المرصد السوري لحقوق الانسان

المحور حين يتحدّى قيصر

ينتمي قانون قيصر، أو قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا بحسب مسماه الأميركي الرسمي، الذي يدخل حيز التنفيذ اليوم، إلى زمن سوري آخر. كان زمن الاشتباك العالمي بين توجهين في ما يتعلق بالشأن السوري: إطاحة بشار الأسد ونظامه، وهو ما حملت لواءه مجموعة من دول أطلقت على نفسها لقب “أصدقاء الشعب السوري”، أو “إصلاحه”، أو قل إقناعه بتغيير سلوكه، بحسب المصطلحات الأميركية أيضاً. انقسام سياسي كان باراك أوباما، مدعوماً برخاوة أوروبية هي خليط من وهن ونفاق، قد حسمه منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة/ الحرب السورية على طريقته بتفضيل الحلول المهادِنة للإبقاء على القتلة في دمشق بحجة عدم رغبته في تجاوز القانون الدولي والتدخل عسكرياً من دون قرار من الأمم المتحدة، فمَنَع وصول أسلحة كاسرة للتوازن إلى أيدي معارضي الأسد، في وقت لم يكن هناك لا داعش ولا جبهة نصرة، بل ملامح بديل جدي، عسكري (الجيش الحر) وسياسي (محاولات مجلس وطني وائتلاف…)، سرعان ما تم القضاء عليه. وعندما انشق الضابط، مصوّر الفظاعات، الذي يُرمز إليه بـ”قيصر”، وعرض شهاداته أمام الكونغرس الأميركي، عام 2014، كانت النقاط تتساقط على حروف الاتفاق النووي الذي وُلد بعد ذلك بعام واحد، ليقدم إلى طهران ما لم يكن يحلم به حكامها. عشرات مشاريع القوانين قُدمت في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين في ما يتعلق بمعاقبة نظام الأسد على الإبادة التي يرتكبها، لكن لم يصل أي منها إلى مستوى قرار بإزاحة رأس النظام، فظلت فلسفة أوباما مهيمنة على المشهد الذي صار مع الوقت منقسماً إلى تيارين اثنين: نضغط كثيراً أو قليلاً على النظام السوري لإجباره على وقف القتل؟
مرّت سنوات خمس ليدخل القانون، وهو مزيج من مشاريع قوانين عديدة، حيز التنفيذ قبل خمسة أشهر من مغادرة دونالد ترامب البيت الأبيض ربما، هو الذي أقسم اليمين عند تسلمه الرئاسة على ألّا يزج قواته في أي ساحة حرب جديدة، توفيراً للمال، لا بل عقد العزم على الخروج من ورطات أسلافه، وهو ما يتحقق بالفعل من العراق وأفغانستان إلى سورية نفسها. صحيح أن قانون قيصر (مدته خمس سنوات) وقعه ترامب وبدأ التنفيذ في عهده، إلا أنه فعلياً ينتمي إلى زمن باراك أوباما، إذ تشوبه سخافة الاقتناع بأن هذا النظام ممكن أن يصلح نفسه، أو محتمل أن يقتنع بالحل السياسي وبالتوقف عن القتل.
يتعامل هذا القانون مع النظام السوري على أنه بالفعل يتخذ القرارات ويقرر الاستراتيجيات، بينما يفيد الواقع بأنه صار، منذ فترة لا بأس بها، مجرد أداة للثلاثي الروسي ــ الإيراني ــ الحزب الإلهي. ثلاثي يدرك تماماً أن أي تنازل من النظام في القضايا التي نص عليها قانون قيصر، أو أي إعراب عن استعداد للتنازل في مسائل القتل والديمقراطية والحريات والحل السياسي، لن يكون إلا مدخلاً للإطاحة بالنظام.
ولما كان هذا المحور الروسي ــ الإيراني ــ الحزب الإلهي مستهدفاً اقتصادياً ومالياً أيضاً من “قيصر”، لعلّه يقتنع بالضغط على الأسد، أمكن ملاحظة الاختلافات الجوهرية في الوقاية منه على طريقة التهدئة في المتن والشغب في الهوامش: روسيا تعرف أطر التفاوض مع أميركا على ملفات تبدأ من فنزويلا ولا تنتهي بكوريا الشمالية مروراً بالصين وليبيا ومناطق انتشار صواريخ حلف شمال الأطلسي وقواعده في أوروبا الوسطى والشرقية. طهران تتبادل وواشنطن إطلاق سراح العلماء والعملاء ويهدأ التصعيد والتوتر في الخليج، وتطلب فجأة مساعدة فرنسا في تحليل الصندوق الأسود للطائرة الأوكرانية. أما رد إيران في سورية وفي لبنان، أي في الهوامش، فشغب صرف، من نوع فتح المعابر “غير القانونية” بالكامل من لبنان باتجاه سورية لتصل الدولارات الشحيحة والبضائع إلى دمشق لعلها تؤخر انتفاضة حرية وجوع جديدة للسوريين. ثم تعيين شخص ما يُدعى حسين عرنوس رئيساً للحكومة السورية، وهو مشمول بعقوبات أوروبية وأميركية منذ عام 2014، لكي “يتحدّى واشنطن” بحسب العنوان ــ النكتة الذي اختاره إعلام حزب الله في بيروت، وليسود “التفاؤل الحذر” في دمشق مثلما ترغب قناة العالم الإيرانية الحكومية أن نصدّق.

 

 

 

 

الكاتب:ارنست خوري – المصدر:العربي الجديد 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول