة عاشها  الشعب السوري دوز محاسبة، مجازر راح ضحيتها ألاف الأبرياء، وبرغم الحملات الحقوقية  لمعاقبة المتهمين لا يزال طريق العدالة طويلا .. هل هناك تعقيد في إجراءات محاسبة من قتل الشعب السوري وهجره،  وهل يتحمل المجتمع الدولي المسؤولية؟

ج : كل التقارير الدوليّة وتقارير لجنة التحقيق المستقّلة الخاصة بسوريّة ، وتقرير لجنة تقصّي الحقائق حول استخدام السلاح الكيماوي واللجنة المشتركة وفريق تحديد هوية واستخدام الكيماوي تؤكّد أن النظام السوري وميليشياته الطائفية و حلفائه الروس والإيرانيين قد ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وبالتالي فإن المسار القانوني الأصلي هو للقضاء الوطني وهو مسار مستحيل في ظل بقاء النظام ، ويبقى أمامنا مسار المحكمة الجنائيّة الدوليّة وهو مسار جدّاً معقد للأسباب التالية:  

-أن إحالة ملف جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية في سوريّة يتطلب إحالة من مجلس الأمن وهو من المستحيل بسبب استخدام كل من روسيا والصين حق النقض الفيتو كون روسيا شريكا أساسيا في هذه الجرائم. 

-إحالة من دولة طرف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ، وهذا للأسف لم تبادر أي دولة إلى القيام به بسبب التجاذبات السياسية الدولية. 

-إحالة من دولة غير طرف في نظام روما  تضرر من هذه الجرائم كالدول التي تضررت من جريمة التهجير القسري مثلا  والتسبب لها في أزمة اللاجئين، لكن حتى هذه الدول لم تبادر إلى ذلك. 

-قيام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدوليّة بفتح التحقيق من تلقاء نفسه  يحتاج إلى أن تكون سورية موقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة وهي ليست طرفاً فيها. 

لذلك فإن مسار العدالة الدولية الجنائية معطّل، وهناك مسار محكمة العدل الدوليّة لجأت إليه هولندا في مقاضاة النظام عن جرائم التعذيب وهي محكمة مختصة بالفصل في المنازعات بين الدول على عكس المحكمة الجنائية الدولية التي تحاكم الأفراد فقط، وتبقى إجراءات التقاضي أمام محكمة العدل طويلة  وأحكامها تقتصر على التعويضات دون العقوبات الجنائية ، هلما أن قرارات المحكمة غير ملزمة وبالتالي لا قيمة لها. 

هناك مسار استثنائي معقّد وهو المحاكم الوطنية الأوروبية التي تأخذ بمبدأ الولاية العالمية  والتي بإمكانها محاكمة بعض المجرمين وفق عدد من الشروط ومنها إقامة المدعي عليه إقامة دائمة في البلد، وإقامة المتضرر، وشرط ازدواجية التجريم أي أن يكون الفعل مجرّما في القانون السوري والقانون الوطني الأجنبي، ما أدى إلى إفلات كثير من المجرمين الموجودين في أوروبا من العقاب. 

يتحمّل المجتمع الدولي كامل المسؤولية عن غياب العدالة وعن إفلات المجرمين من العقاب بسبب تقاعسه وتعقيدات الفيتو الروسي ، وعدم لجوئه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة استنادا للقرار 377 لعام 1950. 

 

 

س : قتل بعض الأوكرانيين ، فانتفض الغرب عبر الاجتماعات العاجلة لمعاقبة روسيا وفرض عقوبات بينما قتل ملايين السوريين ولم يحرك ساكنا..  هل باتت قضايا حقوق الإنسان في العالم مرتبطة  بمصالح الدول؟

ج : العالم كله محكوم بقواعد لعبة الأمم التي تلعبها الدول الخمس دائمة العضويّة في مجلس الأمن والتي تملك حق النقض ، وهي من تفتعل الأزمات الدوليّة وهي من تديرها وتوزّع الأدوار، وبالتالي هذه الدول هي شريكة في هذه الأزمات وطرف أساسيّ سواء  بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، ما يجعل كل المؤسسات  والمنظمات الدولية رهن قرارها ومن ضمنها منظمات حقوق الانسان والمحاكم الدولية  وبالتالي نسف ما يسمى شرعة حقوق الإنسان إما بسبب  الانتهاكات المباشرة من قبلها ، أو حماية حلفائها وأدواتها ، أو من خلال تعطيل سبل التحقيق والمحاسبة ، ما تسبب  في فقدان مصداقية المنظومة الدولية وعدم الثقة بشرعة حقوق الإنسان وبسبب التعاطي الانتقائي  وازدواجية المعايير، وخير مثال على ذلك لجوء الولايات المتحدة وأوروبا  إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وعقد جلسة طارئة لإدانة العدوان الروسي على أوكرانيا استنادا إلى القرار377 لعام 1950 وتحصلت على قرار من الجمعية العامة يعتبر العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا جريمة، وعلى أثره تحركت محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ضد روسيا دون إحالة لا من مجلس الأمن ولا من غيره برغم أن أركان جريمة العدوان الروسي على سورية هي نفس أركان جريمة العدوان على أوكرانيا وبرغم هول المجازر وجرائم الحرب التي ارتكبها النظام وحلفاؤه الروس والايرانيون أمام أعين القوات الأمريكية  والفرنسية والانكليزية المنتشرة في سورية. 

 

 

س : برغم الهيئات السورية والمنظمات الحقوقية، لم يتحسن الوضع في سورية ولم تسمح الدول النافذة بحلحلة الملف السوري  ولم تستمع إلى أصوات  الشعب المهمش.. أين تكمن المشكلة،  وهل هناك تجاهل مقصود لمآسي السوريين خاصة وأن الثورة التي حولوها إلى حرب  باتت مصدر استرزاق وثروة  لبعض الأطراف ؟

ج : تكمن مشكلتنا في أن المجتمع الدولي لا يملك الإرادة الحقيقيّة  والفعليّة لحلّ القضية السورية ، وفي تخاذل الدول التي ادعت صداقتها للشعب السوري ، إلى جانب ضعف المعارضة السورية بسبب تعدد ارتباط أطيافها الخارجي وتشرذمها ، وبعدها عن الثورة وثوابتها. 

 

 

س : هل خذلت المعارضة السورية الثورة والثوار، وهل حان الوقت لإعادة هيكلتها بما يتماشى والتغيرات السياسية في المواقف في المنطقة والعالم؟

ج-كما أسلفنا أن المعارضة السورية غير متجانسة، ومشرذمة وكل منصة ترتبط بدولة ما وبالتالي لا قرار لها ، و لا وزن لها ، وكل ما تقوم به هو تنفيذ الإملاءات الدوليّة واستجداء الحل من النظام ، الأمر الذي يتوجّب إعادة تقييم بنيتها وهيكلتها وإعادة إنتاجها من جديد على أسس سليمة وقوية واسترداد القرار الثوري الوطني. 

 

 

س-في العام الماضي، صنّفت منظمة الشفافية الدولية سورية كواحدة من أكثر الدول فسادًا على الأرض، سواء أكان الأمر يتعلق بتلقي عمولات على العقود ، أو المطالبة بالمال من عائلات السجناء السياسيين.. هل باتت حكومة النظام حكومة كسب غير مشروع، وكيف يمكن تتبعها قانونيا ؟

ج : النظام السوري نظام فاسد منذ نشأته أي منذ عهد حافظ أسد ، نظام طائفي ، انتهازي ، وصولي ، يفتقد للحس الوطني  والأخلاقي ، يقوم على الفساد  والإفساد والرشوة واستغلال الوظيفة ، وبيع الثروات الوطنية خارج الإطار الرسمي ، التهريب ، الإتجار بالمخدرات وإنتاجها، غياب العدالة الاجتماعية بالكامل  وانتشار المحسوبية على حساب الكفاءة ، وقد ورث بشار الأسد كل ذلك عن أبيه ، وزاد عليه الكم الهائل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب ، وفوق كل ذلك باع الأراضي السورية للروس والإيرانيين بثمن بخس ، فضلا عن تأجير المطارات  والموانئ لمدد طويلة الأجل ، وبيع شركات القطاع العام كالغاز والفوسفات لهم ، ما أدى إلى انهيار الاقتصاد ، وتدني قيمة العملة وانهيارها ، وفقدان المواد الأساسية للحياة . بالتالي لم تبقَ الأمور في إطار ” الفساد ” وإنما تحوّلت سورية إلى دولة فاشلة بسبب تسلّط الميليشيات الطائفية والمرتزقة وغياب القانون. 

 

 

س:  أخيرا، مافائدة القرارات الدولية والدفاع عنها والتمسك بها والحال أن كل المواقف الدولية التي لمح لها غير بيدرسون بأنها  لم تعد صالحة؟

ج: القرارات الدولية بشكل عام هي إحدى أدوات إدارة الصراع الدولي في سوريّة وليست لحلّ القضية السورية بدليل التصريحات الرسمية لكل أطراف الصراع في سورية التي تجمع على أن الحلّ في سورية مرهون بتوافق الدول الفاعلة في الملف السوري ، وبالتالي كل القرارات الدولية هي حبر على ورق سيما أن أهم  القرارين الخاصّين بملف استخدام السلاح الكيماوي ووجوب فرض تدابير تحت الفصل السابع  وتشكيل هيئة حكم انتقالي ، قامت روسيا بتفريغهما من مضمونهما من خلال القرار 2254 لعام 2015 الذي حصر الحل في سورية عبر التفاوض وبالتالي استبعاد كل الخيارات المشروعة الأخرى ، وحوّل هيئة الحكم الانتقالي إلى هيئة حكم غير طائفية أي حكومة مشتركة بين النظام وبين المعارضة.